وجه من ماضي، بصوت الحاضر

وجه من ماضي، بصوت الحاضر

19 0

كانت المدينة تلك الليلة خرساء، لا تصدر صوتا سوى بأنين لا يسمعه إلا من به وجع

في المساء الذي تلا الجلسة الثانية، عاد لوسيانو إلى منزله ببطء غريب، كما لو أن خطواته لم تعد له

العاصمة الألمانية بدت باهتة، مغموسة في ضباب رمادي لا يعرف من أين تسلل، وكأن المدينة بأكملها قررت أن تصمت معه، أن تبتلع صخبها وتنام في قاع نفسها

الطرقات رطبة، والضوء المرتجف من أعمدة الإنارة يتسكع فوق الأرض مثل شبح يرفض الرحيل

السماء مكتظة، لا بالنجوم، بل بالأسئلة التي لا تجاب

عاد لوسيانو إلى منزله متأخرا، والمدينة تلف جسدها بالبكم، كما لو أنها اكتفت من الحياة لتلك الليلة

وحين أوصد الباب خلفه، لم يكن يغلق مجرد خشب وزجاج، بل كأنما أغلق على نفسه تابوتا من الذكريات التي لا اسم لها، ولا قبر واضح تدفن فيه

كان جسده يتحرك بتلقائية باردة، أما روحه، فقد ظلت عالقة هناك... في العيادة، على الكرسي المقابل، حيث جلست امرأة بعينين تشبهان السرداب، لا نهاية له، ولا ضوء

إيزولد...

اسمها لا يقال، بل يطوق، يطفو في عقله كلما حاول أن يغرقه، تماما كذنب قديم لا يعترف به إلا في المنام

خلع معطفه بتعب خفي، رماه على الكرسي وكأنه يتخلى عن عبء أثقل من القماش، عبء يشبه ما لم يقل

ثم انسحب إلى الأريكة الجلدية، تلك البالية التي لم يبدلها يوما رغم السنوات، لأنها الوحيدة التي لا تحكم عليه حين ينهار، الوحيدة التي تصمت معه بصبر

سحب علبة السجائر المهترئة من جيبه كما يسحب أحدهم قلبه، أشعل واحدة بيد نصف نائمة، وسحب نفسا عميقا كمن يريد أن يبتلع الألم لا الهواء

لم يحب الدخان لأنه مدمن عليه، بل لأنه يشبهه

يتسلل، يتصاعد، يختفي... لكنه يترك أثرا لا يرى، ولا ينسى

الغرفة حوله كانت غارقة في صمت لا يشبه الراحة، بل كأنه نفس مبحوح من صدره لا يجرؤ على الخروج

الملفات متراكمة على الطاولة، ألوانها كألوان العابرين الذين مروا به، أسماءهم، أعراضهم، تشخيصاتهم... كلها مرتبة، منظمة، يمكن السيطرة عليها

إلا ملفا واحدا

ملف مترب، أطرافه ممزقة، نبذ من بين إخوة له وكأنه أكثرهم عارا

كان ملقى هناك، وحده، كشاهد على شيء لم يكتب بعد

مد يده نحوه بتردد مشوب بشيء من الفضول المر، سحبه ببطء كمن يجر ماضيه من خندقه

ورقة الغلاف كانت صفراء باهتة، تحمل بقعا قديمة، وأطرافا أكلها الزمن

الطابع الرسمي يعلن

مستشفى فالدورا للأمراض النفسية... 1989

وأسفله، باسم

لوسيانو هارت

لم يرتجف

لم يدهش

لم يفتح الملف

عيناه قرأتا ما يكفي... وذاكرته ملأت الفراغات التي لم تكتب

بهدوء بارد، أعاد الملف إلى مكانه، كما يعيد أحدهم رماد جثة إلى جرتها، بلا بكاء، بلا عزاء

ثم عاد إلى الأريكة، جلس، سحب نفسا آخر من السيجارة، ونفخ الدخان نحو السقف، كأنه يبعث برسالة لا يجرؤ على قراءتها أحد

همس بصوت بالكاد يسمع

"ليس الآن..."

لكن صوته لم يكن صوت الهروب...

بل كان صوتا يعرف تماما، أن الهاوية هناك، تنتظره، وأنه سيعود عاجلا... أم متأخرا

✧✦✦✦✦✦✦✦✦✧

كانت الغرفة بيضاء، أكثر بياضا مما تحتمله العين

جدرانها بلا نوافذ، بلا أبواب، وكأنها رسمت لا لتأوي أحدا، بل لتبتلعه

في وسطها وقفت طفلة، بثوب رمادي باهت، يشبه رماد الحريق بعد انطفائه، حين لا يبقى للدفء أي أثر

ترتدي فستانا مليئ بالدم الجاف

وجهها كان ضبابيا، لكنه كان يعرفها ... يعرف الخوف الكامن فيها

ضحكت

قالت له

"تأخرت كثيرا، يا دكتور... لقد نسيتني"

ضحكة بريئة بحجم الطفولة، لكن فيها صدع في الروح

شعرها يتدلى على كتفيها كحبل نجاة قطع، وعيناها... عيناها لا تنتمي لعمرها

تحدق به كما لو كانت تعرفه، تعرفه كما يعرف المقابر أسماء موتاها

اقترب منها، لكن الأرض تحت قدميه لم تكن أرضا، كانت مستنقعا من ذكريات متحجرة، تغوص فيها قدماه مع كل خطوة

كأن ماضيه يقاوم نجاته، كأن الذاكرة اختارت أن تكون الوحل

قالت له بصوت رخيم، ينساب من بين شفتيها كأنه لحن حزن لم يكتمل

"لماذا لم تعد؟ لقد وعدتني"

لم يجد صوته، بحث عنه داخله فلم يجده

كل ما خرج منه كان تنهيدة خرساء، كأن الحزن فيها أكبر من أن يقال

أردفت، وعيناها تزدادان اتساعا

"كنت هنا... صغيرا، تنام على سريرك المعدني، تصرخ في الليل، كنت أسمعك... لكنك لم تسمعني أبدا"

مد يده نحوها، يريد لمسها، يريد فقط أن يتأكد أنها حقيقية

لكن المسافة لم تقصر

بل هي من اقتربت

وبينما كان يحدق في وجهها، تغير كل شيء

ذبلت الطفولة، اختفى الفستان الرمادي، وانبعث من عينيها نور معتم... امرأة تقف الآن أمامه، لا تشبه الطفلة، لكنها تشبهه

وجهها مألوف

صوتها مألوف أكثر

"هل تعرفني، لوسيانو؟"

"أنا أنت... الجزء الذي دفنته في ذلك المكان البارد، أنا الصفحة التي مزقتها من ملفك، وقالوا إنها غير ضرورية"

خطت نحوه، خطوتها صامتة كالموت، وعيناها لا ترمش

وحين اقتربت كفاية، همست في أذنه

"أنا أول من أحببت، وأول من أنكرت... أنا من كان يراقبك من خلف كل جلسة، من بين أوراق كل تقرير، من عيون كل مريض، أنا أول من أدخلك إلى الجنون... وكنت أول من أغلق الباب في وجهي"

لحظة...

شيء انكسر داخله

وفجأة، فتح عينيه

كان في سريره

يتصبب عرقا كأن أحدهم أغرقه بماء بارد

قلبه يدق كطبل في جنازة، وعيناه تبحثان عن جدار، عن نافذة، عن تأكيد أنه هنا... الان

جلس، مسح وجهه بيده المرتجفة، ونهض إلى الحمام

فتح الماء البارد، وغسل وجهه مرارا، كأنه يحاول محو الحلم من جلده

رفع رأسه إلى المرآة...

لكن المرآة لم تعكس صورته كما يعرفها

انعكس فيها وجه شاحب، صغير، لولد خائف، يقبض على أطراف سرير معدني صدئ

أغلق عينيه...

فتحها مجددا

عاد وجهه، نعم، لكن شيئا فيه لم يعد كما كان

في عينيه ظل، وفي صدره صوت لا يريد السكوت

وفي الصباح، جلس إلى طاولته

أخرج دفترا أسود من درج مخفي، ذاك الذي لا يعرف عنه أحد، حيث يحتفظ ببقايا ما لا يقال

وكتب

"إيزولد... ليست مريضة... أو لعلها المريضة التي تعرف ما يجهله الأصحاء، في حديثها، ينهار المنطق كقصر رمل أمام موج الحقيقة... وفي عينيها، وجدت انعكاسي... لا كما أنا، بل كما أخفي نفسي عني... هل أنا طبيب؟ أم مريض وجد في علاج الآخرين وسيلة للهروب من نفسه؟

ليست كالبقية ... في عينيها سؤال أعرفه، لكنني لا أجرؤ على الجواب... تحدثني كأنها تعرفني قبل أن أولد... ما بين كل كلمة تسحبني خطوة نحو مرآة كنت أظنها مكسورة ... لكنها تعكسني أوضح مما يجب

أغلق الدفتر، وضعه في مكانه السري

ثم مشى ببطء نحو الأريكة، تلك التي لا تحكم عليه، وجلس

نظر إلى الملف الأصفر الباهت، المنسي على الطاولة منذ الأمس

لم يفتحه

لكن...

هذه المرة، لم يكن التجاهل صادقا تماما

✧✦✦✦✦✦✦✦✦✧

جلست قبالته دون أن تدعى

بأناقة باردة ووقار لا يستعار، وضعت ساقا فوق ساق، وأسندت ظهرها إلى الأريكة الجلدية كما لو كانت في قاعة محكمة، لا عيادة

معطفها الرمادي ملقى إلى جانبها، ويديها في حضنها، لا ارتجاف

عينها، ثابتة، هادئة، تخترق الهواء وتستقر على نظاراته

كان لوسيانو يجلس خلف طاولة صغيرة، دفتر أسود مفتوح أمامه، قلمه الفضي بين أصابعه كأنه مشرط جراح

نظارته تنعكس عليها شمس خافتة تتسلل من نافذة نصف مغطاة، ووجهه جامد، أقرب إلى مرآة بلا ضوء

ألقى نظرة سريعة على ساعته، ثم قال بنبرة لا تخلو من صرامة مهذبة

"سنبدأ من حيث انتهينا... هل ما زالت الأحلام تزورك؟"

أمالت إيزولد رأسها قليلا، ابتسمت كمن يسمع سؤالا ساذجا

"أحلام؟"

"إن كنت تقصد تلك الليالي التي أتحول فيها إلى امرأة أخرى، تهمس في أذني بأشياء أعرفها مسبقا... فنعم"

سكت، وسجل دون تعليق

"ازدواجية الحلم والهوية... لا تنكر الأصوات، بل تتبناها"

رفع عينيه، وسأل

"وهذه المرأة... هل تشبهك؟"

قهقهت، ضحكة ناعمة تنزف تهكما

"تشبهني أكثر مما يشبهني هذا الجسد.. تقول لي دوما... لو صمت يوما آخر، ستنسين من تكونين"

"وهل تخافين أن تنسي؟"

سألها

اقتربت قليلا، نظرت إليه كأنها تزن نبرته

"الخوف؟... أنا لا أخاف النسيان... أنا فقط أحتقره، النسيان خيانة ببطء... موت دون جثة، ودون جريمة، ودون جنازة"

ظل صامتا، يسجل، لكن عينه لم تفارقها

"وما الذي لا تريدين نسيانه؟"

نظرت إلى النافذة، كأنها تبحث عن وجه بين الغيم

"فتاة صغيرة... كانت تنتظرني في ممر أبيض. لم.. أعد"

"هل هي أنت؟"

أعادت النظر إليه، وهذه المرة، لم تكن تبتسم

"لا، دكتور... تلك لم تكن أنا، كانت ما تبقى مني"

كتب لوسيانو اخر جملة

تبدو كمن يعرفني... نظرتها لا تسأل، بل تحاكم... ما بين كل إجابة تعطيني سؤالا آخر... أشعر أنني أمام مرآة، مكسورة، لكنها تعكسني بدقة

ثم أغلق دفتره بصمت

لحظة صمت طويلة مرت بينهما، تخللتها أنفاس خفيفة، ونبض يضرب في أعماقه دون أن يظهر على وجهه

"هل تحاول معالجتي، أم إنك تنصت لما يذكرك بنفسك؟"

سؤاله لم يأت من فمها فقط، بل من عينيها، من حضورها الطاغي، من الطريقة التي تسألك بها فتعرك دون أن تمسكك

لكنه، هذه المرة... لم يجب

كان صوته قد اختنق في مكان ما بين فكره وملفها

صوته خرج من بين شفتيه مترددا، كأنه لا يسألها بقدر ما يسأل نفسه

"من أنت حقا؟"

رفعت نظرها إليه، وابتسامة خافتة على فمها... لا سخرية فيها، بل حزن يعرف أكثر مما يقول، تقدمت ببطء، حتى باتت تفصل بينهما خطوة فقط، ونظرت إليه كما لم ينظر إليه أحد من قبل

"أنا أعرفك، لوسيانو. أعرف كل تفصيلة فيك، أعرفك حين كنت صبيا ترتجف في سريرك المعدني وتنتظر الضوء، أعرف كل شعرة من جسدك حين كنا نرتجف معا تحت الغطاء الرطب في الشتاء الطويل، أعرف صمتك في ليالي المستشفى، أعرف صوتك حين كان يرتجف دون أن تنطق، أعرف متى بدأت تكذب، ومتى صدقت كذبتك"

اقتربت أكثر، همست

"أنا... كل ما دفنته وسميته وهما"

ثم، وبصوت خافت كأنه صدى بعيد لنداء قديم

"أنا إيزولد. تلك الطفلة التي كنت تتركها وحدها في الممر الأبيض... كل ليلة، كنت تعدها أنك ستعود... ولم تعد"

صمته لم يكن صمت الاندهاش، بل صمت الانهيار

رأى الغرفة تتحول في عينيه، الجدران تختفي، ويحل محلها جدار قديم، رمادي، عليه تقشر طلاء، فيه أثر خدوش بأصابع صغيرة

ارتفع أنينه الداخلي، لكنه لم يُسمع

فتح فمه ليتكلم... فاختنق الكلام

استفاق من كرسيه و هو يتجه الى الخزانة الخشبية،فتح درجه سري ... مد يده المرتجفة وأخرج الملف الأصفر الباهت... ذاك الملف الذي لا يجرؤ على فتحه منذ سنوات

جلس، وضعه أمامه... للحظة، لم يتحرك

ثم فتحه

الصفحة الأولى كانت صورته، وهو طفل، بعينين واسعتين، مرعوبتين، في زاوية سرير حديدي

وتحتها... اسم

لوسيانو هارت... حالة فقدان ذاكرة جزئي... مستشفى فالدورا... 1989

في الهامش بخط صغير يكاد يمحى

كان يصر على وجود طفلة اسمها إيزولد. لا وجود لها في السجلات

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

The last session √

المؤلف Robolline
2025/07/25 مكتملة
قائمة الفصول (6)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة