الفصل الأول

الفصل الأول

39 0

في قارة شاسعة تواجدت مملكة فانجا، مملكة غنية بالمعادن، الثروة، الزراعة، و أهم شيء بالمباركة

لكن السنوات الأخيرة جعلت الناس يترددون في تصديق هذه الأقاويل المعظمة لمملكتهم كونهم لم يروا سوى الحرب التي إمتصت حياتهم ببطأ و قسوة

الحرب العظمى التي إمتدت لعقد كامل حولت أرضهم العزيزة إلى مجرد مسرح مهجور

ألاف الأشخاص الأبرياء لقوا حتفهم بطرق شنيعة عجز اللسان عن وصفها

جنود إنتحروا لهول المناظر و شناعتها و أخرون فقدوا عقولهم

لكن وسط ذلك ظهرت بطلة حربهم و ولية عهدهم ليليث التي وضعت حدا لذلك الكابوس و عقدت صلحا مع مملكة ثاريا

إنتهت الحرب رغم كل الجراح التي حفرتها في نفوس سكان المملكتين و رغم الخسائر الثقيلة و الباهضة إنتهت

ليليث ولية عهد فانجا و صاحبة العشرون عاما التي أكلت الحرب من شبابها و روحها، جعلها هذا تعقد العزم على حماية مملكتها مهما كلف الأمر

مملكتها أيضا بجانب إشتهارها بموارد غنية و التي كانت السبب الأكبر للصراعات و الحروب الطاحنة إشتهرت أيضا بنبوءة

نبوءة عن ساحر أو ساحرة يظهر واحد منهم كل قرن لكن مع وفاة أخر ساحرة لم يسمعوا شيئا عن ولادة واحد أخر مما أدخل المملكة في حالة هلع

ربما إنتهت الحرب لكن مازالت علاقاتهم مع باقي الممالك متوترة بحيث أن أدنى شرارة ستسبب قيام حرب أخرى ربما تكون أكثر فتكا

لذا من أجل مملكتها ضغطت على قلبها و توجهت لمعبد النور حيث يعيش الكهنة المشرفون على مخطوطات النبوءة

و من دون مجاملات هي تكرههم، مستغلون وضيعون إستغلوا الحرب لنهب الأموال من المزارعين البسطاء مقابل منحهم بركات لحمايتهم من الحرب

ليليث قطعت رأس الكاهن الأعلى السابق معلنة إعتراضها على ما يفعلونه للناس الضعفاء و هددت أنها ستقوم بشيء أخر لو تكرر ذلك السلوك المشين

بالعودة للحاضر كانت جالسة على كرسي فخم جعلها تتنهد بتقزز، الناس في الخارج تموت جوعا و هم يبذرون أموال الخزنة على هكذا تفاهات

رفعت نظرها لتتقابل عيونها الوردية بذلك التمثال لساحرة النبوءة السابقة و شعرت بنوع من الرهبة

تأملت ذلك التمثال بسرحان، لو كانت الساحرة هنا لربما تغير مسار الحرب، لربما لم يكن ليموت الناس بذلك الشكل

أخرجت نفسها من تلك الأفكار كونها تعلم أنه لا فائدة ترجى من البكاء و التحسر على ما سبق لذا أعادت التركيز على ما يحدث

طاولة كبيرة من الخشب الصلب مزينة برسوم عريقة و نقوش لم تفهم نصفها

مخططات و خرائط لجميع مناطق المملكة و ألاف الأسماء الموضوعة في زاوية

رزنامات و أوراق تسجيل المواليد، إستعملوا كل الجهود للعثور عليه لكن بلا جدوى كل محاول بائت بالفشل و هو ما يظهر في ملامح الكهنة المتوترة

ستكذب لو أنها لم تشعر باللذة لملامحهم المهزومة و الخائفة، لقد فشلوا في عملهم مما يعرضهم للعقاب و ستكون جد ممتنة لو نفذته هي

صوت تنهيداتهم و همساتهم كان كطنين بعوضة في أذنها لذا نهضت

سارت بهدوء لدرجة أن لا أحد لاحظ أنها غادرت بالفعل و هذا جيد لقد إكتفت منهم

قررت التجول علها تصفي ذهنها قليلا و لعلها تجد شيئا أيضا

سارت داخل المعبد و بالضبط في الجزء الداخلي منه و كلما تعمقت أكثر إنخفض نور المشاعل و زاد الضغط و سكون المكان

الرائحة خانقة للغاية و الهواء ثقيل، رائحة البخور الممزوحة بالتراب و الغبار جعلتها تسحب القليل من وشاحها تغطي به أنفها

ألا ينظف أحد هنا؟

إستنكرت تكمل السير لتتوقف أمام باب كان هو أخر ما في الممر أرادت تجاهله لكن نور طفيف يشع من تحت الباب شد إنتباهها

حاولت قراءة ما هو مكتوب لكن من دون فائدة مجموعة رموز غريبة ربما تعود إلى اللغة القديمة التي لم يعودوا يتحدثون بها

فتحت الباب لتغطي أنفها أكثر كون الغبار أكثر كثافة هنا، لابد أنها غرفة منسية فحتى النوافذة مفقودة

وسط إنزعاجها من الإهمال شدت إنتباهها مخطوطة موضوعة على حامل حجري

إقتربت لتتلمسها بجهل تام لمحتواها كونها بذات الرموز الغريبة

لكن وسط فوضى الأحرف و الرموز تمكنت من قراءة كلمة واحدة و هي ساحر

قربت المخطوطة لها أكثر بينما تتلمسها و تدقق النظر جيدا علها أغفلت كلمة أخرى

لكن لشدة تركيزها مع ما كتب لم تنتبه لقرب المخطوطة الشديد من شمعة كانت قريبة من الحامل الحجري

و عندما علمت كان الأوان قد فات تحولت المخطوطة لكومة رماد بين يديها مما أصابها بنوع من القلق

قد تكون أتلفت شيئا مهما لكن عندما فكرت فقط في محاول إخفاء الأمر سمعت شهقة عالية

إلتفتت بسرعة تحدق في الخادم الذي ينظر لها بذعر و حتى قبل أن تقول شيئا وجدته قد غادر مسرعا

ستبدأ المشاكل، تبعته بهدوء تتظاهر بالقوة و عدم المبالاة بينما عقلها يذكرها بطباع الملك

أجل هي تناديه بالملك كون لاشيء في كلمة أب ينطبق عليه

وصلت حيث البهو الأساسي للمعبد و هناك وجدت الكهنة مجتمعين يتناقشون في مصيبتها

وجوههم التي إختلفت عن السابق فبدل الخوف و القلق سيطرت الشجاعة و الغضب على تعبيراتهم

" جلالتك "

خاطبها الكاهن بإحترام رغم غضبه، في النهاية لا يمكنه تجاهل مرتبتها التي تفوقه بمراحل

رفعت حاجبها بينما تزيل الوشاح من أنفها و ترمقهم بنظرات حادة تنافت مع لون عينيها اللطيف

الوردي فعلا لم يكن يليق بها

" كيف تكونين مهملة لدرجة حرق مخطوطة مهمة كهذه؟ "

رما عليها إتهامه معتقدا أنه سيكسر غرورها أخيرا غير أن ضحكة ساخرة هي كل ما حصل عليه

" كنت سأوافقك لو أنني كنت عمياء، كلانا نعرف أنك لم تكن تعلم بوجود تلك المخطوطة أو لم تعلم حتى بوجود تلك الغرفة، ألست محقة؟ "

الإستفزاز رسم على وجهها ببراعة مطلقة جاعلا الكهنة يتسمرون، من أين لها بكل تلك الثقة؟

لم يسبق لهم رؤية شخص متشبع بالغرور و العنفوان مثلها

الكاهن الأعلى الذي وجه له الكلام شعر بالحرج كون كل ما تفوهت به صحيح لكنه حاول قدر الإمكان تلطيف موقفه

" رغم ذلك إهمالك سيكلفنا الكثير لذا لا خيار أخر أمامنا سوى الشكوى للملك "

رمقته بهدوء جعله بتوتر و يحدق بعيدا، هالتها لا تمزح، كانت هالة شخص خرج من الموت واقفا لذا لم يعد شيء يخيفها حديثه هذا جعلها تصاب بالنعاس لا الخوف

لكن ما زاده قلقا هو إبتسامتها ناحيته، إبتسامة كانت خالية من السعادة و كأنها مجرد واجهة تجعله يرهب منها فقط

" أخبره هذا ما تجيدونه على أية حال تقبيل قدمي الملك ليرمي لكم قليلا من الذهب كي تمارسو قذارتكم به "

رمت إهانة ثقيلة عليهم ما جعلهم في حالة غضب و إستهجان شديدين و توعدوا لها

" كيف تجرئين على إهانة خدم النبوءة؟ "

نطق شخص منهم و كان أكبرهم سنا لكنها إستمرت في الإبتسام تزيد من حرقتهم

" من الجيد أنكم تعرفون مكانكم و لكي أكون منصفة و كريمة سأخذكم شخصيا للملك "

سخريتها الواضحة جعلتهم أكثر حقدا عليها لكنهم لم يتمكنوا من فعل شيء حقيقي كونها بطلة الحرب و ولية العهد

خطأ بسيط معها يكلفهم إحترامهم أمام الشعب

......................................................

يرجى التعليق و التصويت إذا نال الفصل إعجابك

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

النبوءة

المؤلف Esther
2025/08/29 مستمرة
قائمة الفصول (8)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة