الفصلــــ⁵ / لانــــهــــا كــــيــــارا

الفصلــــ⁵ / لانــــهــــا كــــيــــارا

20 0

"هي لا تنتقم لتُشفى، بل لتُنزفهم كما نزفوها."

- لـيـلـيـث🍒

. *  .  * . * . * . * . * .

"لقد عادت"...تلك هي الجملة التي ترددت همسًا منذ أن وطأت أقدامها أرض المملكة.

العيون تلاحقها، لكنها لم تنظر لأحد كانت خطواتها واثقة، تحمل في طيّاتها دلال السايرن الذي لا يُشبهه أحد.

دخلت القصر ببطء، حتى وصلت قاعة المجلس.

–"كيارا؟"

نطقت بها "أجنيس" بصوتٍ خافت، وكأنها تخشى أن تكون وهماً

ها هي تعود... بعد أسابيع من الغياب، واقفة أمامها كما تمنّت.

"أين كنتِ؟"

"ليس مهمًا... أنا متعبة."

اجابتها وهي تبتعد عنها لا تسمح لها بلمسها حتى أومأت أجنيس بهدوء، لكن "زلال" الوزير قال بجدية:

"لقد أت زعيمة هيدرايلا مجددًا... إنها بحاجة لمشورتك."

فأجابت كيارا دون أن تنظر له

"بل تقصد مساعدتي، سيد زلال... ثم لم تعد تلك الفتاة الصغيرة، أنها الآن ملكة... وعليها أن تتعلم كيف تحلّ مشاكلها وحدها."

واستدارت لتغادر، لكن صوته أوقفها

"إنه لا يعترف بها... ويقلل من مكانتها."

تجمدت لحظة، لم تُجب أكملت طريقها بصمت، لكن عقلها كان في اشتعال

همست حين توقفت أمام باب غرفتها

"تبًّا لها..."

ثم استدارت، عائدة بخطوات قوية نحو قاعة الاجتماعات.فتح الحرس الأبواب على الفور، ودخلت لتسمع صوت "ثاليمار" يرتفع:

"...ولا ولاء لي لتلك المدعوّة نيمرا!"

سكت الجميع حين دخلت أنظارهم عليها... لكنها لم تنظر لأختها ولا للحاضرين، فقط صوبت نظرتها نحوه.

"من تظن نفسك لترفض أو تقبل؟! من أمامك ليست إحدى جواريك... بل ملكة تم اختيارها من قِبل المجلس أخبرني، من أنت لتمنح الشرعية أو ترفضها؟ من أعطاك هذا الحق بحق البحار السبع؟!"

"دون مملكتي... لا مؤن لكم ولا اتصال بباقي الممالك."

قالها بثقة مصطنعة رفعت حاجبها له، وكأنها تسخر من حماقته. ثم أمالت جسدها للأمام، وهمست بابتسامة مختلّة

"ودون جيشي... ليس لك أمان كما فتحت لك طريقًا، يمكنني إغلاق عشرة أن تتحدّاني يعني هلاكك."

همّ بالكلام، لكنها قاطعته بصوت أقسى:

"ولاؤك لِـ نيرودا، لا لحاكم ،لك أمانك فقط، أما سياستنا؟

... فلا دخل لك بها من سيحكم، ليس شأنك."

صمتٌ ثقيل خيّم على القاعةثم قالت بهدوء قاتل

"انتهى الاجتماع... وعلى الجميع الرحيل."

فور أن أنهت كيارا كلماتها، عمّ الصمت قاعة المجلس، وبدأ الحاضرون يغادرون تباعًا، وكأن ثقل الحديث أرهق أرواحهم.

كان آخر من غادر هو ثاليمار، خطاه تتردد على أرضية الرخام وكأنها تعبير أخير عن التحدي، أو ربما العناد.

عندها فقط، رفعت كيارا عينيها نحو نيميرا لأول مرة منذ دخولها القاعة... التقت نظراتهما.

قالت بحدة، صوتها يحمل نارًا خافتة تحت الرماد:

"كيف تسمحين له أن يتحدث إليكِ بهذه النبرة؟"

أجابت نيميرا بصوت شاحب، متعب كمن يقاوم الانهيار:

"لقد أثار الجدل... لأنكِ لستِ الحاكمة، كيارا."

تقدّمت كيارا منها خطوة، تتقد في عينيها شرارة ساخطة، وكأنها تقاتل العالم بأكمله لأجلها:

"لم تعودي تلك الفتاة الحالمة، نيميرا. أنتِ ملكة، ومن يرفع صوته عليكِ... يُسقط رأسه بلا تردد."

ثم أضافت، بصوتٍ أخفض، كأنها تسرد واقعًا لطالما خبّأته خلف ابتسامتها:

"الرجال أوغاد بالفطرة، وإن لم تكوني وغده مثلهم... فأنتِ ضحية تنتظر لحظة سقوطها."

همست نيميرا، بصوت مكسور كأن الروح تهمس لا اللسان:

"الحُكم ليس لي، كيارا..."

نظرت إليها كيارا طويلًا، نظرة لا تحمل عتابًا بل خيبة ممزوجة بالمرارة، ثم قالت بنبرة باردة كالحديد:

"لكنه اختاركِ، نيميرا... فلا تُهيني من رآكِ جديرة بالتاج."

استدارت بعدها لتغادر، وبينما خطت أولى خطواتها، توقفت وقالت ببرودٍ جارح:

"تلك كانت مساعدتي الأخيرة لك... لا تتوقعي مني المزيد."

خرجت كيارا من القاعة بخطوات ثقيلة، كأنها تحاول ترك كل شيء خلفها كانت ردهات القصر خالية إلا من صدى خطوات كيارا المتسارعة، تختلط فيها مشاعر الغضب بالحزن…

وعندما دلفت إلى البهو الجانبي، كانت أجنيس تقف هناك، كما لو أنها كانت تنتظرها.

قالت كيارا، ونبرتها تنقش السخرية كما تنقش الإبرة في الجلد:

"ألم أخبركِ؟ الحكم لا يحتاج إلى العدل فقط، بل إلى القوة... وها هي البحار تثبت لكِ ذلك مع أول عاصفة، لم يوقفها سوى قوتي

سمو الملكة...."

لم تردّ أجنيس، لكنها شعرت أن كلمات ابنتها اخترقت صدرها كالسهم... لا لأنها خاطئة، بل لأنها صحيحة تمامًا.

لم يكن بينهما حراس ولا شهود… فقط أم وابنتها، وأعوام كاملة من الصمت الموجع تتدلّى بينهما.

قالت كيارا، بصوت مختنق لكنه لا يزال يحمل شيئًا من كبريائها:

"أتعلمين، أمي؟ لطالما فرّقتِ بيننا… لطالما نظرتِ إليها بحنان، وإليّ بصرامة."

ارتفعت حاجبا أجنيس، لكن صوتها جاء دفاعيًا، وفيه رعشة لم تألفها كيارا من قبل:

"لم أفرّق بينكما، كياراأختك كانت هشة… أما أنتِ، كنتِ قوية منذ أن كنتِ طفلة. رأيت فيكِ النار التي لا تنطفئ."

ابتسمت كيارا، لكن ابتسامتها لم تكن سوى جرح مفتوح:

"قوية؟"

ثم صمتت للحظة، قبل أن ترتجف شفتاها وتهمس بكلمات كسرت جدار تماسكها:

"كوني لا أتحدث… لا يعني أنني لا أعاني، أمي."

نظرت إليها أجنيس بدهشة، كأنها ترى ابنتها حقًا للمرة الأولى كانت كيارا تقف أمامها، متماسكة كعادتها، لكن عينيها…أخيرًا، كانتا تدمعان.

تابعت كيارا، بصوت تلوّنه نبرة وجع دفين:

"أنا من أعاد المفاوضات مع الحوريات حين كنت في السادسة عشر…أنا من فتح طرق التجارة البحرية من جديد، ومن أقام جسور السلام مع الممالك الأخرى ؛أنا من صنعت لعشرة أعوام ط شعبًا آمناً، وعرشًا لا يهتز."

ثم نظرت إليها نظرة طويلة، اختلط فيها التعب بالفخر المنسيّ:

"أتدرين ما هو المحزن في كل هذا؟"

ساد الصمت، وكان أثقل من أن يُكسر بسهولة.

ثم قالت كيارا، وهي تبتلع دمعة نزلت رغماً عنها:

"أنكِ… حين كنت أعود من كل مهمة، من كل حرب، من كل تحدٍ، لم تسأليني أبدًا:كيف حالي؟ كان سؤالكِ الوحيد دائمًا…ما النتائج؟"

رفعت يدها ببطء، وأشارت إلى نفسها كأنها تعلن عن حقيقة كانت تخفيها لعمرٍ كامل:

"ها هي النتائج أمامك، أمي…امرأة في الخامسة والعشرين…ما زالت تحاول فقط أن تُرى."

ثم انكسرت ابتسامتها إلى حزنٍ خالص، وهي تهمس:

"أردت فقط… لمسة على رأسي… كلمة: أحسنتِ، كيارا."

كان وجه أجنيس قد تجمّد، وشفتاها ترتجفان لأول مرة، شعرت بوخز في صدرها… ألمًا لم يكن من الخارج، بل من الداخل، من قلبٍ غفل طويلًا.

لكن كيارا رفعت يدها ومسحت دموعها بسرعة، قبل أن تتحوّل ملامحها مجددًا إلى الفراغ... اللامبالاة المتقنة التي اعتادتها.

قالت بهدوء قاتل:

"كل ما حصّلت عليه… لأنني كياراوكل ما تحملته… لأنني كيارا

وكل ما سأفعله من الآن… سيكون لأجل كيارا، سمو الملكة."

ثم استدارت لم تلتفت خلفها، لا حين سمعت أنفاس والدتها تختنق، ولا حين شعرت أن القصر بأكمله يناديها بالبقاء.

غادرت… لا القاعة، ولا الجناح… بل القصر كله رحلت بخطى ثابتة نحو البحار، حيث يمتزج الموج بالصمت، والريح بالحقيقة.

وحين وصلت إلى الشاطئ، رأته هناك كان يقف بانتظارها، كما لو أن قلبها ناداه فسمع،كان يبتسم لها…ابتسامة لا تُسأل عن أسبابها، لكنها تحتوي العالم كله.

كان الليل قد فرش ستاره على البحر، يلمع الموج بانعكاس ضوء القمر، وتداعب الرياح الهادئة أطراف الرمال.

جلست كيارا على صخرة مطلّة، وقد انحسر ثوبها عند قدميها بفعل النسيم، كأن البحر يناديها للحديث.

بجانبها وقف أدريان، بهيئته التي طالما أربكتها شعره الأسود الطويل مربوط إلى الخلف على عجل، تتسلل منه خصلات تسدل على حاجبه، تغطي عينيه الزرقاوين اللتين أصبح لونهما في هذا الليل، أعمق من المعتاد…

بشرته الشاحبة، خفوت صوته، ملابسه المبعثرة، كلها جعلته يبدو وكأنه خُلق من مدٍّ وجزرٍ… لا من دمٍ ولحم.

نظرت إليه، وقطع صمت الموج سؤالها:

"ماذا إذا أخطأت؟"

نظر إليها بهدوء، صوته كان ناعمًا كالماء:

"لا بأس بالخطأ، كيارا…فالخطأ ليس نهاية العالم."

خفضت عينيها إلى الموج، ثم همست:

"وماذا إذا كان نهاية العالم؟"

سألها، دون أن يُغيّر نبرة صوته:

"ما هو قرارك، كيارا؟"

سكتت قليلًا، ثم رفعت نظرها إليه، وعيناها تلمعان بترددٍ حزين:

"هل ستغفر لي؟"

كان يعلم أن ما تنوي عليه ليس مجرد غياب…

بل غيابٌ يحمل خرابًا، ويكسر شيئًا منها… وربما منه أيضًا.

أجابها أخيرًا، وقد انخفض صوته حد الهمس:

"ليس كل الأخطاء يمكن غفرانها…

لا تفعلي ذلك."

"أنت فقط..."

همست دون أن تنظر إليه ؛ثم التفتت إليه بكامل جسدها، وابتسامة باهتة على شفتيها:

"أنت فقط من رأى كيارا… لا الملكة، لا المُقاتلة، فقط كيارا.

أنت فقط من اهتم بي يا أدريان… ولسخرية القدر، لم اكن رفيقتك."

مدّت يدها ببطء، تبعد إحدى الخصلات التي سقطت على عينه، ثم تركت يدها على خده، تلمس ملامحه كأنها تحفظها.

لم يتحرك، وكأن أنفاسه عالقة في حلقه.

"لقد أحببتك… في وقتٍ ما.لكن حتى أنت… لم تكن لي."

قالت، بشيء من الحنين

"كيارا…"نطق اسمها، بصوت مخنوق

هزّت رأسها، وقد عادت عيناها إلى البحر:

"لن أقبلك… أعلم أنك ما زلت وفيًا لها، حتى وأنت لم تعثر عليها."

ثم صمتت برهة، والريح تعبث بشعرها الطويل:

"إذا لم يكن لك رفيقة… هل كنت ..."

أجاب، دون تردّد، وهو ينظر إلى وجهها المنكسر:

"كنت سأقع في حبك… أجل."

نظرت إليه، هذه المرة بصدق… وابتسمت ابتسامة مليئة بالاعتراف، بالألم، وبالوداع.

جلس بجانبها بصمت، قربٌ لم يكن جسديًا فقط، بل كأنهما وجدا في بعضهما ملجأًا، لحظة مؤقتة من السلام، وسط ضجيج الممالك والقرارات والنهايات.

كان لا يزال لا يفهم تمامًا ما ستفعله… لكنها، بكل بساطة، كانت المرأة التي لا يمكن التنبؤ بها.

وتلك الليلة… لم تكن عادية.

ولا هي.

ولا هو.

. *  .  * . * . * . * . * .

- انتهى الفصل 🦢

ليليث🍒

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

الهاوية | العهود السبع

المؤلف lilith🍒
2025/07/26 مستمرة
قائمة الفصول (9)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة