"أراك تفقد تركيزك!" قالها ذلك الشخص الغريب عديم الرأس وهو ينظر إلى رجلنا الذي استلقى على بطنه على أحد الأسطح حاملاً بندقية القنص، مصوباً إياها نحو إحدى نوافذ المنزل المقابل، مما حذا به أن يتحول بنظره إليه ويرد: "لو أن لديك رأساً أراها لقطعت لسانك الثرثار هذا ولما فقدت تركيزي، والآن اصمت!" عاد الرجل يراقب النافذة بمنظار بندقيته، وينتظر اللحظة المناسبة التي يمر فيها هدفه، بينما يحاول عديم الرأس تشتيته مازحاً بسؤال عبثي اعتادته أذن الرجل مع كل هدف يقتله: "من الهدف ولِمَ تود قتله بالمناسبة؟!" ليرد الرجل: "أنا أستمتع بوقتي وحسب!" ليرد عديم الرأس: "هراء! لا أحد يستمتع بوقته بشكل جدي هكذا!" فيتجاهله الرجل، ويتابع مراقبة النافذة إلى أن يظهر الهدف؛ فيضغط الزناد لتنطلق الرصاصة من فوهة البندقية مخترقةً زجاج النافذة ورأس الرجل! إثر هذا الاغتيال الدقيق والرائع صفق عديم الرأس قائلاً: "رائع! هذا نجاح احترافي على أية حال!" رد الرجل مبتسماّ بغرور وهو لا يزال يراقب بقية النوافذ: "أخبرتك!" وفجأة توقف ببصره عند نافذة، ورأى من خلالها فتاة موثوقة بالحبال على سرير، وشارك ملاحظته مع عديم الرأس قائلاً: "هنالك فتاة محتجزة بالداخل، والمكان فارغ بأي حال!" رد عديم الرأس بتهكم: "بالطبع هو فارغ طالما أنك تحبه كذلك! أما عن الفتاة فغريب أن قلب القاتل الذي بين ضلوعك هذا يحمل نوعاً من المشاعر في نهاية المطاف!" فكك الرجل أجزاء بندقيته وأعادها إلى حقيبته، ثم نزل مع عديم الرأس إلى الشوارع مجدداً واتجها نحو المنزل الهدف، ودخلاه ثم سارا متجهين نحو غرفة الفتاة بينما عديم الرأس يتهكم كعادته: "ليتك دخلت وقتلته هنا أفضل من هذا الاستعراض المبالغ على السطح، الرجل وحده بحق السماء!" لم يرد الرجل حتى أصبحا أمام الغرفة المنشودة، فتح الرجل بابها ودخل ليجد الفتاة المغمى عليها تقريباً والموثوقة بالحبال وقد سالت دماؤها من منتصف عنقها لتغرق ملابسها ، شرع الرجل يفك وثاق الفتاة ويحاول مسح الدماء ولكن... ولكن النزيف لا يتوقف! كأن مصنعاً أزلياً للدماء موجود بداخل عنقها! وكعادته، تهكم عديم الرأس: "تبدو مميزة، ربما يمكنك أن تروى عطشك للدماء إذا..." قاطعه الرجل: "لا تفكر حتى في...فقط اصمت...اخرس...اسكت!" ضحك عديم الرأس، وظل الرجل جامداً في مكانه للحظات إلى أن تحدثت الفتاة بصوت خفيض: "دمائي لا تتوقف ولن تتوقف...فقط خذني!" فغر الرجل فاه، وقام دون أن ينظر إلى عديم الرأس فحمل الفتاة، وخرج بها ليسير في الشوارع متجهاً إلى منزله الآمن. عندما وصل أرخى جسد الفتاة على الأريكة ووضع حقيبته على الأرض، ثم قام متوجهاً إلى المطبخ ليجد عديم الرأس خارجاً منه وهو يلوك طعاماً في فمه ويقول: "أتود معكرونة بطعم الفاصوليا؟!" عقد الرجل حاجبيه ولم يرد، وإنما بادله التهكم قائلاً: "كلا، أشكرك على تدمير شهيتي!" =هيا الآن يا روبرت، لم تأكل شيئاً لمدة أسبوع حسبما يبدو، هذا يجعلك خائر القوى! -ولكنني واقف أمامك! =قناعتك تُدَرَّسُ يا صديقي، وصبرك أيضاً! -لم لا تكون مفيداً ولو لمرة في حياتك وتحضر لي علبة الإسعافات الأولية كي ننظر في أمر جرح تلك الفتاة الغريب؟! كعادته ضحك عديم الرأس وقام لينفذ، واقترب روبرت من الفتاة مجدداً ليسمعها تقول بصوت أعلى: "لا فائدة، هذا الجرح لا يلتئم!" سألها روبرت متعجباً: "ألن تموتي إذن؟!" ضحكت الفتاة ضحكة رقيقة بصوت خفيض وردت: "لا، دعنا نقل أنني مميزة!" بادلها روبرت المرح بابتسامة لا تخلو من القلق، وعلى غير المتوقع سألته الفتاة: "ألا تشعر بأنه عليك أن تحبني؟!" فغر روبرت فاه ورد بتلعثم: "الحقيقة أنني...آه...ربما...لا أدري لكن...شيء ما...أعني...صوت ما بداخلي...يقول...أنني...ربما يجب أن...أحبكِ؟!" اتسعت ابتسامة الفتاة لتكشف عن أسنانها سائلة إياه: "وما رأيك؟!" -...أظنه صادقاً! =...ستحبني رغم هذا الجرح؟! -وما المانع؟ كما قلتِ؛ هذا يجعلك مميزة! اتسعت ابتسامة الفتاة أكثر، وكذا ابتسامة روبرت، ثم سألته: "لم تأخر صديقك؟" انتبه روبرت لغياب عديم الرأس، فناداه لكن لم يأته الرد، بحث عنه في المنزل فلم يجده؛ فعاد إلى الفتاة قائلاً: "دعكِ منه، إنه يفعل ذلك! لا بد أنه الآن في الشوارع يستمتع بإخافة بعض الأطفال!" ضحكت الفتاة ضحكة أرق من سابقتها، وسألها روبرت بخجل وحب: "ما...اسمكِ؟ لدي فضول أن أعرف ما إذا كان اسمك بنفس قدر جمالكِ هذا أم لا!" أجابته بدلال أنثوي مغرٍ: "شارلوت، وأنت...روبرت، سمعت صديقك هذا يناديك." ابتسم لها روبرت، وشرع يتأمل قسمات وجهها...كانت جميلة كالزهور وكانت قسمات وجهها حرة كالعصافير، وكان... لم يدر روبرت السبب، لكنه فجأة شعر أنه لا يستطيع التركيز في تفاصيل وجهها جيداً...! لكنه تجاهل ذلك وسألها: "أتودين أن...تخبريني لماذا كنت موثوقة بالحبال في منزل ذلك الرجل؟" =لا! -...لا بأس، كانت مجرد محاولة! =...روبرت؟ -أجل؟ =أرني شيئاً رائعاً! عقد روبرت حاجبيه وهو يبادلها النظرات، ثم سألها: "أي شيء؟!" أجابته بمرح طفولي: "أجل! أي شيء يا حبيبي روبرت! أي شيء!" -إذن...لا تقولي لي أنني لم أحذركِ! قام روبرت وتناول حقيبته، وفتحها ليخرج أجزاء البندقية ويجمعها أمامها قائلاً: "هذا شيء رائع!" نظر روبرت إليها متوقعاً منها خوفاً أو قلقاً، لكنها على العكس أبدت دهشة ومرحاً وهي تقول فاغرة فاها بعينين اتسعتا عن آخرهما: "أنت قناص!" -...قاتل، في الواقع... =وهذا أفضل! -...آه...ماذا؟! =...انظر إلي، تأملني، أنا حرة لدرجة أنك لن تستطيع أن تصف شكلي أو جوهري بأوصاف معينة! -هذا حقيقي...! =الدماء جميلة يا روبرت! -أترين ذلك؟! =أتراه أنت؟! -...لا أدري، لكن أظنني...أفعل! =إذن فأنا أيضاً أفعل! -...أنتِ حقاً تروقين لي يا شارلوت! =وأنت كذلك! -إذن...أتودين معرفة المزيد عن هذا الأمر؟ =كل آذان صاغية! وهكذا، دون الخوض في تفاصيل غير هامة، حدثها روبرت أكثر وأكثر عن القتل، وتقنيات الاغتيال، والخطط، والخطط البديلة، واستخدام الأسلحة، وشرع يعلمها بتطبيقات عملية سخيفة داخل المنزل، ورغم أنه كان يشعر أن شارلوت تظن الأمر لعبة إلا أن جديتها وتقبلها لكل كلامه كان يهدم هذا الشعور بداخله في كل مرة! وذات مرة تهور روبرت وأراد أن يصطحب شارلوت بالفعل معه في مهمة حقيقية لاغتيال سياسي فاسد - كأغلب الذين اغتالهم روبرت - وبدون تفاصيل كثيرة - أو قليلة - وضع روبرت الخطة، وظل يحفز عقل شارلوت لتخيل أحداث المهمة وطريقة تنفيذ الخطط، ودربها مراراً قبل التنفيذ بعدة أيام، وعندما حان الوقت ووصلا إلى مكان التنفيذ أبت شارلوت إلا أن تجمع أجزاء البندقية وتقتل الهدف بنفسها! كان إلحاحها طفولياً بريئاً جعل روبرت يذعن لها، ورغم خوفه وشعوره أنها لن تنجح...نجحت! اغتالت شارلوت الهدف بطلقة ممتازة ودقيقة في جبهة الهدف، بل إنها حتى صوبت تالياً على الحارسين المتواجدين معه بالغرفة وأسقطتهما أرضاً بسرعة مدهشة...على الأقل بالنسبة لروبرت الذي قال من صميم قلبه: "شارلوت...أنت محترفة! وربما تتجاوزين مستواي مع بعض التدريب!" ثم أردف: "وأنا أود ذلك!"
محمد تامر