برلين لا تشرق حقا في الشتاء، بل تزحف من تحت ضبابها الرمادي كجسد أرهقه العمر والبرد
ولكنها كانت في ذلك الصباح تكتسي رمادها المعتاد بغيوم محملة بالمطر الكثيف
الضباب يتمدد كجثة لم تدفن جيدا، يخنق الشوارع والأزقة كما لو أن المدينة بأكملها تستيقظ وهي تصارع نفسها
المطر لا يتساقط بكثافة، بل يتناثر كأفكار مبعثرة لا تصل إلى الاكتمال
والبرد هنا ليس مجرد طقس، بل شعور، يمتد إلى العظام، إلى الروح
وكأن المدينة تشارك سكانها ذلك الوجع الخفي، وتخفي في كل زقاق سرا لم يبح
وحدهم أولئك المعتادون على الصمت هم من يبدون وكأنهم على وفاق مع هذا الطقس
كان المطر ينهمر كأنه يغسل ذنوب المدينة، يهبط بثقل على الأرصفة، يصفق على زجاج النوافذ، ويتسرب إلى الأزقة كما تتسرب الذكريات القديمة إلى العقل المنهك
يمشي بخطى ثابتة، وسط هذا الضباب الذي يبتلع كل شيء معطفه الرمادي الطويل يلامس أطراف ركبتيه، وقبعته السوداء تستقر فوق رأسه كظل اخر في يده اليمنى، حقيبة جلدية داكنة، تصدر صوت احتكاك ناعم كلما اهتزت مع خطواته، كأنها تحفظ فيه أسرار من عبروا غرفه الكثيرة
لوسيانو هارت
الرجل الذي لا يبتسم كثيرا، لا يعرف المزاح، لا يميل إلى العشوائية، ولا يتصالح مع الفوضى...لا لأنه يكره الفرح بل لأنه يثق فيه
كل شيء في حياته له وقت، له مكان، له صمت
وجهه وسيم لكن بارد، بملامح كتبت بقلم حاد، عيناه بلون رماد المطر، لا تقرأ الناس، بل تشخصهم
أنف مستقيم، عينان رماديتان كسماء خريفية، وشفتان لا تعرفان سوى الانقباض
بدا كما لو أنه خلق من الجليد ودرب على الكلام
كان يعرف هذا الطريق جيدا، يعرف البلاطات المكسورة، والحيطان التي تنزف رطوبة، وحتى المشرد الذي ينام بجانب العمود عند الزاوية، يحييه كل صباح بنظرة لا مبالية
في طريقه المعتاد، مر بجانب جدار تغزوه الرطوبة، عليه كتابة باهتة من طلاء أزرق
هل سمع أحدهم صرختي؟
قرأها بعينيه دون أن يحرك شفتاه، لكنه شعر بشيء ما ينقب في ذاكرته
شيء قديم، ربما طفولي، ربما ليس له اسم
تابع السير، وتوقف لحظة عند ناصية الحي حيث يجلس دوما رجل مشرد، يغطي جسده بأكياس بلاستيكية ويهمس لنفسه
في هذا اليوم، لم يكن الرجل نائما، بل كان يحدق فيه
بصوت مبحوح قال
"مطر اليوم ليس مطر... اليوم، هي تتكلم"
أشاح لوسيانو بنظره... لم يحبذ فكرة التفاعل مع الغرباء، خاصة أولئك الذين يسمعون أشياء لا يسمعها غيرهم
لكن قلبه خفق بخفة
هل كان يقصد هي حقا؟ أم أنها مصادفة لفظية من رجل مهووس؟
على الرصيف المقابل، رأى طفلة تمشي ممسكة بيد والدتها
شيء في طريقة مشيها جعله يتوقف
قد تكون في التاسعة، بفستان أزرق، شعرها الأسود مبلل ويلتصق بعنقها
ذكره المشهد بفتاة من ذاكرة قديمة..
أخت غير شقيقة... أم خيال قديم؟
كان المطر حينها أقرب لصفعة، فرفع طوق معطفه، وأخفض رأسه ومشى بسرعة أكبر
في الطريق، مر بمخبز كان يشتم منه دوما رائحة الزبدة والطحين المحمص، لكن اليوم، لم يشم شيئا
كان كل شيء باهتا، كأن المدينة نسيت كيف تتنفس
رأى على واجهة أحد المحلات انعكاسه
رجل بمعطف داكن، حقيبة جلدية سوداء، وعينان لا تبحثان عن شيء
لكنه رأى شيئا آخر خلفه...
كأن هناك من يسير خلفه
استدار.... لا أحد
قال في نفسه
"الهلوسة البصرية شائعة تحت ضغط الطقس والتعب... لا شيء أكثر من تلاعب الإدراك"
لكن داخله لم يقتنع
واصل طريقه
العيادة أصبحت قريبة، قلبه بدأ ينبض بإيقاع غير مألوف
كأن المطر لم يكن فقط حوله، بل بداخله أيضا
كأن هناك طوفانا صغيرا يتشكل في صدره
وصل إلى المبنى
قديم، بجدران متآكلة، ومصعد يئن كلما استخدم
ضغط الزر وانتظر، نظر إلى الساعة في يده كلاسيكية كانت تشير الى تاسعة صباحا
عندما وصل المصعد، دخله دون تردد، رافقه صوت طقطقة معدن داخلي، وارتعاش خفيف في الحائط خلفه
الطابق الخامس، حيث تبدأ يومياته وتنتهي، كما لو أنه يعيش داخل دائرة مغلقة
استقبلته رائحة الخشب العتيق والكتب القديمة
الجدران كانت بلون عاجي باهت، والأثاث أنيق بلا روح و صورة لدماغ معلقة في الجدار، و لا ننسى الاوراق المتراكمة فوق مكتبه
وضع الحقيبة على المكتب وخلع معطفه، علقه، ثم نزع قبعته ووضعها فوق الحقيبة
فتح دفتر المواعيد... كل شيء مسجل بدقة
الساعة التاسعة... رجل في أواخر الثلاثينات، يعاني من اضطراب قلق عام
الحادية عشر... سيدة أربعينية، نوبات ذعر متكررة
الواحدة.... طفل يعاني من كوابيس
الثانية... مرأة لم يدون ما مرضها نفسي، فقط المكتوب اسمها
هو لا يتعاطف، ولم يكن قاسيا، كان يستمع بحيادية مدروسة، وكأن عقله جهاز تحليل لا قلب له
كانت الساعة تقترب من العاشرة والنصف، والليل يسحب أنفاسه الأخيرة خلف نوافذ العيادة المعتمة
جلس لوسيانو خلف مكتبه، يسجل ملاحظاته عن الحالة السابقة
بخط مرتبك، كأن الكلمات تفر منه قبل أن تطاوعه
الصمت كثيف... يشبه ثقل الماء فوق صدر غارق
ثم... طرق
خافت، ثلاث نقرات
كأن أحدهم لم يرد الدخول، بل فقط أن يذكره بوجوده
متباعدة... باردة... لا تنتمي لعجلة العالم
رفع رأسه ببطء
لم يكن هذا موعد أحد
لا أحد على جدول الجلسات... ولا أحد في قلبه ينتظر
نهض
اتجه نحو الباب، وفتحه
الفراغ
الممر خال، و ضوء المصباح العتيق يتأرجح كأن أحدهم مر من تحته توا
هواء ساكن، لا يحمل رائحة... لا يحمل شيئا
أغلق الباب وعاد
لكن شيئا دخل
ليس شخصا... ولا صوتا
شيء يشبه الذكرى حين تمر قربك دون أن تلمسك، لكنها تتركك مرتجفا دون سبب واضح
جلس من جديد
حاول العودة إلى ملاحظاته، إلى صوته المهني، إلى منطقه المعتاد
لكن ذهنه كان معلقا بخيط رفيع بين الان... وماضي لا يريد أن يسمى
كان هناك خدش
شيء ما يخدش جدران ذاكرته من الداخل، كأن مشهدا منسيا يصعد ببطء من قاع مظلم، من بئر النسيان
ومعه يرتجف السكون
✧✦✦✦✦✦✦✦✧
المقهى يشبه الزمن في لحظة تردده
لا هو ساكن، ولا هو متحرك
ضوء أصفر خافت ينسكب من السقف، كأنه يعتذر للوقت عن بطء مروره، ورائحة القهوة تعبق في المكان كذاكرة قديمة، لا تنسى ولا تستعاد
دخل لوسيانو بصمت رجل يعرف جيدا أنه لا يبحث عن شيء، ومع ذلك، لا يكف عن المجيء
كان المطر لا يزال يقطر من أطراف معطفه، والبرد يتسلل من ياقة قبعته المبتلة
عينيه لا تتجولان، بل تتمهلان
كأنهما تتوقعان شيئا ما... أو أحدا
طلبه المعتاد... إسبريسو، بلا سكر
بصوت خافت، كأنه يهمس لنفسه أكثر مما يحدث الضجيج
مد يده ليتناول الكوب... لكن الزمن، في لحظة خاطفة، انكمش
شعر به
شيء خلفه... ليس جسدا، بل حضور
كأن الهواء اكتسب ثقلا مفاجئا، وكأن شيئا ما يحدق فيه دون عينين
لم يلتفت
كل ما فعله أن نظر إلى الزجاج المقابل، رأى انعكاسه... ووراءه
ظل لا ينتمي لأي جسد مرئي
ملامحه مبعثرة، مائعة، لا يمكن الإمساك بها، لكنها كانت هناك...
تماما كالإحساس العميق بأنك لست وحدك، رغم صمت المكان
ضرب قلبه مرة... ثم أخرى، لكن وجهه بقي هادئا، كأنه لم يسمع شيئا
أخذ فنجانه، وخرج
وفي الخارج، لم يكن المطر ما يقلقه، بل الصمت الذي بدأ يمشي خلفه
✧✦✦✦✦✦✦✦✦✧
كانت الساعة تعلن الثانية الا الربع، لكن الزمن في غرفة لوسيانو لم يكن يتبع العقارب
كان يدور حول نفسه، يلتف في دوائر ضيقة، كأن المكان يحتبس أنفاسه، منتظرا شيئا لم يسم بعد
جلس خلف مكتبه، كتفيه مائلتين للأمام كأنه يحتمي من شيء لا يرى، أنامله تنقر سطح الخشب بخفة...
إيقاع داخلي لا يعلمه إلا قلبه
فتح الملف التالي، كمن يفتح بابا قديما في عقل مغلق
عيناه سقطتا على الاسم في الأعلى، وتجمد العالم للحظة
ايزولد مارشان
الاسم كتب بحبر أسود، لكن رؤيته أشعلت في صدره نارا باردة... قشعريرة داهمت عموده الفقري كلسعة ذكرى لا يملك لها ملامح
شيء ما في الحروف كان قاتما... كأن الاسم لا يقرأ، بل يشعر
لم يكن يعرف هذا الاسم
على الأقل، لا يظن أنه يعرفه
ورغم ذلك... حل ظلام خفيف داخل رأسه، كأنه تذكر ظلا دون أن يتذكر صاحبه
أغمض عينيه للحظة، شعر بشيء يزحف على أطرافه، كأن الغرفة تضيق، كأن الكرسي تحته فقد اتزانه
لكن قبل أن يتمكن من التفكير... انفتح الباب
لم يطرق
لم يسبق الدخول أي صوت
مجرد حركة خفيفة، كأن الهواء نفسه انقسم على مهل
دخلت
كانت واقفة هناك، في فتحة الضوء الرمادي المتسرب من الممر
كأنها لا تنتمي إلى زمن هذه الغرفة... ولا إلى زمنه هو
ممشوقة القامة، شعرها يتدلى كثوب ليل لا يعرف الشروق، وعيناها...
عيناها لم تبحرا فيه، بل غرقتا مباشرة
قالت، بصوت ناعم كالمطر فوق سطح معدني بارد
"أنت لست مستعدا لي"
ثم جلست...بثقة من يعرف الطريق في بيت ليس له، وبسكون من لا ينتظر الترحيب
أما هو... فلم يقل شيئا
لأن اسمها، منذ أن قرأه، سلب من داخله الكلمات