٣

٣

20 2

وقع صدى الظلام على أذن السماء معلنًا صعود القمر على المنصة، النجوم في السماء لوامع كأنها دررٌ نثرت على بساط أزرق، وربت الليل على المنزل بهدوء...! وقف روبرت في غرفته أمام المرآة ينظر لنفسه ولملابسه ببعض من الغرور والخيلاء، والَّتي كانت عبارة عن تيشرت من اللون الزهري وفوقه قميص وبنطال لونهما أبيض، وتناول الفرشاة وجلس يهندم شعره الناعم، وعندما انتهى تناول زجاجة العطر وشرع يضع منها على جميع أنحاء ملابسه. مرر أنامله وأطراف أصابعه في خصلات شعره، غمز لنفسه في المرآة ثم خرج من الغرفة! على النقيض الآخر وفي الغرفة المجاورة كانت شارلوت ترتدي ملابسها والَّتي كانت عبارة عن تيشرت أبيض وقميص وبنطال زهريين، أخرجت من حقيبتها أحمر شفاة باللون الزهري الزاهي، وضعت منه ثم طبعت قبلة لنفسها على المرآة، وبعدها سحبت زجاجة العطر الخاصة بها والَّتي كانت تشبه رائحة اللافندر إلى حدٍ كبير، وعدلت بكلتا يديها من تسريحة شعرها ثم تناولت نظارة كبيرة العدسات زهرية اللون كذلك وارتدتها. خرجت من الغرفة فتعامدت عينيها على عيني روبرت الَّذي انتفض من مكانه وصفق بقوة بكلتا كفيه وهو يصيح: أوه أوه سيدة شارلوت، ما كل هذا الجمال؟! يبدو وكأننا ذاهبين إلى حفلة وليس إلى اقتحام مسلح! ابتسمت شارلوت بخيلاء ابتسامة شقت وجهها، بينما أتبع روبرت وقال: أحب أنك ترتدين مثلي، تبدين كقطعة من القمر سقطت بجانبي! شرعت شارلوت تعدل من تسريحة شعرها بكلتا كفيها في غرور تام...! نزلا سويًا من مسكنهما وترجلا حتى وقفا أمام سيارة من نوع مرسيدس بينز SL 300 بدون سقف ذات لون أرجواني، تبرق وتلمع وكأنها مرآة، فغرت شارلوت فاها من المفاجأة وقالت في تعجب: هل هذه سيارتنا!؟ عقد روبرت حاجبيه وقال مبتسماً: نعم، تبدو كذلك...ربما...سقطت من السماء! ابتسمت شارلوت، وركبت بجواره، ثم انطلقت السيارة تشق طريقها، أخرج روبرت شريط أغنية Self control ووضعه في المسجل، وشرعا في سماعها ودندنتها معاً! ظلت شارلوت تتراقص برأسها وكتفيها على كلمات الأغنية بينما كان روبرت عينيه على الطريق وهو يردد كلمات الأغنية بصوت عالٍ جدًا. كان الطريق جميلاً جدًا، والهواء منعشاً، القمر مكتمل ومتربع على عرش السماء، يسطع بنوره الوهاج. على جانب الطريق الأيمن تنتشر المحلات المضاءة بالنيون والألوان المختلفة الوضائة، على الجانب الأيسر تتلاطم أمواج البحر بهدوء فيما بينها، لا يوجد في الشارع سوى القليل من المارة، ومع كلمات الأغنية وقفت شارلوت في السيارة وفتحت كلتا يديها وصرخت تردد كلمات الأغنية، كان شعرها يتطاير وكأنه خيوط من حرير، بينما ينظر روبرت لانعكاسها في المرآة ويبتسم بهدوء. أوقف السيارة في مكان مظلم ومهجور، في ممر حالك السواد، لا يوجد سوى ضوء المصباح الكهربائي الخافت، نزل من السيارة ثم فتح لها الباب ومد يده لها لتنزل ورائه. رمقته بنظرات ثاقبة ثم قالت: هل الملهى قريب من هنا؟ توجه هو ناحية صندوق السيارة وفتحه بهدوء وقال وهو يخرج شيئًا ثقيل منه: على بعد أمتار قليلة من هنا. أخرج من الصندوق مسدساً آلياً وكاتم صوت وأعطاهما لشارلوت وقال: سلاحكِ يا سيدتي. وأخرج هو بندقية شوزن له، وقنابل دخان، وقال بصوته الجهوري: هل أنتِ مستعدة؟! وضعت السلاح في مخصرها وأحكمت قبضتها عليه، وردت: مستعدةٌ كأن هذا آخر ما سأفعله في حياتي! قال روبرت و هما يتحركان نحو الملهي: ضعي كاتم الصوت فعلت شارلوت وقالت: حسناً و لكن ما هي الخطة؟ هل سوف ندخل هكذا بدون أي خطة؟! رد روبرت و هو يتحرك بخفة: فقط كوني بجانبي لا نحتاج لخطة و عندما كانا يقتربان من الملهي رأى أحد الحراس الذي كان على باب الملهي روبرت و هو يتحرك فاندفع نحوه، لكن رأته شارلوت بسرعة و أطلقت عليه النار، و بعد ذلك اسرع روبرت بقتل الحارس الآخر الذي كان أيضا يقف أمام باب الملهي الليلي، بعد ذلك ركل روبرت باب الملهى ورمى قنبلة دخان، ثم عاد ووقف مع شارلوت أمام الباب وأسندا ظهرهما إلى الحائط، ورفع بندقيته وأخذ يطلق النار على من يراه بالداخل ويعود و يسند ظهره بسرعة وكذا فعلت شارلوت، حين انتشر الدخان في الداخل خرج الناس من الملهى بسرعة وبعد آخر شخص خرج، دخل الاثنان، فور دخولهما فتح الحراس النيران عليهما لكنهما ركضا بسرعة نحو حائط يحول بينهم وبين الطلقات. سأل روبرت وهو يتنفس بصعوبة :هل أنتِ بخير؟! ردت شارلوت وهي تتنفس بصعوبة أيضاً: نعم، لا تقلق -لا أعتقد أن ذخيرتنا ستصمد طويلا أمام وابل نيرانهم، هل رأيتِ كم عدد الأشخاص؟! =أعتقد أنهم كثيرون و لكن لم أرى أحد بسبب قنابل الدخان! -هذا يعقد الأمور قليلاً! =وماذا سوف نفعل؟! -سنرتجل، فقط كوني بجانبي! خرج روبرت من خلف الحائط وبدأ حفلة إطلاق نار خاصة به على الجميع، اتخذت شارلوت أيضاً روبرت ساتراً لها و أخذت تطلق النار من خلفه بينما كان صوت طلقات الشوزن المتفجر يدوي في المكان ويسقط أعداداً من الحراس. وبعد أن سقط حوالي ثلاثة أرباعهم، صاح أحد الحراس: اللعنة يا رجل! إن كنت تريد شيئاً فاطلبه، لا بد من سبب لهذه المجزرة! رد روبرت: نعم، السبب أن زعيمكم يلزمني! =لا بأس نحن نستسلم، إنه بالداخل وقد جن جنونه بالتأكيد من صوت الصراع، سأدخل وأحاول جعله... -لو أنك تخدعني سأفجر هذا الملهى كل... =لا أفعل يا رجل! أقسم أنني لا أفعل! فقط...انتظر، أتوسل إليك! دخل الجبان غرفة زعيمه وغاب لبعض الوقت، ثم خرج وصاح: إن أردت الدخول فافعلها وحدك! رد روبرت متعجباً: ولم؟ =لأنه...على ما يبدو...الزعيم كان ينتظرك! عقد روبرت حاجبيه، ونظر إلى شارلوت نظرة ذات معنى، فامكست ذراعه قائلة: سيكون كل شيء بخير...هذه ليست النهاية! ابتسم روبرت، وقبلها، ثم توجه وحده إلى الغرفة. دخل روبرت؛ ليرى آخر ما كان يود أن يراه: الزعيم الجالس على كرسيه، والذي لم يكن سوى شخص مفتول العضلات يرتدي بضعة إكسسوارات من الذهب، الصورة النمطية والبديهية لأغلب زعماء الجريمة! ولكن ليس هذا ما لم يود يعقوب رؤيته...لقد كانت الكارثة في الشخص الواقف إلى جوار الزعيم... والذي لم يكن سوى عديم الرأس بنفسه، صديق روبرت، وقد وقف واضعاً يديه خلف ظهره! إثر رؤيته لصديقه العزيز؛ غطى روبرت وجهه بكفه وهو يكرر بينه وبين نفسه: "كلا...لا، لا...كلا!" ثم حرك كفه بسرعة وأشار بأحد أصابعه نحو صديقه وهو يصرخ: "لماذا من بين الجميع أيها الخائن اللعين أجدك أنت هنا؟! ما الذي فعلته لك يوماً...فقط...لماذا؟!" ضحك عديم الرأس قائلاً: "هدئ من روعك يا روبرت، كأنك حقاً تأبه لهذه الأمور التي حرمت منها كثيرين! أي صداقة تلك التي تأبه لها وأنت لم تأبه لصداقات الذين تسببت في أذيتهم أو مقتلهم يوماً ما؟!" عقد روبرت حاجبيه متسائلاً: "أنا حرمت كثيرين من الصداقات؟! إنني قاتل، لا شك في ذلك، لكنني لم أقتل يوماً سوى الفاسدين..." باغته عديم الرأس بالسؤال الفاصل الأول: "كم واحداً قتلت؟!" تلعثم روبرت وهو يحاول التذكر؛ فباغته عديم الرأس بالسؤال الفاصل الثاني: "كم الساعة الآن؟!" نظر روبرت حوله ليجد أن هنالك ساعة كبيرة على أحد جدران الغرفة، لكنها بلا عقارب...! وهنا باغته عديم الرأس مجدداً بالسؤال الفاصل الثالث: "كيف بدأ كل هذا؟!" لسبب ما لم يجد روبرت إجابات على تلك الأسئلة وقد أثار ذلك تعجبه، وهنا قال عديم الرأس رداً على سؤال روبرت الغاضب الأول: "تسألني لماذا فعلتها، لماذا أرشدتهم إليك، وأجيبك بأنهم وعدوني أن يعيدوا إلي رأسي، وقد فعلوا!" أنهى جملته، وكشف عما كان يحمله بيديه خلف رأسه: رأس بشرية حقيقية! ولأن الامور الغير منطقية تأتي كلها دفعة واحدة، رأى روبرت صديقه يضع تلك الرأس مكان رأسه المفقودة، ليفغر فاه في رعب إثر ما رآه... لقد كانت الرأس...رأس روبرت! نفس الملامح والقسمات...تسريحة الشعر...حب الشباب... لقد كانت الرأس...رأس روبرت! نظر روبرت فجأة إلى الزعيم؛ فوجده قد اختفى نهائياً كأن شيطاناً اختطفه من المكان، ولم يبق سواه وهو يحدق ببلاهة ورعب عظيمين في...روبرت الآخر هذا! وإثر ملاحظته لخوف روبرت انفجر ذو الرأس ضاحكاً وهو يقترب منه قائلاً: "أعلم أنك خائف يا روبرت، وأعلم أيضاً أنك تواجه الآن صعوبة في الحراك، أليس كذلك؟!" وبالفعل، حاول روبرت أن يحرك أياً من أعضاء جسده لكن محاولاته باءت بالفشل، كأنه قُيِّدَ بسلاسل خفية عن الأبصار في المكان، ومرت بضع ثوان دنا فيها ذو الرأس أكثر من روبرت، وعندما أصبح على بعد خطوة واحدة منه قال: "لا تقلق يا عزيزي، سينتهي كل هذا الآن!" وفور أن أنهى جملته، سدد ذو الرأس لكمة جانبية قوية إلى وجه روبرت أسقطته أرضاً، وأصابت بصره بالجنون على ما يبدو؛ إذ أنه بدأ يرى كل ما حوله يتلاشى ويصبح نسيجاً هلامياً من نوع ما...! وعندما أصبحت الدنيا من حوله بيضاء كلياً بالمعنى الحرفي؛ ركع ذو الرأس على ركبتيه بالقرب من روبرت وقال له بجدية: "استيقظ يا روبرت...إنه قادم إليك، لا يمكن أن تكون وحدها!" لم يكن وبرت وقتها قادراً على التفكير حتى فيما سمعه كي يرد عليه، فاكتفى بأن استسلم لتلاشي العالم من حوله ويكأنه يوم قيامة من نوع غريب لم يتخيله أحد من البشر أو تتصوره عقيدة من العقائد، ورويداً رويداً أسبل أجفانه... وانتهى...!

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

بالتوازي

المؤلف محمد تامر
2024/08/02 مكتملة
قائمة الفصول (5)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة