الانكسار الهادئ

الانكسار الهادئ

15 0

ديسمبر، الساعة 07:13 صباحًا – نافذة في الطابق السابع لم تكن تكره الضوء، لكنها اعتادت أن يخذلها. كلما حاول أن يدفئ أطرافها الباردة، تذكَّر فجأة أن الشتاء لا يرحم، فتوارى خلف الغيوم وترَكها تتكئ على ظلِّها وحدها. جلست «هي» على حافة النافذة، تُدوّر فنجان قهوة صار باردًا قبل أن ترتشف منه. المدينة تحتها تنفض النوم بتنهيدة عربات الإسعاف البعيدة، لكن غرفتها ظلّت ساكنة كقلبٍ ينتظر طلقة البدء. على المكتب المتناثر بالأوراق وشرائط الكاسيت القديمة، ورقة نصف محترقة. كانت تحمل بخطٍّ مائلٍ هشّ: لا أحد يعرف الحقيقة، لكنِّي لست بخير. ولا بأس أن أبدو كذلك. تلك الورقة ليست لها. وصلت في طرد بلا عنوان ليلة البارحة، ومعها مفتاحٌ صغير ورقم هاتف دولي. منذ شهورٍ تُراودها الكوابيس نفسها: دفترها الأسود يُسرَق، وسطورٌ من روحها تُباع في مزادٍ لا ترى وجوه زبائنه. الليلة فقط، صار الكابوس دليلًا ماديًّا. لم تكن بارعة في الوداع، لذلك كرهت البدايات. لكنها تعلم أن كل حكاية شبابية تحتاج شرارة واضحة تقلب الطاولة على البطلة؛ وهذه كانت شرارتها. مكالمة غير مُسجَّلة – 07:17 رنَّ هاتفها القديم بنغمة أغلقتها منذ سنوات. رفعت السماع، جاء صوت خافت، مشوَّه، أشبه بنَفَس على بعد خطوة: «حان وقت اللعب، كاتبة الظلال. المفتاح يفتح الجزء الأول من حقيقتك… أو نهايتك.» ثم انقطع الاتصال. أغلقت الهاتف بيدٍ ثابتة، لكن عروقها ارتجفت. لم تكن هذه تهديدًا فحسب؛ كان إقرارًا بأن أحدهم قرأ أكثر مما كتبت حتى الآن. فتحت درجًا سريًّا خلف رف الكتب، أخرجت دفترها الأسود، قلَّبته: آخر صفحة تحمل سطرًا كتبته فجرًا عندما ظنّت أن العالم نائمٌ ولا أحد يُصغي: «الحياة ليست عادلة، لكنني أكتب العدالة بنزف الحبر.» أغلقت الدفتر، ربطته بحزامٍ جلدي، ثم ارتدت معطفها الأسود الطويل. قبل أن تغادر، ألقت نظرة أخيرة على المرآة الصغيرة قرب الباب. لم يلُح لها وجهٌ هشٌّ يتحاشى الضوء، بل ملامح مصمِّمة على حرق المسافة بين السؤال والجواب. هبطت السلالم، كل خطوة تُدوّي وعدًا: أن تستعيد دفترها أو تُسكت كل من تجرّأ على لمسه. في الطابق الأرضي لم يكن بانتظارها فارس أحلام، بل سيارة أجرة قديمة ومحفظة فارغة. البطلة في روايات المراهقين لا تحتاج أبطالًا؛ تحتاج خطة. أخرجت الورقة المحترقة، قلَّبتها على ظهرها، فظهرت أرقام محفورة بخطٍّ أغمق: 13 – 1 – 7. رقم البيت الملعون؟ شيفرة خريطة؟ سر الرقم 13 يطرق الباب مبكرًا. ابتسمت بزاوية فمها، وكتبت على راحة يدها: «كل من يسرق قصة، يموت بداخلها». ثم دفعت باب البناية إلى صقيع ديسمبر، والمدينة تنفث ضبابها الأخير قبل الشروق. في مكانٍ ما، كان هناك مفتاحٌ صغير ينتظر قفلَه، وخطةٌ أعظم تُكتب ضدها. لكنها—للمرة الأولى—تشعر أن الحكاية صارت واضحة بما يكفي لتُحارِب. يتبع…

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

Her Novel | بلا اسم

المؤلف Namless_Sin
2025/07/17 مستمرة
قائمة الفصول (6)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة