وسط سلسلة من الجبال الشاهقة، وعلى امتداد غابات كثيفة تتشابك فيها الأغصان كأنها أسرار لم تبح بها الرياح، تقع مملكة إيميلانيوس، أرض الهجناء، المملكة التي احتضنت أولئك الذين لم يجدوا لهم موطنًا في أي أرض أخرى.
كان الوصول إليها رحلة محفوفة بالمخاطر، إذ لم يكن هناك طريق مباشر يقود إليها، بل مسارات ملتوية، بعضها مخفي خلف ستار الضباب الكثيف، وبعضها محفوف بالوديان العميقة والمنحدرات الخطرة.
كان على كل من أراد الوصول إلى إيميلانيوس أن يمر عبر "جسر العابرين"، وهو جسر حجري قديم يمتد فوق وادٍ سحيق، تحرسه تماثيل ضخمة لمقاتلين هجناء سقطوا في المعركة الأولى.
على الجسر، كانت الرياح تعصف بقوة، وكأنها تذكير بأن العابر إلى هذه الأرض يجب أن يكون شجاعًا بما يكفي لمواجهة العواصف، سواء كانت في الطبيعة أو في نفسه.
بعد الجسر، يبدأ الطريق في التعرج عبر الغابة، حيث الأشجار العملاقة تتشابك أغصانها، مما يجعل ضوء الشمس يتسلل بصعوبة، مرسلاً خيوطًا ذهبية متفرقة فوق الممرات المليئة بالحصى الرطب.
وبينما يتقدم المسافر، تبدأ أولى ملامح المملكة بالظهور تدريجيًا، حيث تظهر الأسوار العظيمة التي تحيط بالمملكة، شامخة كأنها جبل ثانٍ بُني بيد غير بشريه.
كانت أسوار إيميلانيوس أعظم ما يميزها، بُنيت منذ قرون من حجارة داكنة، ونُقشت عليها أسماء المحاربين الذين ضحّوا في "الحرب الأولى"، معركة تقرير المصير التي ثبتت وجود الهجناء كأمة لا يمكن محوها.
كل اسم على الجدار كان يحمل قصة، وكان يُقال إن من يقف أمام النقوش في ليلة اكتمال القمر، يمكنه سماع أصوات أولئك المحاربين تتردد في الهواء.
داخل الأسوار، كانت المملكة تنبض بالحياة. لم تكن مثل الممالك الأخرى ذات الطابع الموحد، بل كانت خليطًا غريبًا وساحرًا من الحضارات، يعكس طبيعة سكانها الهجناء.
الأزقة ضيقة ومتشعبة، تملؤها الأسواق المفتوحة حيث تُباع الأعشاب النادرة، والأسلحة المصنوعة بأيدي صناع بارعين، والمخطوطات القديمة التي تحكي عن أصول الشعوب المختلطة التي شكلت المملكة.
كان الشعب هنا متنوعًا كما لم يكن أي مكان آخر؛ ذوو الدماء المختلطة بين المستذئبين والمخلوقات الأخرى كانوا يسيرون في الشوارع بلا خوف أو تمييز.
كان هناك من يمتلك عيونًا ذهبية كالنمور، وآخرون بآذان مدببة مثل الجان، بينما امتلك بعضهم أجسادًا ذات سمات جسدية مميزة كالأنياب الحادة أو الأجنحة المخبأة تحت ملابسهم الطويلة.
كان كل شخص في إيميلانيوس يحمل بصمة فريدة، ولكن ما جمعهم هو أنهم جميعًا هجناء... جميعهم وجدوا أخيرًا موطنًا لهم.
في قلب المملكة، وسط الساحات الواسعة والمباني التي تجمع بين الطابع الحجري القديم والنقوش الذهبية الحديثة، ارتفع القصر الملكي، تحفة معمارية تدمج بين الحضارات المختلفة التي تشكل هوية المملكة.
بني القصر من أحجار بركانية سوداء، تعكس الشمس عليه لونًا أرجوانيًا غامضًا وقت الغروب، وكأن البناء بأكمله ينبض بحياة خاصة.
كانت بوابته الرئيسية هائلة، محفورة عليها رموز قديمة تحكي عن تاريخ المملكة، عن أولئك الذين رفضوا الخضوع وقرروا بناء وطنهم بأنفسهم.
وعلى جانبي المدخل، وقفت تماثيل لمحاربين هجناء، أحدهم يحمل رمحًا ضخمًا والآخر سيفًا مزدوجًا، في وضعية دفاعية كأنهما يحميان المملكة إلى الأبد.
عند العبور إلى الداخل، كانت ردهة المدخل واسعة، تمتد حتى نهاية القصر، وتزينت جدرانها بلوحات ضخمة
كانت الأرضيات من الرخام الأسود اللامع، تتخللها نقوش فضية تتوهج بخفوت تحت ضوء المشاعل المعلقة على الجدران.
كانت القاعة الكبرى حيث تُعقد الاجتماعات مصممة بأسلوب فريد، أعمدة حجرية ضخمة تحمل السقف المرتفع، محفور عليها رموز من لغات مختلفة، تُمثل تنوع الأجناس التي تعيش هنا.
في منتصف القاعة، كانت هناك طاولة ضخمة من خشب الأبنوس، محفور عليها خريطة المملكة والمناطق المجاورة، تُستخدم في التخطيط الاستراتيجي.
وأخيرًا، كانت قاعة العرش هي القلب النابض للقصر، والمكان الذي تعكس فيه المملكة هيبتها وعظمتها. كانت القاعة مظلمة قليلاً، مضاءة بمشاعل زرقاء تمنحها جوًا غامضًا.
في صدر القاعة، ارتفع عرش الملوك، مصنوعًا من مزيج من الفولاذ الأسود والفضة، ومزينًا بقطع من الأحجار الكريمة التي جُمعت من أراضٍ مختلفة، كرمز لوحدة الشعوب التي تشكل المملكة.
ما كان يميز العرش هو أنه لم يكن مجرد كرسي، بل كان محفورًا عليه أسماء جميع الملوك السابقين الذين حكموا المملكة، تمامًا كما نُقشت أسماء المحاربين على الأسوار.
كان هذا العرش يروي تاريخًا من النضال، وكان الجلوس عليه يعني حمل إرث ثقيل، إرث أمة قاتلت لتحصل على حقها في الوجود.
خلف العرش، امتدت نافذة ضخمة تطل على المملكة، تعطي الملك أو الملكة رؤية كاملة للأرض التي يحكمونها. ومن خلال تلك النافذة، يمكن رؤية الأسوار القديمة التي تروي قصة أمة لا تنسى من قاتلوا لأجلها.
في تلك القاعة، حيث يُتخذ كل قرار مصيري، وحيث تُكتب صفحات جديدة في تاريخ إيميلانيوس، لم يكن الجلوس على العرش شرفًا... بل كان مسؤولية، مسؤولية حماية أرض الهجناء، مهما كلف الأمر.
كانت المكتبة الكبرى في قلب القصر، تمتد على مساحة هائلة تجعل الداخل إليها يشعر وكأنه قد عبر إلى عالم آخر، عالم تسكنه الحكمة والمعرفة.
عند دخولها، كان أول ما يلفت النظر هو الجدران العالية، المطلية بلون أزرق داكن ممزوج بلمسات ذهبية متوهجة تعكس نور المشاعل المعلقة في زوايا الغرفة، مما يمنحها طابعًا ساحرًا كأنها سماء ليلية مرصعة بالنجوم.
كانت الأرفف تصطف على امتداد الجدران، شاهقة تصل حتى السقف، مصنوعة من خشب الأبنوس الأسود المحفور عليه زخارف دقيقة تمثل رموزًا وأسماء علماء ومؤرخين عبر العصور.
امتلأت الأرفف بآلاف الكتب القديمة والمخطوطات النادرة، بعضها مغطى بغلاف جلدي متآكل من أثر الزمن، وبعضها مزخرف برموز سحرية خافتة تتوهج كلما مر أحد بجانبها.
كان هناك كتب مكتوبة بلغات قديمة، وكتب أخرى مصنوعة من ورق سميك يحمل ختم المملكة، وأخرى ذات صفحات ذهبية لا يُسمح بلمسها إلا للقلة المختارة من الباحثين والحكماء، وابناء الملوك .
في وسط المكتبة، كان هناك سلم حلزوني مذهّب يؤدي إلى الطابق الثاني حيث توجد أندر الكتب وأكثرها قيمة.
السقف كان مقببًا، ومزينًا بلوحات فنية تحكي أساطير المملكة، مضاءة بثريات زجاجية ضخمة، متدلية في سلاسل فضية، تحمل كرات سحرية تتوهج بلون أزرق خافت، تبث ضوءًا دافئًا يبعث السكينة في المكان.
أما المقاعد، فقد وُضعت بعناية بين الأرفف، مصنوعة من خشب الماهوجني العتيق، ومغطاة بوسائد مخملية باللون العنابي، تعكس طابعًا ملكيًا مهيبًا.
في أحد أركان المكتبة، كان هناك مدفأة حجرية كبيرة، أعلاها رف مليء بالتماثيل الصغيرة والمخطوطات القديمة، تبعث وهجًا برتقاليًا دافئًا يخلق أجواءً مثالية للقراءة في ليالي الشتاء الباردة.
كانت الطاولات مستديرة، مصنوعة من الخشب الداكن، محفورٌ على حوافها خريطة العالم القديم، حيث يمكن للباحثين الجلوس والعمل في هدوء تام.
وعلى كل طاولة، وُضعت شموع سحرية لا تنطفئ أبدًا، تنير الصفحات دون أن تحترق أو تصدر رائحة الدخان المعتادة.
وعلى الرغم من الهدوء العميق الذي يغمر المكتبة، إلا أن همسات الماضي كانت تملأ الجو، كأن الكتب تتحدث بصمت، تروي قصصًا منسية لا يمكن العثور عليها في أي مكان آخر.
في أحد أركان تلك المكتبة المهيبة، كانت بريسيكا جالسة على الأرض وسط الكتب المتناثرة حولها، وعينيها تركزان على إستفانوس، ابنها البكر، الذي كان جالسًا بجانبها.
كانت صفحات الكتب الكبيرة تفتح أمامه واحدة تلو الأخرى، بينما كانت هي تشرح له بتأنٍ، محاولًا أن تزرع في قلبه الفهم الكامل لتاريخ المملكة، ليكون جاهزًا لحمل عبء المسؤولية يومًا ما.
صوتها كان هادئًا لكن يحمل نغمة من الحزم، وكأن الكلمات التي تنطقها تحمل أكثر من مجرد معلومات.
كانت تلك اللحظات مليئة بالحكمة، لكنها كانت تخفي خلفها أيضًا مشاعر من القلق، نظراتها تراقب كل حركة من حركاته، تدرك تمامًا أن المستقبل الذي تعده له ليس مضمونا، وأن الفتى الذي تجلس بجواره قد يحمل في قلبه عبئًا ثقيلاً لن يعلمه إلا حين يحين الوقت.
"الذئب الذي يمشي في آخر القطيع هو سيدهم، ولكن في الحرب يكون هو في المقدمة، . هل تفهم ذلك يا إستفانوس؟"
"نعم، أمي. ليس الشعب من يحارب لأجل الملك، بل الملك هو من يحارب لأجل شعبه."
"أحسنت إستفانوس. أنت الابن البكر، والملك القادم. هل تعلم ماذا يعني ذلك؟"
"العائلة ثم الشعب، قبل مصلحتي أنا."
"نعم، وهذا يعني أن العائلة والشعب سيضعونك أولاً قبل مصلحتهم، وسيكون عليك حمل عبء قرارهم ومصيرهم على عاتقك."
"الفرد للجميع، والجميع للفرد. أنا أفهم ذلك جيدًا."
ابتسمت بريسيكا بفخر وهي تنظر إلى ابنها، الذي ورث ملامح والده وشخصيته الهادئة، لكنها كانت تشعر بشيء من الراحة رغم صعوبة اللحظة.
استفانوس كان الملك القادم، الذي سيحمل راية السلام في أرض تمزقها الحروب، لكن في قلبها كان هناك خيفة من المستقبل.
هو شخص متفهم، قوي، ويشعر بعمق المسؤولية، لكن الطريق الذي سيسلكه سيكون مليئًا بالتحديات التي لم يكن مستعدًا لها بعد.
كانت تدرك أن المسؤولية التي سيحملها ليست مجرد لقب، بل هي عبء ثقيل يتطلب أكثر من مجرد الحكمة أو القوة.
سيحتاج إلى الشجاعة لمواجهة مواقف ربما يضطر فيها لاختيار ما قد يضر بمصلحة المملكة من أجل الحفاظ على أمنها، وها هو في سن الشباب يتعلم كيف يوازن بين الواجبات والمشاعر.
كانت تتأمل في اللحظة، متأملة في تطورات الأيام القادمة، وكانت تعرف أن استفانوس سيواجه اختبارًا أصعب بكثير من أي شيء تعلمه حتى الآن.
لقد بدأ في فهم أساسيات الحكم، لكن هناك أبعادًا أخرى قد يصعب عليه استيعابها في البداية.
مثلما يواجه القائد جيشه في المعركة، سيواجه إستفانوس أيامًا مليئة بالقرارات الصعبة، التي ستظهر فيها رغباته الشخصية وتضاربه مع مصلحة المملكة والشعب.
بينما كانت بريسيكا تراقب ابنها، كانت تفكر في الطريق الذي سيختاره. كما هو معروف في المملكة، هناك قانون يسمى "الايفا"، وهو قانون قديم يعتمد على التضحية المستمرة في سبيل مصلحة المملكة.
كان هذا القانون يتطلب أن يضع الملك مصالح شعبه فوق أي شيء آخر، حتى وإن كان ذلك يعني التضحية بالأشخاص المقربين إليه.
هل سيكون أريس قادرًا على الوفاء بهذا القانون الصارم؟ هل سيكون قادرًا على التعامل مع الحلفاء والخصوم على حد سواء؟ وبالنسبة الايفا، الذين يُعتبرون من أفضل الرجال في المملكة،
هل سيقبلون بأن يتبعوا شخصًا شابًا يحمل في قلبه الكثير من الحلم والأمل؟ هذه الأسئلة كانت تتلاعب في ذهن بريسيكا، وهي التي عاشت فترة حكم كانت مليئة بالاضطرابات والصراعات.
"أريدك أن تكون قويًا يا إستفانوس، لكنني أيضًا أريدك أن تكون حكيمًا. لا تنسى أن القوة التي في يدك هي ليست للانتقام أو التسلط، بل هي لحماية من هم في حاجتها."
كانت كلماتها تتردد في ذهنه، لكن إستفانوس، رغم صغر سنه، كان يحمل نضجًا غير معتاد. لقد أدرك أن هذا الطريق ليس سهلًا، وأن عليه أن يتحمل عبء القرار وليس فقط تبعاته.
كان يرى في عيني والدته الخوف، لكنه كان يدرك أيضًا أن هذا الخوف هو نابع من الحب والاهتمام، وليس من شك في قدراته.
ابتسمت بريسيكا بخفة، لكنها كانت تعلم أن الابتسامة كانت تخفي وراءها قلقًا دائمًا. لم يكن الأمر يتعلق بما إذا كان استفانوس سيكون قادرًا على أن يصبح ملكًا، بل بما إذا كان سيكون قادرًا على أن يحكم في عالم مليء بالألغاز والصراعات التي قد تبتلع حتى أقوى الملوك.
لكن رغم كل ما كانت تفكر فيه، كانت تشعر بنوع من الطمأنينة. لديه القوة، الحكمة، والرؤية التي تجعلها تظن أنه سيكون الملك الذي تحتاجه المملكة في هذه اللحظة الحاسمة. ومع ذلك، كان لا يزال أمامه الكثير ليتعلمه.
.
.
.
في عمق الليل الساكن، حين كانت أصداء القصر تغرق في صمت مهيب لا يقطعه سوى صوت المشاعل الخافتة وهي تتراقص على الجدران الحجرية العتيقة، جلس إستفانوس وحده في غرفة الحرفيين.
كانت الطاولة أمامه تعج بأدواته، قطع صغيرة من الذهب، خيوط دقيقة، وأحجار لم يجد بعد الطريقة المثلى لتثبيتها.
عيناه الحادتان، اللتان ورث لونهما عن والده، كانتا مركزتين تمامًا على ما بين يديه. أصابعه، التي تعودت الإمساك بالسيف، بدت غريبة وهي تحاول التعامل مع هذه التفاصيل الصغيرة، لكنه كان مصممًا.
لم يكن هذا مجرد عقد، بل وعد صامت، رسالة لم يستطع التعبير عنها بالكلمات، لذا صاغها بيديه.
لكن الخطأ كان دائمًا يتسلل، تفصيل صغير لا يراه سوى هو، فيقطب جبينه، يضرب الطاولة بخفة بقبضته المكورة، ثم يزيل ما صنعه ليبدأ من جديد.
كان عناده واضحًا، لكنه لم يكن فقط عناد شاب في الخامسة عشرة، بل عناد ملك قادم، يدرك أن العظمة تُصنع بالتفاصيل، وأن الهدايا الثمينة لا تأتي بسهولة.
وفجأة، انتفض قليلاً حين شعر بشيء ما... لم يكن صوتًا، بل إحساسًا. التفت ببطء، ليجد عند الباب، في ظلال الضوء الشاحب، ذلك الرجل الذي لطالما نظر إليه بإعجاب... والده، الملك جابرييل.
وقف جابرييل هناك بهيبته المعتادة، لم يقل شيئًا في البداية، بل راقب ابنه بصمت، كأنه كان يدرس كل تعبير يظهر على وجهه.
حاول إستفانوس إخفاء العقد سريعًا داخل كفه، لكن والده رأى أكثر مما كان يحاول حجبه.
كان رجلاً طويل القامة، عريض المنكبين، هالة من الوقار تحيط به أينما ذهب.
شعره البني كان يحمل بضع خصلات فضية زادته وسامة، وعيناه الرماديتان كانتا عميقتين، كأنهما تحملان أسرار العوالم كلها.
ارتدى رداء ملكيًّا داكن اللون، تتخلله تطريزات فضية، وعلى كتفه عباءة ، تعكس سلطته ومكانته.
كل حركة منه كانت محسوبة، قوية ولكنها هادئة، كرجل تعلم أن القوة ليست في العنف، بل في السيطرة.
تقدم الملك بخطوات هادئة، ملامحه تحمل صلابة الرجال الذين عبروا الحروب والدماء، لكن في عينيه البنيه، كان هناك شيء آخر... دفء خفي، لا يظهره سوى لمن يستحق.
جلس بجانب ابنه دون أن ينبس بكلمة، ثم مد يده، وبحركة هادئة مرر أصابعه بين خصلات شعر إستفانوس كما كان يفعل حين كان صغيرًا. شعر الفتى بشيء من الطمأنينة رغم خجله، لكنه لم يرفع نظره عن الطاولة.
"لدي هدية قد تساعدك."
قالها جابرييل بصوته العميق، ثم أخرج من جيب ردائه الملكي كيسًا صغيرًا، وضعه أمام ابنه، وفتحه ببطء.
في الداخل، كانت هناك مجموعة من الأحجار الكريمة القديمة، كل واحدة منها تحمل في طياتها قصصًا قديمة، لكن واحدة فقط أسرته تمامًا – حجر أزرق شفاف، بلون عينيها.
التقط الحجر بيده، تأمله بصمت، ثم همس دون أن يدرك:
"إنه يشبه لون عينيها..."
لكن حين رفع بصره، وجد والده يراقبه بابتسامة خافتة، فأحس بالخجل، وتراجع قليلاً كأنه يحاول سحب كلماته.
لكن جابرييل لم يضحك عليه، بل وضع يده على كتفه وقال بهدوء:
"لا داعي لأن تخجل من حبك، بني... فهو ليس خطيئة."
ظل إستفانوس صامتًا، قبل أن يهمس بتردد:"هل كنت... تفعل ذلك مع أمي؟"
ارتسمت على شفتي جابرييل ابتسامة مختلفة هذه المرة، كأن ذاكرته حملته بعيدًا، إلى لحظة بعيدة، إلى بداية قصة لا تزال حية داخله.
"حين رأيت أمك لأول مرة، هددتني بأنها سترفضني فورًا إن أخبرتها أنني أحبها."
قطب إستفانوس حاجبيه بدهشة: "لماذا؟"
ضحك جابرييل بخفة، وكأن السؤال أعاده إلى أيام شبابه:"لأنها لم تكن تثق بي، لذا لم تكن تثق بحبي. لكنها كانت ذكية... رغم ذلك، لم أتوقف عن قولها لها."
"كيف؟ ألم ترفضك؟! أنا أعلم أمي جيدًا، إذا قررت شيئًا، لن تغيره مهما كان!"
"كنت أنظر في عينيها وأقول لها: كما تشائين."
توقف للحظة، ثم أضاف بابتسامة دافئة: "لكنها فهمت أن (كما تشائين) تعني (أنا أحبك). ومنذ أن وجدتها، لم أتركها أبدًا. حتى أنني كنت مستعدًا للتخلي عن عرش إيميلانيوس لأجلها فقط."
ارتسمت الصدمة على وجه إستفانوس، ولم يدرك أنه توقف عن العمل حتى ضحك والده على تعابيره التي لم يتركها ابنه وورثها منه ايضا.
لكنه لم يكن يعلم أن شخصًا آخر كان يراقب هذا المشهد كله بصمت، شخصًا يعرفه جيدًا...
من عند الباب، حيث الظلال تلتقي بالنور، كانت بريسيكا تستند بجسدها على الجدار، عيناها الزرقاوان تشعان بذلك المزيج من الحب والحنين.
شعرها الأسود المسدول يتراقص مع الهواء، وملامحها التي كانت تعبر عن القوة في النهار، بدت الآن هادئة، كما لو أنها ليست ملكة، بل مجرد امرأة وقفت تراقب عائلتها الصغيرة بحب بالغ.
انتبه جابرييل أخيرًا لها، فرفع حاجبه وسأل بصوت منخفض: "منذ متى وأنت هنا؟"
تقدمت بخطوات هادئة، ببطء لا يناسب الملكة التي تكونها صباحًا، لكنها في الليل لم تكن سوى امرأة، زوجة وأمًا.
"منذ البداية."
نظر إليها إستفانوس بدهشة: "كيف لم نشعر بك؟"
ابتسمت، ثم انحنت لتطبع قبلة على رأس ابنها: "لأنني لم أرد ذلك، عزيزي."
وعندما التقت عيناها بعيني زوجها، لمحت ذلك الطلب الصامت فيهما، لكنها بدلاً من أن تمنحه القبلة التي أرادها، ضربت رأسه بخفة وهي تسمع تذمره بصمت.
ثم جلست بجوارهم، عبثت بحجر صغير أمامها، وقالت بصوت هادئ لكنه عميق:"كان هو الملك، وكنت أنا الهاربة، لكنه لم ييأس... والدك لم ينقذ العالم فقط، بل أنقذني أنا من الهاوية أيضًا."
نظر جابرييل إليها بحب، لم يخفت رغم مرور السنوات، رغم أنهم أنجبوا ثلاثة أطفال، رغم كل ما مروا به، كان ينظر إليها كأنها انتصاره الأعظم.
وبينما كان كل منهم يصنع عقده، كان إستفانوس منهمكًا في عمله، لكن والده ساعده بين الحين والآخر، بينما كانت بريسيكا تنظر إليهما وكأنها ترى نسخة مصغرة من زوجها أمامها.
وأخيرًا، حين انتهوا، ظهرت النتيجة... عقدان، من الياقوت الأزرق. لكن كان هناك فرق، عقد جابرييل كان أزرق فاتحًا، أما عقد إستفانوس فكان داكنًا، كليل عينيها.
نظر جابرييل إلى العقدين وقال مبتسمًا:"لقد وقعنا نحن الاثنان في الهاوية الزرقاء الخاصة بهن."
أومأ إستفانوس، ثم ابتسم بخفة وأضاف: "لكن خاصتي أحلى."
رفعت بريسيكا حاجبها بدهشة مصطنعة: "هل قمت بخيانتي الآن؟"
ضحك إستفانوس: "لم أفعل، أمي، توقفي عن الدراما!"
"لكنني المرأة الأولى في حياتك!"
نظر إليها بمكر: "أجل، سيدتي، لكن هي الأولى في قلبي."
ساد الصمت لثوانٍ، ثم انفجر جابرييل ضاحكًا وهو يحاول كتمها حتى لا تحرقه بريسيكا بنظراتها.
استقام إستفانوس وانحنى بدرامية: "أراكم لاحقًا."
وغادر، تاركًا والدته مصدومة، ووالده يضحك قبل أن يهمس لها:
"لما تبدين جميلة اليوم؟"
نظرت له بازدراء، مرجعه شعرها للخلف وقال بغرور: "أنا جميلة كل يوم."
ثم غادرت، لكنه لحق بها فورًا، هامسًا:"هل يمكننا إنجاب طفل آخر؟"
"بالطبع لا."
.
.
.
في أعماق المحيط، حيث لا يصل إليها أي جنس بشري أو متطفل، ولا تخترق أشعة الشمس الأعماق السحيقة، تقبع مملكة نيرودا، أرض السايرن، تلك المملكة التي فتحت أبوابها مجددًا بعد انتصارها في الحرب وعودة السلام إليها.
محاطة بهالة من الغموض والسحر. الوصول إليها ليس بالأمر اليسير، فحتى أكثر البحارة خبرةً لا يستطيعون العثور عليها، إذ تحيطها عواصف سحرية وتيارات خادعة تُضلل كل من يقترب منها، فلا يرى سوى أمواج هائجة وسحب داكنة تحجب الرؤية.
للوصول إلى نيرودا، يجب على المرء أن يجتاز دوامة "لوياثان"، تلك الدوامة العملاقة التي تدور بلا توقف عند حدود المملكة، وتحرسها مخلوقات بحرية قديمة لا تسمح إلا للسايرن الحقيقيين بالمرور.
بمجرد أن يمر المرء عبر الدوامة، يجد نفسه في مياه هادئة بشكل غريب، حيث يتحول لون البحر من الأزرق الداكن إلى الفيروزي النقي، وتبدأ رؤية انعكاسات ذهبية على سطح المياه، كأن القاع نفسه يشع نورًا.
مملكة نيرودا ليست مجرد مدينة تحت الماء، بل هي أشبه بتحفة معمارية تمتزج فيها الطبيعة بالسحر. البيوت مبنية من الشعاب المرجانية العملاقة التي نمت عبر مئات السنين، وجدرانها تتلألأ بألوانٍ متغيرة حسب الضوء المنبعث من الأحجار البحرية السحرية.
النوافذ ليست من الزجاج، بل من قواقع شفافة تعكس ضوء المحيط الداخلي، مما يمنح المملكة وهجًا مستمرًا لا ينطفئ.
في وسط المملكة، هناك ساحة ضخمة تُعرف بـ"ساحة المد والجزر"، حيث يجتمع السكان للاحتفالات والقرارات الملكية.
طرق المملكة ليست مرصوفة بالحجارة، بل تتكون من تيارات مائية سحرية تُنقل عبرها السايرن بانسيابية، حيث لا يسيرون بل يسبحون في مسارات محددة تتغير وفق تدفق الماء.
شعب نيرودا يتألف من السايرن ذوي الجمال الأخاذ والملامح البحرية الفريدة. عيونهم تتدرج بين الأزرق العميق والأخضر المتلألئ، وأجسادهم الرشيقة مغطاة بطبقة لامعة من قشور ناعمة تتغير ألوانها مع الضوء.
حين يكونون في الماء، يمتد نصفهم السفلي إلى زعانف متوهجة، وحين يخرجون إلى اليابسة تتحول تلك الزعانف إلى أرجل بشرية تكسوها ملابس بحرية منسوجة من خيوط اللؤلؤ وأصداف المحيط.
في قلب نيرودا، يعلو القصر الملكي، درة المملكة وأجمل ما فيها. مبنيٌّ داخل كهف مرجاني ضخم، جدرانه تتوهج بلمعان أزرق بفضل الطحالب المضيئة، وتتدلى من سقفه سلاسل من اللؤلؤ الطبيعي، بينما تحيط به شلالات مائية تتدفق بلا توقف، وكأن البحر ذاته يحيي القصر.
عند مدخل القصر، تمتد بوابة المد الملكية، وهي بوابة ضخمة منحوتة من المرجان الأبيض، مزينة بنقوش تصور تاريخ المملكة وحروبها القديمة.
تمر عبر البوابة فتجد نفسك في ممر اللآلئ، ممر طويل يمتد داخل القصر، وأرضيته مرصوفة بالمرجان الوردي، بينما تنير الجدران أصداف متوهجة تنبض بضوءٍ ساحر.
في عمق القصر، تقع قاعة العرش، وهي أعظم قاعة في نيرودا، حيث تُتخذ القرارات المصيرية. سقف القاعة مصنوع بالكامل من زجاج البحر، مما يسمح لأشعة المحيط بالتسلل إليها، لتنعكس على العرش الملكي المبني من المرجان الأسود النادر، والمزين بأحجار الأوبال والألماس البحري.
يتوسط القاعة العرش الملكي، عرش عتيق يحمل نقوشًا قديمة عن أسلاف السايرن، ويحيط به تيار مائي يدور حوله باستمرار كرمز للحياة الدائمة في البحر.
حول العرش، تصطف مقاعد الحكماء والمستشارين، حيث يجلس حكماء البحر لمناقشة أمور المملكة.
تلك هي نيرودا، أرضٌ لا يصل إليها إلا المختارون، حيث يمتزج الجمال بالسحر، والمياه تحتضن شعبًا يعرف معنى القوة والحكمة.
أصوات المياه المتدفقة من الشلالات المحيطة بالقاعة كانت تُضفي سكينة خادعة، وكأن المملكة تعيش في سلام أبدي، لكن الملكة أجنيس كانت تعلم أن السلام في هذا العالم ليس إلا هدوءًا يسبق العاصفة.
على العرش، جلست الملكة بكل عزة ووقار، تاجها الملكي يلمع كوميض نجم تحت سطح الماء، وعيناها الحادتان تجولان في القاعة كأنهما تبحثان عن شيء لا يزال غائبًا.
شعرها الأشقر الذي تتخلله خصلات زرقاء كان يعكس ارتباطها العميق بالبحر، لكن حتى البحر، بكل قوته وسحره، لم يكن قادرًا على نزع القلق من قلبها.
إلى جانبها، جلستا ابنتاها، كل منهما تحمل شيئًا من والدتها، لكن على طريقته الخاصة.
كيارا، الابنة الكبرى، كانت تجلس باستقامة تُظهر مدى صلابتها. نظرتها الحادة التي ورثتها عن والدتها كانت تراقب كل حركة، وكل نفس تأخذه الملكة.
في عينيها كان هناك شيء من الجدية المطلقة، شيء يقول إنها تفكر أبعد مما تبدو عليه.
هل كانت تحاول فهم ثقل العرش قبل أن يصل إليها؟ أم كانت ترى في هذا المقام مسؤولية لا فخرًا؟
أما نيميرا، الابنة الصغرى، فكانت مختلفة. عيناها الحالمة، رغم يقظتهما، لم تحمل ذات الحدة التي تمتعت بها شقيقتها.
كانت تجلس بأريحية أكبر، تنظر إلى انعكاسات الضوء على الجدران كأنها ترى عوالمًا أخرى داخلها.
ربما كانت تتخيل مستقبلًا أقل قسوة، وربما لم تدرك بعد أن هذا المستقبل لن يكون إلا من صنع يديها.
مرت لحظة صمت بينهن، لم يقطعها سوى صوت الماء المتدفق بهدوء، لحظة حملت في طياتها أكثر مما يمكن للكلمات أن تعبر عنه.
داخل قلب الملكة، كان هناك صراع لا ينتهي، كان عقلها منشغلًا بسؤال لا يفارقها: هل ستكون ابنتاها قادرتين على حمل هذا الإرث؟
كيارا قوية، لكنها تحمل ثقلًا مبكرًا على كتفيها، هل ستكون قادرة على مواجهة قسوة الحكم دون أن تفقد إنسانيتها؟أما نيميرا، فليست ضعيفة كما قد يظن البعض، لكنها تحلم كثيرًا، والعالم لا يمنح الحالمين فرصة للنجاة إلا إذا كانوا مستعدين لمواجهة الواقع.
تنفست الملكة بعمق، ثم نظرت إليهما، تلك اللحظة لم تكن مجرد اجتماع ملكي، كانت لحظة اختبار غير معلن.
من منهما ستكون الملكة القادمة؟ ومن منهما ستقف بجانب الأخرى عندما يحين الوقت؟
لكن الزمن لم يكن قد كشف بعد عن إجاباته، فقط نبوءة غامضة كانت تلوح في الأفق، تنتظر أن تتحقق حين يحين موعدها.
كانت أضواء الشموع تترنح في الظلام، ترسم ظلالًا متراقصة على الجدران العتيقة، كأنها تحاول أن تخبر سرًا لا يفهمه سوى من يقرأ ما وراء الضوء.
في تلك الغرفة العميقة داخل القصر، جلست كيارا، الابنة الكبرى ذات الأربعة عشر عامًا، أمام العرافة الخاصة بمملكتهم، يكسو ملامحها مزيج من التركيز والتردد.
على الجانب الآخر، كانت نيميرا، شقيقتها الصغرى ذات العشر سنوات، تراقبها بصمت، عيناها الواسعتان تعكسان مزيجًا من الفضول والخوف.
"هل رأيتِ شيئًا، كيارا؟" جاء صوت اجنيس منخفضًا، مترددًا، وكأنها تخشى أن تسمع الإجابة أكثر من رغبتها في معرفتها.
لم تجب كيارا في البداية، فقط أومأت ببطء. لقد اعتادت منذ صغرها على الرؤى التي تنبثق من ظلام المستقبل، لكن هذه الرؤية كانت مختلفة... كانت ضبابية بطريقة مرعبة، وكأنها تحاول أن تتشكل لكنها تتفتت كلما حاولت الإمساك بها.
"ليست واضحة تمامًا، لكنها تخص نيميرا."
توقفت لوهلة، تتنفس بعمق وكأنها تبحث عن الكلمات المناسبة،
"كل ما أعلمه أنه حين تتم الخامسه والعشرين عامًا، ستصبح أكثر وضوحًا."
نظرت الملكة أجنيس إلى ابنتها الكبرى بعيون حادة، كأنها تحاول أن تستشف ما لم يُقال بعد.
"ما الذي سيظهر، كيارا؟"
كان صوتها هادئًا، لكنه يحمل نبرة متوجسة، كما لو أنها كانت تعرف مسبقًا أن الإجابة لن تكون مطمئنة.
"نبوءتها."
خرجت الكلمة من فم كيارا ببطء، كما لو أنها تزنها قبل أن تطلقها في الهواء،
"ستكون هناك حرب ثانية... خيانة بين أبناء الدم... انهيار ممالك... حقيقة ستظهر ككذبة، وكذبة ستتحول إلى حقيقة..." ثم خفضت صوتها وهي تضيف، "كل شيء سيتغير بعد عشر سنوات."
ساد الصمت للحظة، كأنه امتداد للظلام المحيط بهم. العرافة لم تبدُ متفاجئة، بل اكتفت بإيماءة صغيرة قبل أن تنظر مباشرة إلى نيميرا، نظرة طويلة فاحصة، وكأنها تحاول رؤية ما لا يُرى بعد.
"إذاً، لدينا لقاء آخر بعد عشر سنوات، أيتها الصغيرة." قالتها العرافة بنبرة رخيمة، لكنها حملت في طياتها شيئًا أشبه بالقدر المحتم.
نيميرا لم تفهم تمامًا معنى الكلمات، لكنها شعرت بانقباض خفيف في صدرها. لم تكن تريد أن تكون جزءًا من هذه النبوءة، لم تكن تريد أي شيء من هذا كله.
وعندما استدارت الملكة استعدادًا للرحيل مع ابنتيها، توقفت كيارا فجأة، كأن شيئًا ما اجتذبها للبقاء للحظة إضافية.
"لكل منا دوره في الحياة، ولكل منا قوته وشخصيته الخاصة."
جاء صوت العرافة مجددًا، لكنه هذه المرة لم يكن موجّهًا لنيميرا، بل لكيارا نفسها،
"وأيضًا، لكل منا جانب مُظلم... جانب يعمينا عن رؤية الحقيقة، ويحبسنا داخل الظلام. هل تفهمين ما أعني، كيارا؟"
لم تتحرك كيارا، لم تجب. فقط ثبتت عينيها على العرافة، وكأنها تحاول فهم شيء خفي بين كلماتها. ثم، ببطء، حوّلت نظرها إلى أختها التي كانت تمشي أمامها، وبعد لحظات، إلى الأفق، كأنها تحاول رؤية شيء لا يزال بعيدًا جدًا عن إدراكها.
لكنها شعرت به.شعرت أن هناك شيئًا ما ينتظرها، شيئًا لن يكون بإمكانها تجنبه، مهما حاولت.وبدون كلمة أخرى، سارت في أثر والدتها وأختها، لكن كلمات العرافة لم تغادرها.
بل ظلت تردد في ذهنها، كأنها طيف يُذكرها بأن الظلام الذي تحدثت عنه... قد يكون أقرب مما تتخيل.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
✧انتهى الفصل... ولكن القصة لم تنتهِ بعد!✧
- لا تنسى متابعتي على حساب الإنستجرام
انستجرام :lilith _lely
-ليليث🍒
lilith🍒