صمت كلّ شيء

صمت كلّ شيء

14 0

كانت "أروى" تجلس على أريكةٍ استقرّت في غرفتها حين دخلت عليها "مديحة" زوجة خالها، داعبتها ببعض الجمل المازحة قبل أن تفاتحها في أمر "جنة"، قالت "أروى" بضيق: - ماشي ماشي قالت "مديحة" بانفعالٍ طفيف: - هو ايه الي ماشي ده أنتِ بتاخديني على قد عقلي يا بت أنتِ؟! - عايزاني أعمل ايه يعني أقوم أحضنها دلوقتي؟ - يا حبيبتي سامحيها والله اتغيرت، ديه مموتة نفسها من العياط كل يوم من الذنب، هي نفسها تفتح صفحة جديدة ساعديها. شعرت "أروى" بضجر تصاعد إلى اختناق، كيف فكرت "مديحة" بإمكانية تعاطفها مع "جنة"؟!! ردّت بنبرةٍ وابتسامةٍ ساخرتين: - تكّرهني في حياتي سنين و تعيط أسبوعين فالمفروض تصعب عليّ. حاولت "مديحة" استمالتها مجددًا فتنهدت ثم قالت و قد انكمشت ملامح وجهها: - العفو صعب ربتت "مديحة" على فخذها قائلة: - العفو تحرر صدقت "مديحة" فالعفو تحررٌ من قيود الغلّ و زنازين الكره، العفو هو ما قد يجعلك تمضي للأمام. خارج الغرفة كانت "جنة" تتصنت عليهما قلقةً مترقبةً ملصقةً أذنها في الباب حين وجدتها "إيناس" على تلك الحال فقالت متفاجئة: - ايه ده يا "جنة" أنتِ بتتصنتي؟! أجابت "جنة" مشيحةً بيدها غير مكترثة لما قالته شقيقتها: - استني بس سمعت "إيناس" كلماتٍ متبادلة بين والدتها و ابنة عمّتها فتفّهمت سبب وقوفها، فقالت: - طب روحي أنتِ يا "جنة" دلوقتي و أنا هبقى أقول لك الي حصل ماينفعش تقفي كده. نظرت لها "جنة" نظرةً راجية قبل أن تمنحها "إيناس" نظرةً واثقة، رحلت "جنة" ثم دخلت "إيناس" تزامنًا مع خروج والدتها فسألت: - ماما ضايقتك؟ أجابت "أروى" متهكمة: - كنتي بتتصنتي علينا ولا ايه؟ - لا خالص ده أنا سمعتكم بالصدفة و أنا داخلة. قالت "أروى" بصوتٍ خلا من العاطفة اعتادته "إيناس" منها حين تتحدث عمّا يضايقها: - وعمومًا لا ماضايقتنيش. لم ترد "أروى" أن تستفيض في ذكر ضيقها من "جنة" فصمتت. سمعت "أروى" صوت خطوات "إيناس" خارجةً من الغرفة فسألت: - مش هتغيري هدومك طيب؟ إذ كانت لا تزال ترتدي بذلة عملها بالمستشفى. ذهبت "إيناس" إلى شقيقتها لتنقل لها عدم ترحيب "أروى" بفكرة المسامحة، سألتها "جنة" بعينٍ دامعة: - "إيناس" أنتِ مصدقة إني بحاول أتغير صح؟ عانقتها "إيناس" مطمئنةً و هي تقول: - مصدقاكِ والله بس "أروى" صعب تصدق بعد كل ده. ∆∆∆∆∆∆∆∆∆∆ صعدت "شيرين" حيث شقة "إبراهيم" و "هدى"، فتحت لها "هدى" قبل أن تشهق واضعةً صدرها على فيها ثم تقول: - في ايه يا "شيرين"؟ مالك عاملة كده ليه؟! كانت تقصد مظهرها المشعث. ربتت "هدى" على كتفها إذ لاحظت ذعرها قبل أن تصرخ "شيرين": - ابعدي عني ابتعدت "هدى" مذعورة ثم سأل "إبراهيم" عن حالة "شيرين" مجددًا فقالت "شيرين": - كل حاجة هتتكشف خلاص، "إسماعيل" هيتفضح النهارده. استطردت بجسدٍ مرتجفٍ و أنفاسٍ متقطعة تحت نظرتيهما المتعجبة: - "إسماعيل" هو الي سجنكم. دخل "إسماعيل" إلى الشقة المفتوح بابها تزامنًا مع إنهاء "شيرين" جملتها فسحبها من شعرها بعنف و هو يقول غاضبًا لاهثًا: - أنتِ ايه الي جابك هنا يا قذرة؟ تعالي معايا. قبل أن يعلق أيٌّ من "إبراهيم" و "هدى" قالت "شيرين" بعدما تأوهت: - اوعي يا حقير سيبني. كان "إسماعيل" نزل من مكتبه بالأعلى ليلمح باب الغرفة التي حبس بها "شيرين" مفتوحًا، خرج للشارع فوجدها تعدو فذهب خلفها. قالت "شيرين" مؤكدةً و هي تقاوم جذب "إسماعيل" لها: - "إسماعيل" هو الي حبسكم، هو الي كان سايق العربية الي فيها الجثث و جري قبل الكمين، "عوني" صاحب المعرض المنافس رشاه عشان يعمل كده، المحامي كان عنده دليل يطلعكم براءة و يحبس "إسماعيل" و "عوني" بس "إسماعيل" هو الي هدده مايقدموش عشان تلبسوا الحكم. قال "إبراهيم" لـ"شيرين" دهِشًا غاضبًا: - ايه الخرافات الي أنتِ بتقوليها ديه؟! عشان اتخانقتوا خناقة قررتي تألفي القصة الخايبة ديه و المفروض أصدقك؟ ثم نظر إلى أخيه منتظرًا منه تكذيبها، لم يكّذبها، بل لم ينطق، وجده "إبراهيم" ينظر له حاقدًا، و كأن شحنة الابتسامات الزائفة لديه فرغت، و الآن تظهر الحقيقة... الحقيقة فقط. قال "إبراهيم" مذهولًا: - أنت عملت كده فعلًا يا "إسماعيل"؟ لم يجب "إسماعيل" فقال "إبراهيم" وقد صعر أكثر ذهولًا: - يعني أنا كل ده عايش في كدبة؟ في حين بقيت "هدى" على ذهولها الصامت، لم يجد "إبراهيم" استجابة فتأكد من صحة حديث "شيرين". فقال مظهرًا خيبته: - أنا كنت فاكرك أخويا و يهمك أمري، ليه كده يا "إسماعيل"؟ ليه؟ كان "إسماعيل" قد ترك شعر "شيرين" فوقفت مستقيمة، استنكرت "شيرين" مظهر "إبراهيم" البريء فقالت تعدّ على أصابعها: - أنت ليك عين تقول ليه؟ ده أنت حرمته من ورث أبوه، اتجوزت البنت الي حبها، و قتلت ابنه! قال "إبراهيم" مدافعًا عن نفسه: - حكاية الورث ديه حكاية قديمة اوي و أنا كنت طايش ساعتها، البنت الي حبها ديه مراتي دلوقتي و أنا ماعرفتش إن كان في كلام بينهم غير بعد سنين من جوازنا، ابنه ده أنا ماقتلتوش، أنا المفروض أعرف منين إن صدفة زي ديه ممكن تحصل. كان ذلك حين أراد "إبراهيم" أن يدبّر مكيدةً لصاحب المعرض المجاور، قطع الفرامل خلسةً من جميع سيّاراته، كان "إسماعيل" صديقًا لـ"عوني" جاء ليزوره في ذات اليوم الذي صدمت فيه السيّارة ابنه من زوجته الأولى، الذي منعته صحته أن ينجب بعده، حين علم "عوني" بعلاقتهما استغلّ ذلك ليحثَّ "إسماعيل" على الانتقام من شقيقه. قال "إسماعيل" مغتاظًا من قول شقيقه: - أنت كده بريء يعني؟ كسرتني مرة ورا الثانية و مستني مني أقف معاك، لازم تفهم أن أخطاءك كلها مش مغفورة مهما كانت نيتك. طال النقاش بين الأخوين و "هدى" تحدّق بهما مبهوتةً صامتة واضعةً يدها على صدرها، و "شيرين" تفكر، أتدلي بقنبلتها الأخيرة أم لا؟ حسمت قرارها بالإدلاء، أخذت نفسًا ثم قالت قاطعةً هذا النقاش: - ولادكم لسة عايشين. نظر لها الجميع مشدوهين، في حين بهت كل صوت، و كأن كل شيءٍ صمت احترامًا للصدمة. لم يبدُ على "هدى" و "إبراهيم" الاستيعاب فأكّدت "شيرين": - "عمر" و "إسراء" ولادكم لسة عايشين، "إسماعيل" هو الي فهمكم إنهم ماتوا عشان ينتقم. لم يسمع أيٌّ من "إبراهيم" و "هدى" سوى الشطر الأول من الجملة، شقّت الابتسامة وجه "هدى" ثم هرعت إلى "شيرين" تمسك بكتفيها و تسألها لتأكد لها "شيرين" للمرة الثانية. سألت "هدى" متلهفة: - طب هم فين؟ أجابت "شيرين" و هي تنظر لـ"إسماعيل" ببعض الارتباك: - "إسماعيل" هو الي عارف مكانهم نظرت "هدى" لـ"إسماعيل" راجية قبل أن تنزل عبرةٌ من عينها ثم تقبل يده و تترجاه ليخبرها بمكان ابنيها. قال "إسماعيل" متشفيًا: - لو مفتاح حياتي في لحظة هتكون فيها سعادتكم مش عايزه. بكت "هدى" بنحيبٍ مسموع في حين أخذ "إبراهيم" يترجى أخاه، لمّا لم يجدا منه استجابة قالت "شيرين": - أنا معايا رقم تليفون. ∆∆∆∆∆∆∆∆∆ كان "علي" في طريقه لبيت "عمر" وقد عزم على إخباره بما رأى وهو يلوم نفسه على تأخره في إخباره بسبب الخلاف الأخير الذي لم يتكلما من بعده. وصل إلى الشقة ففتحت له "إسراء" الباب، سألها عن "عمر" فأجابت بعدم وجوده، فقال: - خلاص تمام شكرا أنا هروح له على الشغل همّ بالرحيل قبل أن تقول "إسراء": - لا ماهو ماعندوش شغل النهارده إلا بالليل. توقف مكانه مجددًا وهو يسأل مستغربًا: - اومال هو راح فين؟ - مش عارفة هو كان هنا دلوقتي وجاله تليفون بعد كده طلع يجري على برا. استغرب "علي" بعض الشيء ثم قال: - ده أنا عايزه في موضوع مهم اوي، عندي معلومات مهمة بخصوص موضوع أهلكم. تعجبت "إسراء" من قوله فقالت مضيّقةً ما بين حاجبيها: - ايه موضوع أهلنا ده؟! قال "علي" بصوتٍ عالٍ متفاجئًا: - هو أنتِ ماكنتيش تعرفي؟! - لا ماكنتش أعرف، ايه الموضوع؟ لوى فاه يمينًا ثم يسارًا في حركةٍ شعبيةٍ للتعبير عن الضيق أو عن حلول مصيبة وهو يدرك تدريجيًّا فداحة خطئه. قال محاولًا التبرير: - هي قصة كده، "عمر" أكيد خباها عليكِ عشان مصلحتك، وأكيد ناوي يحكي لك، مش عارفة امتى، ولا عارف مستني ايه كل ده بس أكيد لمصلحتك ده أنتِ أهم حاجة عنده. شعرت "إسراء" بالقلق من نبرته فقالت ببعض الحدّة: - ادخل اقعد على الكنبة و سيب الباب مفتوح بالفعل نفّذ ماقالته ثم حكى لها كلّ ما يعرفه من "عمر" وما عرفه هو بعد ذلك. ∆∆∆∆∆∆∆∆∆ لا تنسوا أهالي غزة وسوريا والسودان من دعائكم

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

هل بعد الفراق يا أمي لقاء؟

المؤلف آيـة حـسـيـن
2024/06/29 مستمرة
قائمة الفصول (23)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة