توقف الزمن

توقف الزمن

12 0

جالسةٌ و الدمع رفيقها، لا تفعل شيئًا سوى البكاء، و معاودة الاتصال، تعود لبالها الآن كل اللحظات الحلوة، أو التي ظنّت أنها حلوة. كان مثاليًا في أول لقاء، و كان يُشعرها أنها أغلى كنوز الأرض، كانت عينيها تلمع عند رؤيته، كان أول شخض يشعرها بأن لها قيمة. تتذكر "منى" كلامه و ابتسامه، تستدرك الآن كم هي مغفلة، صدقته و هامت بعشقه، ها هي الآن تتمنى منه نظرة و لو شفقة. تواصل ملاحقته، و البكاء عنده، و الاتصال به، لكنه لا يجيب، ترك كل شيء فجأة و صار غير موجود، كم كانت حمقاء حين صدقت بأنه يحبها و يريد الزواج بها، فهذا الشخص لا يمكن له أن يحب، هو فقط يأخذ منها و من مشابهاتها نظرة الإعجاب التي تملؤه زهوًا بنفسه يداري بها نقصه، نظرة الإعجاب الحمقاء التي منحته إياها بكل بساطة و حماقة! ∆∆∆∆∆∆∆∆∆ على الطرف الآخر كان "مروان" يغلق هاتفه متأففًا من تلك الساذجة المزعجة، وقف حيث التقى بصديقيه "فارس" و "صادق"، ألقى عليهما التحية ثم سأله "فارس" عن هاتفه الذي يرن دون أن يرد، أخبره بأنها "منى" فتناقلا بعض عبارات السخرية و الشتم مما جعل "صادق" يشمئز منهما. قال "مروان" قلِقًا: - سيبكم من "منى" دلوقتي أنا عندي مصيبة أهم. سأله "صادق" ساخرًا: - عملت ايه؟ أجاب: - فاكرين البت "إسراء" الطويلة ديه؟ أجابه "فارس" متهكمًا متضاحكًا: - مش ديه البت الي هزأتك قدام الجامعة كلها؟ قال "مروان" مغتاظًا من تهكم صديقه: - بعيدًا عن ظرافتك، أنا كنت واقف معاها امبارح و كلمة منها على كلمة مني اتغظت و زقيتها، وقعت من على سلم. هنا ذُهل "صادق" فهتف: - نهارك أسود، اتعديت على البت؟! - اتعديت ايه ماعملتش حاجة ماتلبسنيش. ازداد غضب "صادق" فقال: - ماعملتش حاجة ايه؟! أنت وقعتها من على السلم؟! و بعدين أنت عايز منها ايه ماتسيبها في حالها، قلت لك ديه واحدة محترمة مالهاش في الشغل القذر بتاعكم ده. علم "مروان" أن "صادق" لن يفيده سوى بكلامه هذا فقال لاجئًا لـ"فارس": - طب ايه يا "فارس" ماعندكش أي حاجة تطلعني بيها مجرم أنت كمان؟ سأل "فارس": - هي جرالها حاجة؟ أجابه "مروان": - ماعرفش أنا أول ما وقعت لقيت الناس بتتلم فجريت. صُدم "فارس" من جملته فقال: - هو في ناس شافوك؟! قال "مروان" مستغربًا صدمته: - احنا كنا بالنهار في الشارع فطبيعي أتشاف. قال "فارس" غاضبًا قلِقًا: - يا سلام على ذكائك، خلاص يا بابا كلهم شافوك و البت لو جرالها حاجة هتتجاب و هتتحبس. ثم علَّق متهكمًا: - قعدت تقول بتتقل، هتيجي، لو استنيت شوية هتلين، اهي مش بعيد تكون اتكسرت بسببك. قال "مروان" بعد أن استفزه صديقاه كثيرًا: - ماهو كله بسبب البتاع الي أنت جبتهولنا امبارح، و قال ايه نوع جديد و هيروقك. فور أن تلفظ "مروان" بجملته وضع "فارس" سبّابته على شفتي "مروان" قائلًا: - بس يا عم ايه ال أنت بتقوله ده! "صادق" لو عرف هيفضحنا في كل حتة. و بالفعل كان توقعه إذ صرخ "صادق" مذهولًا: - بتاع ايه؟! أنتم بتاخدوا مخدرات ولا بتسفوا أدوية ولا بتعملوا ايه؟! ردَّ "فارس" مغتاظًا: - اسكت يا "صادق" ايه الفضايح ديه! و بعدين مالكش دعوة، ماتخليك في حالك يا مثالي أنت عاملنا صداع من الصبح ليه؟! ∆∆∆∆∆∆∆∆∆ لم يسأل "عمر" "إسراء" عن أي شيءٍ يوم الحادثة إذ أخرست الصدمة كليهما، و في اليوم التالي سألها، فقصّت له الأمر بوضوح، بدايةً من "مروان" زميلها الذي يلاحقها قائلًا أنه يحبها فتصده. ثار "عمر" غضبًا من هذا الفتى، تلفت أعصابه و هو يتخيله يؤذيها، و تمنى أن يذهب له الآن و يريه عواقب أعماله. سأل "عمر" معاتبًا: - و ليه ماقلتيش قبل كده إن الولد ده بيضايقك كنا اتصرفنا معاه قبل ما يحصل الي حصل؟ أجابت "إسراء" بصوت خافت باهت كما لم يكن من قبل: - أنا عمري ما جه في بالي إن ده ممكن يحصل، وجود "مروان" ده و مضايقاته ليا ما كانتش مأثرة في حياتي، و أكيد مش عايزة أعمل مشاكل. قال "عمر" متوعدًا لـ"مروان": - ده أنا هوري الواد ده أهوال ماشافهاش في حياته، ده لازم يتجازى على الي عمله أضعاف. ثم نظر لها نظرةَ الإنسان لأغلى ما في دنياه قائلًا: - أنتِ غالية اوي يا "إسراء"، أغلى بكثير من إن واحد زي "مروان" ده يؤذيكِ و يتساب. - ناوي تعمل ايه يعني؟ - مش عارف لسة بس الي هعمله أكيد مش هيكون كويس بالنسبة له. - مش لازم يا "عمر". قال متعجبًا من قولها: - هو ايه الي مش لازم؟ - مش لازم تشعل بالك بيه ولا تحاول تنتقم منه، أصل ده مش هيرجع نظري، فليه نعمل مشاكل ملهاش لازمة؟ عمرنا أقصر من إننا نضيعه في خناقات و انتقام. سأل "عمر" معاتبًا مستنكرًا: - و ماناخدش حقك؟ - مش لازم صدقني، ناخده يوم القيامة قدام ربنا. - ده ضعف يا "إسراء". - مش دايمًا العفو ضعف، زي ما مش دايمًا الانتقام قوة. الانتقام ممكن يبقى ضعف لما تلغي حياتك و تفكيرك و شخصيتك عشانه، و تبقى مجرد مسخ عايش عشان تنتنقم و ماتفرقش في أي حاجة عنهم، و تنسى الحياة كانت بتتعاش ازاي. العاقل هو الي بيعرف امتى يعفو. كان "عمر" معترضًا بشدة على حديثها فظلّ الأخذ و الرد بينهما حتى شُحِنت الأجواء بالعصبية و التوتر فتوقفا عن الحديث عندما لم يقتنع أحدهما بما يقوله الآخر. ∆∆∆∆∆∆∆∆∆ تمرُّ الأيام و الشهور و لا شيء يحدث، كأن الزمن توقف عند اللحظة التي شعرنا بها أن لا شيء أسوء قد يحدث، حين نصل إلى ذروة الألم في حكايتنا فتتزلزل كياناتنا و نظنّ أن لن نسعد مجددًا. في الحقيقة الزمن لم يتوقف، لكنه حين يسقط الإنسان فيتوهم أنه من شدة السقوط لن يقوم مجددًا فيبقى ساكنًا في حين أن كل الأشياء تتحرك. و يظلُّ هو يتحسّر على ما راح. كان ذاك حال الشقيقين "عمر" و "إسراء" حيث كانت "إسراء" غارقةً بين دموعها و غضبها الشبه الدائم، تغضب و تشتعل من أتفه الأسباب حتى تصل للذروة ثم تهدأ تمامًا فتغدو ساكنةً بلا حركة ولا كلام. و "عمر" يراها و قلبه ينفطر عليها و على حياتها التي ضاعت، و لا شيء أمامه يستطيع فعله، كل ما يقدر عليه هو أن يبقى جانبها، لا يفعل شيئًا سوى البقاء بجانبها. تمرُّ الأيام جارَّةً أسابيعًا، و هو لا ينزل من البيت خشيةَ تركها وحدها. جمعت مكالمةٌ بينه و بين صديقه "علي"، حين سأله "علي" كيف حالك، لم يستطع الإجابة بـ'بخير' إذ لم يشعر بأي خيرٍ قريب. قال "علي" أسِفًا على ما صار إليه رفيقه: - "عمر" مش كفاية؟ أنت بقالك كثير اوي قافل على نفسك أنت و أختك ما بتخرجش خالص. - ماهي مش قادرة تخرج تعمل حاجة و أنا مش قادر أسيبها. - هي حاجة صعبة و ثقيلة بس أنتم مش هتوقفوا حياتكم يعني؟! أردف "علي": - "عمر" أنت بقالك أكثر من ٣ شهور قافل على نفسك، شغلك طيب الي مابتروحوش ده، أكيد الاجازة المفتوحة ديه هتخلص و هيقولوا لك يا تيجي يا شكرًا مش عايزينك، و أنت مش ناقص مشاكل من النوع ده. رد "عمر" بصوتٍ حمل قلقًا كثيرًا: - أيوة بس هي ماتقدرش تقعد لوحدها ولا تقدر تروح حتة، ديه مابتعرفش تعمل حاجة لوحدها خالص دلوقتي. - طب هقول لك على حل، أنا ممكن أقول لـ"عالية" أختي تجيب "مصطفى" و "منّة" و تيجي تقعد معاها، و اهو تساعدها و تسليها، و "عالية" و "إسراء" علاقتهم مش وحشة يعني حتى لو مش صحاب. قابل "عمر" فكرة "علي" باعتراضٍ شديدٍ في البداية لكن "علي" ظلّٕ يلح عليه حتى أقنعه. ختم "علي" حديثه بأن قال: - ربنا معاك. أراد بكلمتيه تذكير "عمر" بوجود الله و إعانته علّه يشدد أزره. انتبه على صوت رنين هاتفه، لم يتعرف على الرقم لكنه أجاب، وجد صوت امرأة تبدو في أواخر الثلاثينيات أو بداية الأربعينيات، تقول: - أنت "عمر"؟ استغرب من سؤالها ثم أجاب بـ"نعم" سائلًا بعدها عن هويتها و ما تريد منه، قالت: - مش لازم تعرف أنا مين لأن مش هتفرق معاك في حاجة، أنا طرف مش مهم في القصة. تعجّب أكثر من كلامها، من تكون تلك السيدة المريبة و ماذا تريد منه؟! قبل أن يفتح فمه قالت: - لو عايز تعرف أهلك فين دور ورا "إسماعيل". كان ذلك ما فجع "عمر" بحق، فقام واقفًا متسع العينين سائلًا للمرة الثالثة: - ما تقولي بقى أنتِ مين يا ست أنتِ؟! و ايه علاقتك بيا و بأهلي؟ أتاه قولها متجاهلًا كل ما قاله: - "إسماعيل" هو السبب في كل حاجة، هو الي فهّم كل واحد فيكم إن الثاني مات، لو مهتم بجد تعرف خليك ورا "إسماعيل". سأل هو متشككًا بعد أن استجمع إدراكه و تذكر الورقات و السيدة المنتقبة التي وصفتها الجارة: - هو أنتِ الي كنتي بتبعتيلي الورق؟ سمع صوتها يوحي بأنها تهمّّ ببدء حديثها، ما كادت تلك السيدة المجهولة تلفظ حرفًا حتى انقطع الاتصال. و بقي "عمر" وحده مع تساؤلاته. ∆∆∆∆∆∆∆

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

هل بعد الفراق يا أمي لقاء؟

المؤلف آيـة حـسـيـن
2024/06/29 مستمرة
قائمة الفصول (23)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة