٤

٤

19 2

على أريكة في صالة منزل ما، استيقظ روبرت فجأة، وعيناه نصف مغلقتين، يشعر بثقل غريب يغلف جسده، نظر حوله، فشاهد المنزل في حالة من الفوضى العارمة... في تلك اللحظة، لم يكن يستطيع تمييز الحقيقة من الوهم، كان عقله مشوشًا، جسده مثقلًا بالخدر، وقلبه ينبض بسرعة كأنه يحاول الفرار من شيء لا يدركه بعد. وبينما كان يحاول استعادة تركيزه، وقع نظره على شيء لم يكن مستعدًا لمواجهته... على طرف الأريكة، كانت شارلوت، مستلقية بشكل غير طبيعي، وعنقها منحور بجرح غائر؛ أصابته الصدمة لوهلة، عيناه اتسعتا في رعب، وقلبه توقف عن النبض للحظة وكأن الوقت قد تجمد. تراجع إلى الوراء بشكل غريزي، خطواته متعثرة كأنه يهرب من الحقيقة المرعبة أمامه، دماغه يرفض تصديق ما تراه عيناه، لكن الجثة الماثلة أمامه لم تكن قابلة للإنكار. كان وجه شارلوت شاحبًا بشكل مخيف، عيناها الشاخصتان تجمدتا في نظرة أبدية، وبقيا مبللتين ببقايا دمعة لم تكتمل، متجمدة في مقلتيها وكأنها كانت في منتصف البكاء عندما لاقت مصيرها المحتوم. ببطء شديد، وكأنه يخشى أن يتسبب في كسر تلك اللحظة المرعبة، اقترب منها كأن هناك قوى خفية تدفعه نحوها، يده المرتعشة امتدت ببطء نحو وجهها، ليمسح تلك الدمعة التي لم تكتمل بطرف كنزته. عند لمسها، شعر ببرودة الموت التي اجتاحت جسدها، صدى الحزن العميق الذي كان يملأ قلبه ارتد عليه بألم لا يمكن احتماله. أغلق عينيها المتجمدتين، محاولًا تخفيف قسوة المشهد أمامه، لكن ذكرياتهم معًا كانت تندفع إلى عقله بقوة، تملأه بالحنين والحزن. للحظات طويلة، بقي جالسًا بجوار الجثة، مشلولًا بالصدمة، غير قادر على الحراك أو التفكير. لكن مع مرور الوقت، بدأ عقله يعود تدريجيًا إلى الواقع، يحاول استيعاب ما حدث هنا. وقف على قدميه، متجاهلًا الارتعاش الذي أصاب جسده، وتجول ببطء في المنزل، كان يبحث عن أي شيء يمكن أن يفسر له ما حدث. توجه إلى طاولة التلفزيون وفتح أدراجها بشكل غريزي، ليجد شرائط DVD لأفلامه المفضلة من التسعينات، وجهاز ألعاب فيديو قديم، ذكريات من زمن بعيد، لكنها الآن لا تجلب سوى الحزن تفاصيل تافهة تعكس واقعه البائس...المهم أنه الآن يعرف أن هذا لا بد وأنه منزله. أعاد بصره نحو الجثة المتجمدة، ودقق في الجرح الذي قطع عنقها بعمق. الذكرى الأولى للقاءه بشارلوت اجتاحت ذهنه فجأة؛ كان اللقاء حينها مرعبًا، إذ أنها ظهرت بنفس الجرح، لكنه كان ينزف بلا توقف، علامة على ألم دفين. كيف يمكن لهذا الجرح أن يظهر مرة أخرى؟ تساؤلات ملأت عقله وفتتت كل قدرة على التفكير المنطقي. بخطوات مضطربة، توجه نحو المطبخ، محاولًا البحث عن إجابات وسط هذا الفوضى، كانت الأرفف مليئة بعلب طعام معبأة، وعلى المنضدة صحن فارغ وعلبة معكرونة مفتوحة، وأخرى بها فاصوليا. ضرب جبهته بكفه، متذكرًا تلك اللحظات المشتركة البسيطة، الوجبات السريعة التي كانوا يتناولونها معًا، وأدرك فجأة أن كل تلك التفاصيل الصغيرة كانت تنتمي إلى حياة لم يعد لها وجود. مع عودة الذكريات، شعر بأن قواه تخور، وبدأ الصداع يفتك برأسه بقوة. خرج من المطبخ، وهو يشعر بثقل الهزيمة، كانت الذكريات تهاجمه في آن واحد، تندفع إلى عقله كأنها طوفان لا يمكن السيطرة عليه. تسربت إلى ذهنه كأفعى زاحفة، باردة وسامة. نظر إلى الجثة الباردة لشارلوت بجواره، فانتفض قلبه بوجع لا يحتمل. بخطوات متعثرة، اقترب منها مجدداً بحذر، وكأن الاقتراب منها سيعيد له شيء من الأمل أو يخفف عنه وطأة هذا الجحيم. يده المرتعشة امتدت نحو جيبها، ليجد هاتفها المحمول، أمسكه بأصابع مرتعشة، وأضواء الشاشة انعكست على وجهه الشاحب، وكأنها تكشف عن جزء من الحقيقة الغامضة. تسللت إلى عينيه رسالة نصية بارزة، قرأها بصوت داخلي متقطع: "يبدو أننا وصلنا لذروة إبداعنا المشترك، لقد علمتكِ كل مهارات وتقنيات القتل واستخدام السلاح، وبالمقابل أطلب منكِ تصفية روبرت كترضية عما تعلمتيه، أمامك يومين، وإن لم تنفذي سأفعل على أي حال، وسأفعلها وأنا مقدر لعدم إمكانك ذلك!" تسارعت أنفاسه، وتحول الصمت الذي كان يخيم على المكان إلى ضجيج داخلي يعصف به، تفحص الرسالة مرات ومرات، وكأن تكرار القراءة سيمنحه قدرة على استيعاب ما لم يجد له تفسيرًا. تاريخ الرسالة قبل يومين يعني أن كاتبها قد يكون في طريقه إليه الآن، ارتبك قلبه، وأخذ ينقل بصره بين شارلوت الميتة والهاتف في يده، ليجد نفسه عاجزًا عن فهم ما يحدث من حوله. كانت الغرفة تغمرها رائحة الموت واليأس، لكن شيئًا آخر كان يخفي وراء هذا العبث، كانت هناك قصة أعمق، حقيقة دفنت تحت رماد الندم والخوف. جلس روبرت على الأريكة، جسده يهتز بحالة من الاضطراب العارم. قلبه كان ينبض بشدة حتى كاد أن يخرج من صدره. بينما كان يحاول السيطرة على أفكاره، انحدرت عيناه على جريدة ملقاة على المنضدة، لفتت انتباهه الصفحة الأولى، حيث ظهر خبر بعنوان كبير: "مجموعة إجرامية من المدنيين تحاول اغتيال سياسي والسلطات تلقي القبض عليهم." كانت هناك صورة تبرز بجانب الخبر، وصدمه ما رآه. لقد كان هو نفسه، روبرت، السياسي المذكور! تسارعت الأفكار في رأسه كالعواصف. أيهما الواقع وأيهما الحلم؟ كيف تحول حياته إلى هذه المتاهة المظلمة؟ كل تفصيلة، كل ذكرى، كانت تقوده إلى إدراك أنه كان يعيش في وهم متداخل مع واقعه البائس، كان يعبر بين عالمين متوازين، عالقًا بين ما كان يجب أن يكون وما أصبح عليه. نظر إلى شارلوت مرة أخرى، والدموع تترقرق في عينيه، الحزن والأسى كانا يغمران قلبه بينما بدأت الحقيقة تتكشف أمامه. لقد كانت شارلوت حبيبته، الشخص الوحيد الذي كان يعتقد أنه يمكن أن يثق به. لكن الآن، أصبح من الواضح أنها كانت تخطط لقتله! عادت إليه ذكريات من الماضي، كيف أحبها بصدق، وكيف كانت هي تبغض ما يمثله من فساد وتلاعب. كانت ترفض سياسته بكل جوارحها، لكن حبها العميق له لم يمنعها من السعي للانتقام منه. ومع تدفق الذكريات، أدرك روبرت أن شارلوت لم تكن وحدها في هذا المخطط. لقد تعاونت مع قاتل متسلسل كان يسعى لقتل السياسيين الفاسدين أمثاله. كانت قد تعلمت منه كل تقنيات القتل، وكان هو هدفها الأخير، وعشيقها الأخير كما يبدو! مشاعر متناقضة من الحزن والغضب تملكت قلبه. كيف تحولت من الحبيبة المخلصة إلى قاتلة باردة...بسببه، وهو يستحق أن يُقتل بالفعل؟! كان روبرت يدرك أنه لم يكن بريئًا، بل كان سياسيًا ذكيًا ومتلاعبًا، استغل سلطته لتحقيق مكاسب شخصية دون اعتبار لحقوق الناس، كانت أعماله مليئة بالظلم، لكنه كان يحاول التوبة بعد فوات الأوان. كانت الغيرة تلتهم قلبه، ليتمنى لو كان هو القاتل في حياة أخرى بالتوازي، ليحظى بحب شارلوت ويحمي حقوق الناس بدلاً من أن يسلبها. بينما كان يستعيد كل هذه الذكريات المؤلمة، لم يكن يعرف كم مضى من الوقت. ولكن، بعدما استفاق، أحس بالدموع تغمره. كانت الحقيقة مريرة، شارلوت لم تكن فقط تحب قاتلها، بل كانت مستعدة لقتله لأنها لم تعد تتحمل فساده. وبينما كان يحاول الدفاع عن نفسه، نحر عنقها دفاعاً عن نفسه، وكانت صدمة ما فعله قد أدخلته في تلك الغيبوبة ليومين. وفي لحظة اختراق هذه الأفكار المتلاطمة، سمع صوتًا حادًا لتكسر زجاج أحد النوافذ، كأنه صوت تحطم الجدار الأخير الذي كان يحميه من مواجهة الحقيقة. رفع رأسه ببطء، وعيناه امتلأتا بالرعب. لقد وصل القاتل المتسلسل، شريك شارلوت وحبيبها، ليكمل ما بدأته. كانت تلك النهاية المحتومة تقترب، وندمه الآن لن ينقذه، ما سينقذه هو أن يُعمِلَ عقله ويتحرك بسرعة، ليقتل قاتله! عاد روبرت ليختبئ في المطبخ، وانتظر لبضع ثوان إلى أن سمع صراخاً ذا نبرة باكية من الصالة يهتف باسم شارلوت، ويردد بغضب هستيري: ستدفع الثمن! ستدفع حياتك مقابل حياتها...ستكون هي آخر من تتسبب بمقتله في حياتك! ازدرد روبرت لعابه، وأغمض عينيه عن آخرهما وهو يأخذ أنفاساً عميقة تعكس ألماً وحزناً عميقين في نفسه، لم يكن قد استرد وعيه كلياً أو استوعب الأحداث كلها بشكل مثالي، وشعر بأنه إذا ظهر أمامه سيقتله في لمح البصر! عليه أن يفكر...عليه أن يفكر...عليه أن يفكر! كان وقع خطوات القاتل وهو يقترب صائحاً باسم روبرت ومتوعداً إياه بالانتقام يحدث أصواتاً توازي أصوات الزلازل وانفجارات البراكين بالنسبة لأذن روبرت، ويشتت أفكاره جاعلاً وعيه وفكره كورقة ممزقة بعنف وغضب، لكن رغم ذلك كان عليه أن يفكر! عليه أن يفكر...عليه أن يفكر! أخذ يتنقل ببصره بين أركان المطبخ، باحثاً عما ينبغي أن يبحث عنه شخص عندما يقتحم قاتل متسلسل منزله متوعداً إياه بالنحر والتمثيل بجثته، خاصة في حالات استثنائية كأن يكون الشخص قتل حبيبة القاتل التي كانت حبيبته هو الآخر يوماً ما! عليه أن يفكر...عليه أن يقتله! وقع بصره على سكين حاد لم يكن قد غسله من آثار الطعام بعد؛ فالتقطه وتحرك ببطء نحو مدخل المطبخ، وأخذ يسترق السمع ليتابع خطوات القاتل، وعندنا تأكد أنه قريب خرج ليباغته، لكن القاتل هو من باغته عندما أمسك بيده حاملة السكين بسرعة وبراعة قائلاً: "هه! تظنني غبياً، أليس كذلك؟ أعني، إلى أي مكان ستذهب سوى المطبخ في مثل هذه الحالات؟!" أنهى القاتل جملته، وسدد ركلة بركبته إلى بطن روبرت شلت حركته، ثم لكمه في وجهه بقوة أسقطته أرضاً هو والسكين، وهنا تدحرج روبرت بشكل طولي بعيداً عنه قبل أن ينقض عليه، وبينما كان يستعد ليستل مسدسه سحب روبرت منظم أدوات مطبخ ورماه عليه معطلاً حركته، ثم سحب السكين من على الأرض مجدداً واندفع نحوه بقوة ليخرج به من المطبخ دافعاً إياه ويصدمه بالحائط، ثم حاول طعنه مجدداً لكنه أمسك بيد روبرت مجدداً وقاوم بشدة، وقال متهكماً: "أتظن حقاً أنك ستحصل على النهاية التي ترضيك؟ أنك ستقتل الجميع دون أن تهتز للعالم شعرة؟ أهذا حقاً كل ما تريد؟!" وهنا رد روبرت: "كلا...كل ما أردته...أن أكون مثلك!" عقد القاتل حاجبيه في ذهول حقيقي من إجابة روبرت التي لم يفهمها، وهنا انتهز روبرت الفرصة وضربه برأسه بقوة أوجعته، ثم حرر يده بسرعة وطعن القاتل في صدره بسرعة منهياً على حياته إلى الأبد! ظل روبرت ممسكاً بالسكين بعدما غرزه في صدر القاتل، وأخذ يتنهد ويلتقط أنفاسه بصعوبة ويتعرق بغزارة كأنه عائد من جولة ترفيهية في الجحيم، وفجأة تركه وتراجع إلى الوراء ببطء، ثم أرخى جسده على الأرض في انهيار وسالت قطرات من دموع لاإرادية على خديه وهو يقول: "بالطبع ما كان لك أن تفهم كم كرهت ذاتي وأفعالي، وكم تمنيت أن أقتل أنا نفسي بنفسي لأوفر عليك العناء والمشقة، لكنني قررت أن أحاول التكفير عما فعلت سابقاً في حياتي كي يكون لها معنى صالحاً، ولكن يبدو أنني تأخرت حقاً في ذلك إذ أن شارلوت تركتني...كم أشتاق إليها وإلى توبيخها لي على ما أفعل وأرتكب وأجني من شرور في حق أناسي لم أشعر أبداً بمقدار الدمار الذي ألحقته بحيواتهم لمجرد أن تخلد حياتي أنا! في النهاية ما حدث أنها اختارتك، وأتعرف؟ لم أَلُمها على ذلك بل آثرته، وأحببت أن تكون هي من تقف في وجه الفساد حتى ولو كانت ستقف في وجهي، بل وشعرت بالغيرة منك لأنك أنت...أنت كنت البطل، أنت من اختارته هي، أنت من علمتها...يا ليتني كنت مثلك، أنت وهي جسدتما كل ما أملت أن أكونه في أيامي الأخيرة، جسدتما كل القوة والشجاعة للوقوف أمام الفساد أياً كان الثمن...جسدتما نسخة مني لم أرها سوى في حلم الغيبوبة الذي أفقت منه منذ قليل وأنا أقتل السياسيين الفاسدين الذين كنت واحداً منهم...عليك اللعنة، وعلي قبلك! لقد استحققتها...لقد كانت شارلوت من حقك!" كان القاتل الذي أصبح الآن مقتولاً لم يلفظ أنفاسه الأخيرة قبل أن ينهي روبرت حديثه، كأن مخرج أفلامٍ أو كاتباً روائياً ما (اللي هو أنا يعني) لم يعطه الإذن بالموت بعد، لكن عندما قال روبرت جملته الأخيرة؛ خرجت روحه بغير سلام...لكنها خرجت! وعندما أمعن روبرت النظر في ملامحه؛ لاحظ أنه نفس الزعيم الذي أعطى الأمر بقتله في حلمه...! وكنتيجة مباشرة ومنطقية لانهياره ودمار أعصابه واشتعال مشاعره؛ أغمى على روبرت هذه المرة مجدداً، ومر وقت لم يعلم مقداره قبل أن يستيقظ ليجد نفسه جالساً بجوار شارلوت بعنقها المنحور، وعديم الرأس، ومعهم القاتل بعنق منحور هو الآخر! كانوا جالسين على سطح مبنى ما يتأملون دخاناً يتصاعد من مخ بشري ضخم يشتعل على الأرض، وفجأة قام عديم الرأس وتحرك ليقف بمواجهتهم، وضحك قائلاً: "هذا رائع يا رفاق، لدينا اثنان عنقهما منحور هنا، يا روبرت، ما رأيك بأن تصنع جرحاً أنيقاً كهذا لنفسك أنت الآخر عندما تستيقظ مجدداً؟! أعلم أنك رجل طيب وتحب رسم الجراح الدامية الأنيقة لغيرك، لكن لا أودك أن تنسى الاهتمام بمنظرك أيضاً!" لكن روبرت هذه المرة لم يتمالك نفسه من الضحك، وعلى على إثره شارلوت والقاتل، وبادلهم عديم الرأس إياه لبضع ثوان قبل أن يخرج من وراء ظهره رأس روبرت مجدداً وهو يقول بمزيد من التهكم: "الآن، من يود مباراة كرة طائرة هنا على السطح؟!"

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

بالتوازي

المؤلف محمد تامر
2024/08/02 مكتملة
قائمة الفصول (5)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة