لم يكن الضوء في تلك الغرفة إلا شاحبا، باهتا، كأن الشمس قررت أن تتبرأ من هذه اللحظة
جلس لوسيانو خلف المكتب، وحيدا، إلا من ملف واحد كان ينتظره بصبر قاتل
يداه كانتا ثقيلتين كأنهما تحملان وزن ماضي لم يغفر، وقلبه يخفق بطريقة لا تشبه الحياة
فتح الملف كمن يفتح سجنا على نفسه، وفي عينيه ارتجاف لم يعرفه منذ زمن
الصفحة الأولى... كانت خالية من الرحمة
الاسم: لوسيانو هارت
العمر عند الإيواء: 12 سنة
التشخيص: انفصام حاد، مصحوب بهلاوس سمعية وبصرية
ابتلع ريقه، عيناه تحدقان في الكلمات كأنها تكتب نفسها أمامه الآن
بدأ يقرأ
"المريض يعاني من اضطراب انفصام في الشخصية... بدأ الأعراض في سن مبكرة، تمثلت في رؤى متكررة لشخصية أنثوية تُدعى إيزولد
يصر على أنها حقيقية، تدعمه، تواسيه، ترافقه
أُجريت فحوصات عقلية متعددة، وأكدت غياب أي وجود خارجي لهذه الشخصية
المريض يدعي أن تاريخ ميلادها هو 1988"
ضحك...
ضحكة جافة، كأنها سقطت من حنجرته دون إذن، ثم خمدت فجأة، وهو يهمس
"لكنها هنا... هي معي، أنا لا أختلق هذا، أليس كذلك؟"
أدار رأسه نحو الكرسي المقابل... وهناك كانت
إيزولد
كما اعتاد رؤيتها دائما
في فستان أبيض يشبه الضباب، بشعرها الذي ينساب كحبر فوق كتفيها، بملامحها الساكنة التي لم تتبدل يوما
عيناها تبتسمان، وفي شفتيها سخرية ناعمة، مثل امرأة تعرف أنها لا تنتمي إلى هذا العالم، لكنها باقية رغما عنه
"ما بك، لوسيانو؟"
قالت بنبرة تشبه الحنين
لكنه لم يجب
كان ينظر إليها... لا، كان يحدق فيها بذهول مخنوق
بدأ يلاحظ أشياء غريبة... ظلها غير موجود
لا انعكاس لها على الزجاج
ولا أثر لوقع خطواتها
"من مواليد 1988..."
همس لنفسه
"يعني أنك الآن... في السابعة والثلاثين..."
لكنها بدت في العشرين، بالكاد
هذا لا يعقل... أليس كذلك؟
ارتجف شيء داخله، كأن جسده لفظ الحقيقة قبل أن يعترف بها عقله
أغلق الملف بعنف، ووقف فجأة
الهواء من حوله تغير، صار كثيفا، خانقا، كأن الغرفة تقلصت
عيناه راحتا تفتشان عنها... كانت لا تزال هناك
لكنها لم تكن هناك
"اخرجي..."
همس بصوت خافت
"اخرجي من رأسي...!"
صرخ، دون أن يرفع صوته
بدأت الجدران تقترب، أو لعلها فقط لم تكن تتحرك، لكن قلبه توهم ذلك
بدأ يسمع همسات، خافتة... من كل اتجاه
أصوات تضحك، تتهامس، تناديه باسمه
"لوسيانو... ليس هناك أحد سواك"
"أنت وحدك من صنعها..."
"إيزولد ماتت منذ زمن، أو ربما... لم تكن أبدا"
غطى أذنيه بكفيه، لكنه كان لا يزال يسمعها
"اصمتوا...! لا أريد أن أعرف!"
لكنه كان يعرف
انكمش على الأرض، والدموع انسكبت بلا مقاومة
كطفل تاه عن أمه، كمن رأى حقيقته لأول مرة في مرآة مكسورة
فتح الملف مرة أخرى، بعينين تغمران بالحزن
في آخر صفحة، بخط يده القديم، كتب
"إيزولد ليست خيالا... إنها الأمان الذي خلقته حين خذلتني الحياة، هي حضن من الكلمات، صوت كنت أحتاجه، دفئ لم أجده قط"
نظر الى الكرسي المقابل
كان فارغا
نهض بصعوبة، كأن العالم صار أثقل من أن يحمل
مشا نحو المرآة القريبة، نظر إلى عينيه
وفي الخلفية، لم يرى سوى نفسه
إيزولد لم تكن هناك
لكنها كانت كل ما تبقى له
و فجأة خرجت منه و قالت
"عرف صمتك حين كنت تظنه نجاتك، وحين صار قبرك.... أنا لست امرأة قابلتها في جلسة، ولا مريضة مرت من بابك دون موعد، أنا أول جرح... وأول كذبة قلتها لتعيش، أنا من نسيت أن تتخلص منه، وما أخطأت أن تتجاهله.. أنا الظل الذي كنت تطارده، ثم فتحت له الباب بنفسك،... وأجلسته أمامك، وسميته... إيزولد، أنا أنت، حين كنت لا تملك اسما... أنا الغرفة المغلقة التي تركت ضوءها مشتعلا"
كانت كأنها تقرأ سطور نفسه، لا تنظر إليه، بل تراه
وفي تلك اللحظة، لم يعد لوسيانو الطبيب، ولا العاقل، ولا حتى الرجل الذي يملك دفترا أسودا ومكتبا جلديا وملفات مرتبة
كان مجرد إنسان... أمام اعتراف لم يكتبه، لكنه قرأه في عينيها
نهض ببطء، لم يعد يريد ملفه الذي يحكي عن انفصامه ، ولا قلمه، ولا حتى سؤاله
اقترب خطوة... ثم خطوة أخرى
لكنها، كعادتها، سبقت
همست وكأن صوتها يأتي من داخله
"حين تصبح الهاوية مألوفة، لا تعود تخيفك... بل تغريك"
ضحك
ضحك بصوت عالي، عار من المعنى، كأن كل ما قرأه للتو ليس إلا مشهدا في مسرحية رديئة
كان يضحك... من نفسه، من الملف، من صوتها، من صمت الغرفة ومن ضيق صدره
ثم توقف... فجأة
وكأن الضحك خرج منه على هيئة سعال جاف
جفلت عيناه، وتجمدت عضلات وجهه، والبرد تسلل من عظامه إلى جلده
"لا، لا، هذا غير صحيح..."
همس بصوت لا يشبه صوته
"أنت لست... أنا لا يمكن أن... أنا لست مجنونا، أتفهمين؟! أنت كنت حقيقية! أنا... رأيتك، سمعتك، لمستك..."
لكنها كانت تبتسم
ابتسامة خفيفة، كأنها تعرف أن الجنون ليس لحظة، بل طريق طويل يمشيه المرء حافيًا دون أن يشعر
اقتربت منه، لا خطوات لها، فقط حضور يتسرب في الهواء كالدخان
قالت بصوت حالم
"أنت لم ترني، بل كنت تراني لأنك لم تحتمل أن ترى نفسك"
وضعت يدها على قلبه... أو خيل إليه ذلك
"أتذكر الغرفة التي كنت تختبئ فيها؟ حين كنت صغيرا؟ ذلك السرير المعدني، والنافذة الوحيدة التي تطل على حائط أبيض؟.. هل تذكر يديك الصغيرتين وهما ترتجفان تحت البطانية؟، لم يكن هناك أحد، لا أم، لا أب... فقط أنت، وصمت يأكلك كل ليلة"
ارتعش، بدأ يتنفس بصعوبة، كأن صدره ضاق فجأة عن العالم
"توقفي..."
همس، ثم صرخ
"توقفي!!"
لكنها تابعت، بصوتها الساكن، الذي لا يقاوم
"أتذكر ليلتك الأخيرة في بيت العائلة؟ حين نامت أختك إيزولد ولم تستيقظ؟ أنت من وجدت جسدها، مغطى بالدماء والسكين بجانبه... لكنهم قالوا إنها انزلقت، أليس كذلك؟ قالوا لك أن تنسى... لكنك لم تفعل، فأعدت خلقها... من دمك، من وجعك، من وحدتك"
شهق
عيناه اتسعتا، يده ارتفعت إلى فمه، كأنه يكتم انفجارا داخليا
"كذبة..."
قالها بين أسنانه
"هذا لم يحدث، لا، لا، لا... أنا كنت صغيرا، كنت صغيرا!"
أمسك رأسه، بدأ يدور حول نفسه، كل شيء بدأ يدور
الجدران تتمايل
الضوء ينطفئ ثم يعود، كأن الكهرباء نفسها فقدت صبرها معه
"أنت لست هي..."
قالها بنبرة يائسة
لكنها اقتربت أكثر، ورفعت رأسه بيد خفية، وهمست في أذنه
"أنا ظلّك، لوسيانو... أنا الجزء الذي لم تشفه، أنا الصرخة التي لم تسمع،أنا الدمعة التي لم تجد كتفا، أنا... الطفولة الموءودة في جسد رجل ناضج... أنا كل مرة قلت فيها... أنا بخير، بينما كنت تنهار من الداخل"
سقط على ركبتيه
كأن جسده خان نفسه
بدأ يرى ظلالا تتحرك من زوايا الغرفة، وجوها بلا ملامح، همسات بلا أفواه، ضحكات خافتة تأتي من الجدران، وصوتها... لا يغيب
"هل تظن أنك عشت كل هذه السنوات طبيبا؟.. تسمع مشاكل الآخرين لتنسى مشكلتك؟.. تداوي جروحهم وأنت لم تلمس جرحك؟"
صرخ، بصوت انفجر من صدره كزجاج يتحطم
"اصمتي!!!"
لكن لا شيء توقف
بدأت الغرفة تتبدل
الكرسي أصبح سريرا معدنيا
النافذة صارت تطل على الحائط الأبيض الذي نسيه
يده... مقيدة
"لا، لا... هذا ليس حقيقيا... هذا ليس حقيقيا..."
كررها كأنه يتلو تعويذة نجاة
لكن الحقيقة لم تكن تحتاج لتصديق
في الزاوية، ملف صغير كتب عليه
لوسيانو هارت... مريض بالفصام... قسم العزل، منذ 25 سنة
وفوق السرير، كان هو، ممددا، يهمس لنفسه
"إيزولد... لا تتركيني، لا تتركيني..."
بينما في الغرفة، لم يكن هناك أحد
ولا ظل
ولا صوت
فقط الجنون، يتمدد بهدوء، كما يتمدد البحر حين يتخلى عن الشاطئ
✿ الماضي ✿
كانت الغرفة صامتة، إلا من أنفاسه المتقطعة، كأن الهواء صار سكاكين تخترق صدره
رفع عينيه، ووجه نظره إلى الفراغ أمامه، لكنه لم يكن يرى الحاضر..
بل انفتحت أمامه نافذة الذاكرة، واندلق الضوء من الماضي دفعة واحدة
المكان.... منزل قديم، بأرضية خشبية تصرخ مع كل خطوة
الزمان.... ليلة شتوية خانقة، والمطر يطرق النوافذ كمن يبحث عن مخرج من نفسه
كان طفلا... الثانية عشرة بالكاد تلامس قلبه
وكان الظلام صديقا لا يُحتمل
في تلك الليلة، صراخ
ضوء مصباح يتأرجح
ورائحة دم
ركض، بخطى مرتجفة، إلى الغرفة المجاورة... وهناك كانت إيزولد
أخته
ممددة على الأرض، بشعرها متناثر، ودمها يلطخ فستان نومها الوردي
السكين... ملقاة بجانبها
وعيناها تحدقان نحو السقف، كأنها تحاول أن تتذكر شكل الغيوم
"إيزولد...!"
تجمدت اللحظة كأن الزمن قرر أن يختبئ في صدره، أن يتكور هناك... مرتجفا، لا يريد أن يرى ما حدث
كان الطفل واقفا عند باب الغرفة، كأن قدميه نسيتا كيف تمشيان، وأنفاسه تتلاحق، متكسرة، كأن صدره ضاق فجأة بالعالم
يداه الصغيرتان ملطختان بشيء لم يفهمه بعد... كان الدم على أصابعه، لزجا، دافئا، يشبه ذنوبا لم يرتكبها، ويقطر على الأرض كندمٍ مبكر
في الداخل...
كانت إيزولد مستلقية على الأرض، كأنها نائمة، لكن بطريقة لا تعرف العودة
عيناها نصف مفتوحتين، تنظران إلى سقف لن ينقذها، وشفتاها مطبقتان على سرها الأخير
فتح والده الباب بعنف، كأن قلبه شعر بشيء، توقف، تجمد، ثم صاح باسمها بصوت لم يسمعه الطفل من قبل
دخلت أمه بعده، بشعرها الأشقر المبعثر، وخوفها الذي غطى وجهها، وقفت، نظرت، ثم شهقت...
شهقة كسرت السكون، وكسرت معه كل ما تبقى من لوسيانو
"ماذا فعلت؟!!"
قالها أبوه، لا سؤالا بل حكما
كانت عيناه تنظران إليه كمن وجد في طفله وحشا، كمن أدرك متأخرًا أنه كان يربّي خطأ، وكان قلبه...
باردا كأن كل حب محتمل اختنق عند هذا الباب
أما أمه، فقد شهقت مجددا، ثم ابتعدت عنه، كأن وجوده يلوث الهواء، كأنها رأت فيه لعنة، لا ابنا، وقالت بصوت مكسور
"كنت أعرف... كنت دائما أشعر أن فيك شيئا ليس طبيعيا..."
قالها وهي تبكي، لا عليه، بل على إيزولد
تقدم نحوها، بعينين مذعورتين، لا يفهم ما حدث، لا يعرف ما فعله، وقال بصوت مرتجف
"أنا... لم أفعل شيئا... كانت فقط تبكي، وأنا أردت أن... أن أُهدئها..."
لكن صوته تاه، لم يسمعه أحد، كان كمن يحاول أن يشرح الحريق لأشخاص انطفأت فيهم الشفقة
"أنت تغار منها!"
قال أبوه، بنبرة تشبه الصفعة
"كنت دائما تكرهها! لأننا نحبها أكثر! لأنها كانت النور، وأنت... الظل"
ثم صمت لحظة، وأكمل
"أنت من قتلها"
ارتجف الطفل... لا، هو لم يعد طفلا، بل شيئا هشا تحطم
هو لم يقتلها، هو كان ينظر الى اخته الكبرى تنتحر امامه و هو يرى
حاول مساعدتها... لقد حاول... ولكنه فقدها... كانت بديل امه، كان يحبها، و لكنها انتحرت بسبب حبيبها الذي مات
عيناه اتسعتا، دموعه انهمرت، لكن لا أحد مد له يده
وفي قلبه، كان شيء يكسر...
شيء اسمه "أنا بريء"، "أنا محبوب"، "أنا ابنكم"...
ومنذ تلك اللحظة، مات اسمه، وماتت الحقيقة، وولدت بدلا عنها إيزولد...
و ولد معها انفصامه و جانبه المظلم
شخصية خلقها من أنقاضه، من ضلوعه، من حرمانه، حضنا لا يهرب منه، ظلا لا يتخلى عنه
✧✦✦✦✦✦✦✦✦✧
ثم جاءت الأيام التي لا شمس فيها، الأيام التي اختنق فيها اسمه تحت صرخة لم يسمعها أحد
أُخذ من البيت، لا كابنٍ يحتاج حنانا، بل كخطأ يراد دفنه بعيدا عن العائلة
كان في الثانية عشرة فقط، طفلا بنظرات متكسرة، ودموع مجففة على خديه، لكنهم لم يروا فيه شيئا سوى تهديد ، وسلموه لأيد لا تعرف الرحمة، أيد بردت حتى نسيت كيف تلمس بلين
في المستشفى...
أدخلوه من بوابة صدئة، ذات صرير يشبه النحيب، وسحبوه كجريمة يجب إخفاؤها، لا كروح تستنجد
كان السرير الحديدي أول أصدقائه هناك، سرير يربطونه عليه كل ليلة، كأنه وحش يجب تقييده، أو لعنة يخشون أن تستيقظ
كان يصرخ... يبكي...
يقول
"أنا فقط أشتاق لإيزولد!"
لكنهم كانوا يضحكون، وبعضهم يهمس ليفقدونه عقله
"هذا من فعلك "
في ليالي كثيرة، كان يترك دون ماء، دون طعام، دون ضوء، وكان جسده يرتجف من البرد، من الجوع، من الخوف...
لكنهم كانوا يقولون
"دعه يتعذب... نحن ندربه على الجحيم الذي صنعه"
وكانت هناك تلك الغرفة... الغرفة التي تكره الحياة
زنزانة صغيرة، بلا نوافذ، يحشرونه فيها مع رجال يكبرونه سنا، رجال بلا وجوه... فقط عيون تشتهي الأذى
ضربوه...
كأنهم يجلدون خطيئة لا يفهمونها، صفعوه حتى سقط اسمه من ذاكرته، ركلوه حتى صار جسده خريطة من الكدمات
وحين سال الدم...
ضحك أحدهم وقال
"الجنون لونه أحمر أيضا، هل كنت تعرف؟"
وفي صباحات مشوهة...
كان يستيقظ على جروحه، يتلمسها بخوف، بعينين نصف مغلقتين من الألم، ويهمس لنفسه
"من فعل هذا بي؟"
أحيانا يقول
"أنا من فعلها... لأني سيء"
وأحيانا أخرى يقول
"لا... لم أكن أنا، بل ذاك الذي ينام معي، ذاك الذي لا يتكلم..."
وهكذا...
بدأت ذاكرته تخيط نفسها بألوان مشوشة، يفقد الواقع، يشك بكل شيء، حتى ذاته... حتى جسده
وكانت إيزولد...
تظهر له هناك أيضا، في الزاوية، بجانب الباب، تبتسم له، تمد يدها، تقول
"اصبر، أنا هنا، أنا لن أتركك"
وكان يتمسك بها، كأنها الحبل الوحيد في بئر النسيان، كأنها آخر قطعة من نور في هذا الظلام
لكنه لم يكن يعلم...
أنه مع كل ليلة، كانت تلك اليد تغرس أعمق في قلبه، حتى صار لا يعرف من هو، ولا من هي...
إيزولد كانت كل ما تبقى له، حتى تحول لوسيانو من طفل مكسور... إلى ظل مجوف يمشي باسم العقل ، ولا يسكنه سوى الجنون
لا ندري ما اقسى، هل التعذيب الءي كان يتلقاه، او تخيل اخته في كل مكان
حين تلتقي العقل المشتت بالواقع المهزوز، تبدأ رحلة لا رجعة فيها... حيث يغوص هو في أعماق العقل ليكتشف أن أعظم الألغاز هو نفسه
✿ العودة الى الحاضر ✿
عاد للحاضر كمن يطفو من قاع محيطٍ ثقيل... لكن الهواء لم يكن أخف، ولا القلب أهدأ، كان كل شيء حوله يضج بنهاية لم تُكتب بعد
يده المرتجفة أغلقت الملف، كأن السطور فيه تحترق، كأنها سطور نقشت على جلده، لا على الورق
رفع عينيه نحوها... إيزولد... كانت تقف هناك... كما كانت دائماا
لكن لا ظل لها...ولا انعكاس... ولا أثر
"كذبة..."
همس، ثم ضحك... ضحكا كمن يختنق لا كمن يفرح
"إذا كنت خيالا، فلماذا تبكين الآن؟"
قال وهو ينظر لعينيها... لكنها لم تجب
بل مشت نحوه... بهدوء مميت، بخطى لا تسمع، وكأنها تسير داخل رأسه لا على الأرض
"هل كنت هناك؟... في الزنزانة؟... هل رأيت كيف كانوا يربطونني؟ هل رأيتي صواعق كهربائية التي كانت على رأسي؟... هل شممت رائحة الدم التي لم تغادرني أبدا؟"
قالها، وكأن قلبه ينزف من صوته
"كنت هناك يا لوسيانو..."
همست، بصوت يقطر منه الألم
"أنا كنت أنت... في أسوأ لحظاتك"
تراجع، كأن كلماتها صفعة
"لا... لا تقولي هذا... أنا لا أصدقك!.. أنت لست أنا أنت إيزولد، البنت اللي ماتت، اللي اتهموني بقتلها!
أنا لم اقتلها ... أنا لم اكن هناك..."
انهار على ركبتيه ... وفي عينيه، كانت دموع عمر كامل صرخات لم يسمعها أحد، أسئلة لم يجب عنها أحد
وكل ما بقي كان صوتها
إيزولد، التي لم تكن يوما إلا الجزء الذي تمزق فيه ثم نزف ....
ثم صار اسمه
هدأ كل شيء
الساعة على الحائط توقفت، وكأن الزمن قرر أن يمنحه دقيقة أخيرة... ليختار
المصباح فوقه يرمش بذبذبات عصبية، ضوءه يتراقص على جفنيه كأنها ذكريات تحاول الفرار
كانت الغرفة ساكنة، موحشة، ملفه مفتوح على الطاولة، وعيناه مثبتتان على الصفحة الأخيرة التي خطها بيده قبل دقائق
"أنا لست مجنونا، أنا فقط رأيت ما لم يكن على أحد أن يراه"
مرر أصابعه على الورقة، بلطف عاشق يلمس وجه غائب، ثم تنهد ببطء، كأن هذا النفس الأخير احتوى العمر كله
ثم...
ابتسم
ابتسامة لم تحمل دفء النجاة، بل خبث الخلاص
لم تكن ابتسامة راحة... بل ابتسامة من عرف اللعبة، وأدرك أن الهروب لم يكن مطلوبا
بل السيطرة
رفع عينيه إلى المرآة أمامه، وهناك... لم يكن وحده
خلفه، وقفت إيزولد
لكن لم تكن كما اعتاد رؤيتها، بل بهيئة أخرى... أكثر ظلمة، أكثر وحشية، بعينين خاليتين من البياض، وصوتها الذي كان همسًا، صار صدى أجوف
قالت
"حان وقتك، لوسيانو... لتصبح أنا"
ابتسم لها، ولم يرتجف
بل مد يده نحوها، ومر عبرها كأنها دخان... ثم التف نحو الحائط خلفه
كان هناك باب
باب لم يكن موجودا من قبل، لكنه فتحه دون تردد
دخل
وخلف الباب، كانت الغرفة الأخرى
مكتب... طاولة... كرسي
و... مريضة جديدة
كانت جالسة، رأسها منخفض، وجهها مخفي تحت شعر فوضوي، يداها ترتجفان
رفع لوسيانو رأسه، جلس أمامها، ثم قال بصوت هادئ، عميق، ينضح بسلطة لا تقاوم
"مرحبا... أنا الدكتور هارت... لنبدأ جلستنا الأولى"
رفعت المرأة رأسها ببطء، وخوفها باد في ملامحها
لكن الكاميرا ... لو وجدت... كانت سترى شيئا آخر
في عينيه، لم يكن هناك عقل
فقط... إيزولد، تنظر من الداخل
في برلين، حيث لا تدري إن كان الطبيب هو المعالج أم المريض، بدأت رحلة لا تعرف فيها الحقيقة من الوهم، و اصبح العقل هو العدو الأول، والحب ظلا يفر من صاحبه... في الجلسة الأخيرة، اعاد تعريف الجنون، وانكشفت هوية من تظنه مريضك، لتكتشف
أنه أنت
꧁ نلتقي في رواية اخرى ꧂