كانت الشوارع صامتة، كما لو أن المدينة نفسها حُبست في زفيرٍ أخير. توقفت أمام الباب، نظرت إلى الرقم المسموم المحفور عليه: (13). لا أحد يدخل هذا البيت ويخرج كما كان. نظرت حولها. لا كاميرات، لا شهود، لا نجاة. مدّت يدها، لم تطرق الباب… فقط وضعت راحتها عليه. وكأنه تنفّس. ثم فُتح ببطء، كما لو أن البيت يعرفها. الداخل كان أبرد من الخارج، رغم الشتاء القاسي. رائحة التبغ والجلد والسجلات القديمة غطّت الجو. في وسط الغرفة، جلس رجل أسود الشعر، أنيق بشكل مخيف، يُقلب في دفترٍ يشبه دفترها. قال دون أن يرفع نظره: "تأخرتِ كثيرًا." سكتت. "وآدم؟" سأل، دون أن ينتظر إجابة، ثم تابع: "لا يعرف أنني أملك النسخة الثانية." تقدّمت بخطوات محسوبة، كأنها تمشي فوق شفرة. "هل قرأتَ كل شيء؟" أغلق الدفتر. "ما كُتب بقلمك... يشبه الرصاص." "لم أطلب أن يُقرأ." "لكن من يكتب بهذا الألم، لا يريد الصمت." كانت تعرفه… ليس باسمه، بل بصفته: رافاييل – القاضي الأسود زعيم جناح مافيا يتعامل مع الأسرار كما لو كانت سلاحًا. لا يقتل، لكنه يدفع الناس لقتل أنفسهم. رفع عينيه أخيرًا: "أنتِ لا تبحثين عن الدفتر... بل عن من سرقك." لم تُجب. قال وهو ينهض: "الشخص الذي قرأ تلك الصفحات... يعرف أكثر مما يجب. وهو لا يعمل وحده." اقترب منها، وقال: "هل مستعدة أن تكسري ما تبقّى منك... لتعرفي الحقيقة؟" رفعت عينيها، وابتسمت للمرة الأولى: "إن كان يجب أن أُكسر، فليكن بيدي." صمت. ثم استدار إلى أحد الرفوف خلفه وسحب صندوقًا أسود صغيرًا، فتحه ببطء، وأخرج منه شيئًا مغلفًا بقطعة قماش حريرية. "هذا ما وُجد مع النسخة الثانية من الدفتر، لم أفتحه حتى تصلي." فتحت القماش… لتجد قلادة قديمة. ليست قلادتها. لكنها تعرفها. في الخلف، منقوش عليها تاريخ. تاريخ لا تنساه: الليلة التي هربت فيها من ماضيها، وتركت خلفها جثّة. نظرت إليه بعينين متصلبتين: "من وجد هذه... يعرف أنني قتلت." هز رأسه. "أو يريدك أن تصدقي أنكِ فعلتِ." في تلك اللحظة، دخل خادم بهاتف في يده: "سيدي… الشاب الغامض، أرسل رسالة." فتح الهاتف، وقرأ بصوت مسموم: "الجميلة التي لا تُسمى... إن كنتِ تبحثين عني، ابحثي داخل نفسك أولًا. لأنني خرجت منها، قبل أن تخرجي أنت. – الموقّع: القارئ." سقط الصمت. رافاييل أغلق الهاتف، ثم قال: "اللعبة بدأت." وهي؟ لم تتحرك. لم تتنفس حتى. لأن الرسالة، كانت بصياغة لا يعرفها أحد إلا هي. بخط يدها. وقبل أن ينتهي اللقاء، رفع رافاييل رأسه وقال: "هناك شيء آخر." سحب صورة مطبوعة من داخل الدفتر. صورة قديمة، ملتقطة من كاميرا مراقبة، مشوشة… لكنها واضحة بما يكفي. الفتاة في الصورة؟ هي. لكن التاريخ؟ يعود لعام لم تكن فيه حاضرة في المدينة أصلًا. قال بهدوء: "يبدو أن أحدهم... يتقمصك." عندها فقط، تحركت. نظرت إلى الصورة مجددًا، وبدأ قلبها يخفق بطريقة لم تعهدها. ليست الخوف. بل ذلك الشعور البارد: أنك لست وحدك. وأن الظل الذي يلاحقك... ربما كنتِ أنتِ. ثم قالت: "إذا بدأتُ المطاردة، لا أعود." أجاب رافاييل: "ولهذا تحديدًا، أنا أعتمد عليك." ثم تركها. وخرجت. لكن شيئًا في البيت رقم 13 ظل معها. كأن الهواء هناك تنفس أسرارها... ورفض أن يعيدها. يتبع…