كيف أصف لكم نفسي الآن؟
لو كنت سأشبه نفسي بمخلوق ما ، فسيكون يكون طائر العنقاء الأسطوري.
لدي طموح بحجم جناحيه الكبيرين
وأملك قوة كالنار اللتي تشتعل في جسده عندما تحين ساعته.
لم أكن أدرك أنني أشبهه حقاً ،
حتى احترقت كلياً إلى آخر ذرة بسبب ما قاسيته معهم
ومن ثم انبعثت من رمادي ،
وأنا متجددة وكلي قوة.
لكن الفرق بيني وبين العنقاء
أن ذاكرتي اختزنت كل الألم.
إذ تصدع فؤادي لشدة قسوته
واسود حتى استحال إلى حجر فحم أسود جاهز لاستقبال اللهيب في أي لحظة ،
لأحترق مجدداً ، وأنبعث مجدداً وأنا أقسى وأصلب وأعنف من سابقتي
نعم ، أنا العنقاء بحد ذاتها.
.
.
.
.
مضت فترة طويلة تخللتها الكثير من الأحداث ،
منها أنني كنت على وشك أن أطرد لارتكابي خطأً غير مقصود ،
وقد توسلت إلى رئيسي وبكيت بطريقة ضعيفة لن أنساها ما حييت.
كان موقفي في منتهى الإذلال ،
وذلك لكي لا يعرف أهلي بأنني طردت خلال فترة قصيرة وكل ضني أن الأمر ذنبي أنا.
لا لم يكن ذنبي ، كان ذنب ذلك الرجل الخسيس الذي اقترح علي أن اكتب له تقرير مرضه بدلاً عن رئيسي فغضب مالك الامبراطورية مني ، وقرر طردي.
وحين توسلت إليه ليبقي على عملي هنا.
حسناً استجاب لتوسلاتي وإذلال روحي الثمينة من أجل بضعة ورقات نقدية ، لكن تعامله قد تغير كلياً معي ،
صار يرمي بجميع الأخطاء التي تحدث في عيادته علي أنا وحسب
وأنا الغبية الحمقاء كنت أتقبل كل شيء فقط لكي لا أطرد.
وصار الصراخ في وجهي عنده عادة طبيعية!
بل انه صار يرى أن الدعس على كرامتي أمر عادي بما أنني بحاجة للمادة ، لذا صار التحكم بي أسهل من تغيير قنوات التلفزيون.
حتى وصل الأمر به للشتم!
نعم ، لا تستغربوا أبداً فأنا أستحقه!
ولو كنت أمامكم لقذفتموني بأحذيتكم بالتأكيد.
ذات يوم زارنا مريض وأصرت علي تلك الطبيبة اللتي عملت هنا لفترة قصيرة أن أدخله للمعاينة ،
أخبرتها بأنه ينتظر الطبيب الرئيس ،
وٱدعت بأنه من صلاحياتها معاينة مرضاه بنفسها أولاً ،
ولم يكن بيدي سوى الإذعان لأمرها خوفاً من أن تشكوني لرئيسي فيمسح بي الأرض والجدران والسقف ،
هذا ما كنت أظنه سابقا حين استوطنتني حماقة عشرة أعوام.
ولم تفحص أسنانه فحسب ،
بل أجرت وبشكل غير قانوني عملية خطرة لقلع سن العقل ،
وكنت أنا مساعدتها حينئد للأسف.
لكن المشكلة أن المريض وافق على قلع ضرس العقل
إنما حين تحول الأمر إلى وضع أخطر لم تتوقف
آنذاك نزف المريض بشكلٍ فضيع اضطرهم في النهاية للاتصال بالاسعاف لنقله إلى الطوارىء ،
كانت حالته حرجة وكاد أن يموت!
وعلى من ألقي بمعظم اللوم؟
نعم ، بالضبط ، علي أنا!
وما دخلي انا في ذلك؟
لكنني أخبرتكم، كنت ضعيفة جداً حينها ومستعدة لتحمل مختلف الصفعات على قفاي فقط لكي لا أطرد!
ما هذا التفكير بحق جهنم؟!
لو عدت بالزمن ، لحشرت رأسي بين الباب والمفصل وأغلقته عليه مئة مرة حتى ينفجر
ذات يوم أقبل علينا سموه وهو في مزاج غير لائق بسبب الشكوى التي قدمها أهل المريض في المحكمة، ثم تنازلوا عنها ،
فأصبحت ذريعة جيدة، لإفراغ غضبه في وجهي ، وعندها ، شتمني.
نقطة على السطر ، لن أستطيع قول أكثر من ذلك.
حينها انفجرت في وجهه
لكنني ولشدة ضعفي الذي سيطر علي كلياً ،
لم أستطع الدفاع عن نفسي كما يجب.
لقد تساقطت دموعي بسرعة كما هي كرامتي ،
واستطاع طردي بأسلوب بمنتهى الفظاظة من غرفته.
تخيل حين يكون من الصعب الكلام ، ومن الصعب الصمت ،
وما بينهما أمرّ وأشد ألماً ،
قلبك يرفض سكوتك المهين ،
وعقلك يرفض لصوتك لأن يصدح ويبوح بالمشاعر التي تخالجك ، لتكون الكلمات ضحية الاثنين ،
فتحتبس الحروف وتختنق في حلقك لتصبح قاسية وتخدش حنجرتك ،
حينها تصبح نقطة انهيارك هي الحل الوحيد المتاح أمامك ،
فيضان من الدموع لتهدئة غضب الكلام الحبيس دواخلك ،
ولمعاقبة كلا من قلبك وعقلك بالإرهاق صمتاً وعجزاً.
ظل الجو مشحوناً هكذا لفترة لا بأس بها
فترة كانت كفيلة بتحطيمي ، وهدم قوتي ، وتقطيع شرايين قلبي وتضييق أنفاسي أكثر يوماً بعد يوم
وصرت بأسوء حال ، لا آكل ، لا أشرب ، لا أنام ،
ولا أستطيع شيئاً سوى البكاء كل ليلة بهدوء،
حتى ينال مني وجع جفناي فيغلقهما عنوة.
وأصحو صباحاً ، وفي صدري رجفة وتنهيدة موجعة لكثرة بكائي بالأمس.
.
.
.
.
.
. يتبع~~~~~~
أزل الكوردي