الساعة الثانية تماما...
الوقت الذي يفترض فيه أن يستأنف النظام، أن تعود عقارب الروتين إلى دورانها المألوف
جلس لوسيانو في مكانه المعتاد، بظهر مستقيم، ونظرات رمادية تراقب دون أن تظهر اكتراثا، وأصابعه تتشابك بهدوء فوق ركبتيه
صمت الغرفة لم يكن صمتا علاجيا، بل صمت ترقب... كأن الجدران أيضا تميل قليلا للأمام، محاولة أن تسمع
كانت هي جالسة أمامه
إيزولد مارشان
كأنها لم تدخل، بل كانت هناك دائما
كأنها جاءت من فراغ تركه عقل أحدهم مفتوحا لثوان أكثر مما يجب
بشعرها البني المسدل، وملامحها التي لا تبحث عن الجمال بقدر ما تخيفك بتناسقها، وعينين عسلية تلمعان كمرآتين مشقوقتين، كانت تجلس وكأنها لا تنتظر العلاج... بل تنتظر انكشاف الطبيب
بدأ لوسيانو الحديث، بصوت هادئ، مغطى ببطانة احترافية معتادة
"إيزولد... أود أن أبدأ بسؤال بسيط، ما الذي جاء بك إلي؟"
نظرت إليه، كما لو أن السؤال ليس سؤال بل عرضا تجاريا لا يليق بمقامها، ثم ابتسمت، لا بسخرية، بل بشيء يشبه الرثاء
"ولم تعتقد أنني جئت بكامل إرادتي؟"
صوته لم يهتز، لكنه شعر بشيء يتزحزح في الهواء
"إذن، هل أجبرت؟"
هزت رأسها بخفة
"كلمة إجبار تقلل من تعقيد المسألة، نحن لا نجبر، بل نقنع، والفرق... هو أن الآخر يتظاهر بأنه اختياري"
صمت
في الجلسات المعتادة، المريض هو من يراوغ، هو من يلتف على الحقيقة، أما هنا... فالحقيقة ترتدي كعبا عاليا اسود، وتتكئ على ساقها وهي تنظر إليه من الأعلى
"أنت تتحدثين بلغة تحليلية... هل لديك خلفية في علم النفس؟"
"قرأت كثيرا، ولكنني لا أومن بالعلاج... ولا بالنجاة"
"لماذا أتيت إذن؟"
أجابت بسرعة، كمن كان يحفظ الرد سلفا
"لأنني تعبت من الهروب"
ثم، بصوت منخفض أكثر
"وأردت أن أراك"
لم يعلق
وجهه ظل ثابتا، لكن أنفاسه باتت أكثر انتظاما من اللازم، كأنه يتذكر كيف يتنفس كي لا يشعر
"ترينني؟"
سأل، وقد بدا صوته هذه المرة أقل صلابة، ولو بقدر لا يرى
أجابت بابتسامة لم تصل لعينيها
"كلنا نرى شيئا في الآخر... لكن ليس كلنا نجرؤ على الاعتراف بما نراه"
"وماذا ترين في؟"
أغمضت عينيها لثواني، ثم فتحتهما وكأنها كانت تراجع ملفا داخليا
"رجل لا يثق في أحد، لأنه لم ينج بعد من نفسه، تكتب تقارير دقيقة عن الآخرين، لأنك تخشى أن تكتب جملة صادقة عنك، تصغي كما لو أنك تعاقب نفسك على صمت قديم، وتحب النظام لأنه الشيء الوحيد الذي لم يتركك بعد"
ساد الصمت
هذه المرة، كان صمته هو، لا صمت المكان
همس
"تبدو ملاحظاتك حادة"
ردت، كأنها تنتظر ذلك
"الألم يجعل الناس فلاسفة يا دكتور... لكن فقط أولئك الذين لم يموتوا كليا"
ثم انحنت قليلا للأمام، ونظرت إليه مباشرة، بعينين تشبهان بابا يفتح على حديقة مظلمة
"سؤالي لك الآن... ما الذي جاء بك أنت إلى هنا؟"
لم يجب
كان عليه أن يجيب... لكنه، لوهلة، لم يعرف كيف
ترددت كلماته في الفراغ، ولم يخرج منها شيء
ظل ينظر إليها كما ينظر القبطان إلى بحر لا تقرأ أمواجه، ولا تتوقع زوابعه
ابتسمت إيزولد، لكنها لم تكن ابتسامة حقيقية، بل شيء يشبه تذكر نكتة لا تصلح إلا في الجنائز
"لا تجب، أعرف هذا النوع من الرجال... الرجال الذين يظنون أن الأسئلة يجب أن تسير في اتجاه واحد... مثل الطرق السريعة، لكن ما لم تعرفه يا دكتور هارت، هو أن الأرواح لا تعترف بالإشارات"
أمال رأسه قليلا، كما يفعل حين يجبر على الإصغاء
"وأي نوع من الطرق تسلكه أرواح مثل روحك؟"
قهقهت، قهقهة خافتة، كأنها تسخر من شيء قاله لها الشيطان في حلم سابق
"الطرق الوعرة... تلك التي تتلطخ فيها الأقدام، وتقطع فيها الأيدي أحيانا، فقط كي نتمكن من الزحف"
ثم صمتت، كأنها قالت الكثير، ثم قالت فجأة
"هل جربت يوما أن تؤذي أحدا... فقط لترى إن كنت لا تزال حيا؟"
جف حلقه للحظة
"هل تؤذين الآخرين؟"
نظرت إليه مباشرة
ولأول مرة، كانت نظرتها باردة بشكل مخيف، كأنها لا ترى فيه طبيبا... بل مجرد مخلوق آخر في حديقة اختبرتها من قبل
"الأذى؟ كلمة ضعيفة جدا، الإنسان لا يؤذي عندما يكون غاضبا... بل عندما يكون فارغا"
ثم أكملت، بصوت أكثر هدوءا، لكن نبرته كالسكاكين المغطاة بمخمل
"وحين يصل للفراغ الكامل... لا يضرب، لا يصرخ، لا يقتل... بل يقف أمام المرآة، يبتسم لنفسه، ويتذكر كم كان بريئا، ثم ينطفئ من الداخل، ويبدأ... اللعبة"
سألها، محاولا الحفاظ على بروده
"وأي لعبة تقصدين؟"
"اللعبة التي تمارس دون قواعد، أن تدخل إلى أرواح الآخرين، أن تفتح نوافذهم حين يكونون نائمين، أن تضع أفكارا صغيرة داخلهم كأنها قطرات مطر... وتنتظر أن تتحول لعاصفة"
ابتلعت الجدران صداها ببطء
حاول أن يعيد توازن الجلسة، فسأل
"هل تعتبرين نفسك خطرا؟"
همست، كأنها تخاطب ظلا خلفه
"أنا؟ لا... الخطر لا يبتسم"
ثم نظرت إليه بعينين لم تغلقا منذ قرون
"لكن قل لي يا دكتور... متى آخر مرة شعرت فيها بالخوف؟"
لم يجب
"أعرف الجواب، أنت لا تشعر بالخوف، لأنك لا تشعر بشيء"
رفع حاجبه، لأول مرة منذ بداية الجلسة
"كيف تعرفين؟"
ابتسمت، وهمست
"لأنني مثلك، نحن لا نعالج...نحن نراقب الآخرين وهم ينهارون، فقط لنتأكد أننا لا نزال واقفين"
صمت مرة أخرى
ثم نظرت إلى الساعة، وقالت بهدوء مريب
"انتهت الجلسة... لكن لا تقلق، الطبيب العزيز، في الجلسة القادمة، سأحكي لك عن ذلك الصوت... الذي يأمرني أحيانا أن أطفئ كل شيء"
وقفت، وقبل أن تفتح الباب، استدارت نحوه
"هل ستكتب هذا في تقريرك؟، أم ستحتفظ به لنفسك... ككابوس جميل؟"
ثم خرجت
وبقي لوسيانو وحده، جالسا في صمته، يتأمل الفراغ الذي تركته...
فراغ يشبه شقا صغيرا بدأ يتكون في جدار عقله