و له في كل موضع ذكرى

و له في كل موضع ذكرى

19 0

السلام عليكم و رحمة الله و بركاته - هو في ايه؟ أجابه "علي" ضاحكًا بشدة: - في إن أنا ضحكت عليك لم يستوعب عقل "عمر" ما فعله صاحبه فظلّ يحدق في "علي" بفيه مفتوح و عينين غير مصدقتين، لبث كذلك لبضع دقائق ثم استوعب المقلب السخيف الذي لم يكن وقته صحيحًا على الإطلاق فركض يطارد "علي" و "علي" يهرب منه في المقهى كالقط و الفأر مما أثار دهشة الزبائن و غضب بعضهم و هو يتوعده: - اه يا كلب، و الله لأعمل منك سندوتش شاورما عشان تبقى تستظرف و تخضني ثاني. خرج "علي" من المقهى عندما لاحظ تذمر الزبائن أثناء هربه من "عمر" الغاضب الذي خلع حذاءه ليقذفه على "علي". سقط "علي" على الأرض عندما تعثر في حجر أثناء ركضه فرفع نظارته للأعلى كي لا يصيبها مكروه قائلًا: - كله إلا النظارة. انتبه لهاتفه الذي سقط من جيبه فأضاءت شاشته لتُظهر إشعارًا حمل رسالة من خطيبته تقول فيها: - ينفع أرن عليك؟ استقام جالسًا ثم واقفًا و هو يرمق الهاتف ببلاهة و إبتسامة واسعة يكاد عرضها يصل إلى عرض السماء، أُرسِلت الرسالة منذ دقيقة، ثم فتح الهاتفة و هو يكتب لها: - أكيد تأمل المحادثة منتظرًا إتصالها، كانت خالية من أي رسائل باستثناء البعض اللاتي كنّ منه يسأل عن حالها و لم ترد هي عليها، و سرعان ما أطربت نغمة هاتفه أذنه و أنار الإسم الذي سجلها به الشاشة و الذي كان: "من سرقت قلبي و فرّت به بعيدًا"، أجاب بسرعة متلهفًا تحت نظرات "عمر" المغتاظة و الذي كان يمنع نفسه عن ضربه بصعوبة، رفع الهاتف ثم بدأ المحادثة هاتفًا: - عاملة ايه؟ أتاه الرد منخفضًا لكنه يثير الصخب داخل قلبه: - كويسة الحمدلله، و أنت؟ اتسعت إبتسامته التي شعر بتنميل في وجهه أثرها و هو يرد: - أنا كويس.... كويس اوي.... كويس جدًا ثم أضاف بعد هنيهة كاسرًا حاجز الصمت: - بس احنا اتطورنا جامد على فكرة. استطرد بلطف تشوبه لهجة مزاح: - وصلت لينفع أتصل بيك، يعني لسة في أمل الحمدلله، مش هضطر أعمل عمل لجلب الحبيب. فلتت منها ضحكة قصيرة كتمتها فورًا، لا يكاد صوتها يصل إليه لكنه أحسّ بها فاقشعر جسده، علا صوت "عمر" يصرخ متوعدًا يأمره بإغلاق المكالمة، سمعت "مي" صوته سمعًا مشوشًا فسألته: - ايه الدوشة الي جنبك ديه؟ أجابها "علي" و هو يكظم حنقه من أفعال صديقه: - أبدًا ديه خناقة في الشارع، أصل قلالاة الأدب كثروا اليومين دول. سمعه "عمر" فقال منفعلًا: - أنا قليل الأدب يا عديم الرباية يا عديم الأخلاق يا مهزأ يا ملزق؟!! طب اقفل ياض و أنا أوريك. لم يُعطِ "علي" "عمر" إهتمامًا بل تابع محادثته مع "مي" يسألها: - المهم كنتي عايزاني في ايه؟ أصابت "مي" الحيرة، هي لا تعلم لمَ اتصلت به، بل لم تكن المتصلة من الأساس، والدتها هي من دفعتها لتهاتفه، نظرت لوالدتها علها تستشف منها ما تقوله، ثم قالت ما أملته عليها أمها هامسةً: - كنت عايزة أكلمك في حاجة، فممكن تيجي مع أهلك نتغدى مع بعض و بعد كده نتكلم. - تمام. أغلق معها المكالمة و هو يبتسم إبتسامةً بلهاء و يرقص بشكل يثير الضحك، ليلاقي غضب صديقه الذي يصبه عليه "عمر" صارخًا: - أنا بقى عايز أفهم الحركة الزبالة الي أنت هببتها ديه. قال الآخر بنشوة لا توصف متجاهلًا قول "عمر": - رنت عليّ! - طب لما أقتلك بقى متبقاش تزعل عشان أنت عيل مستفز و مُشلّ. رد "علي" متذمرًا: - ما خلاص يا عم متزودهاش بقى ده أنت اوفر صحيح. استطرد حديثه ببهجة و كأنه يبشر بحدث عظيم: - بقولك "مي" اتصلت بيا، ديه أول مرة تعملها، و عايزاني في موضوع. تحولت نبرته إلى التساؤل و هو يقول: - تفتكر عايزاني في ايه؟ سأله "عمر" مستغربًا متعجبًا هازًّا رأسه: - ثواني بس، أول مرة تتصل بيك ازاي؟! أنتم مخطوبين بقالكم ٣ شهور! - شفت بقى الغُلب الي أنا فيه رد "عمر" ساخرًا لكنه لم ينجح في إخفاء نبرة الغضب من صوته: - لا صعبت عليّ فعلًا. تحولت نبرته للغضب كليًا و هو يردف: - لسة مش طايقك على فكرة. ثم زفر "عمر" زفرة أخرج معها غيظه و سخطه، خوفه و قلقه، تيهه و حيرته، هل يقبع أبواه اللذان أحرقه الشوق لهما خلف ذلك الباب الذي وقف أمامه؟ أم أنه شخص يتلاعب به لا أكثر؟ يحاول البقاء طبيعيًا رغم ما صراع التساؤلات داخله. ودّع صديقة، لكنه لم يعُد للعنوان في الورقة، هل كان سيدخل لولا إتصال "علي"؟ لا يدري، يخشى المواجهة و بشدة، يخشى أن يكون كل ذلك سراب، و يخشى أن يكون حقيقة، فيُصدم بحقيقة أن أهله تخلّوا عنه، يخشى تلك اللحظة التي قد يراهما بها و يسأل: لماذا تركتماني؟ ∆∆∆∆∆∆∆∆∆∆ هناك نوعان من البشر، محبي الشاي و محبي القهوة، أما "إسراء" فهي تعشق الكاكاو، حضّرت لها كوبًا من الكاكاو ثم اتجهت نحو فراشها لتسافر عبر كتابها أثناء تلذذها بكوب الكاكاو، وجدت إشعارًا من هاتفها ففتحته لتجد حسابًا باسم "مروان" يرسل لها طلب صداقة، تذكرت أنه ذلك الفتى الذي سلّم عليها أثناء وقوفها مع "آية" في الكلية، كيف حصل على حسابها بتلك السرعة؟ وجدته قد أرسل لها: - ازيك يا "إسراء" عاملة ايه؟ و تليها: - أنا "مروان" زميلك في الكلية. بمجرد أن رأت تلك الرسائل حظرت الحساب، من يظنّ نفسه حقًّا؟ ثم إنّ هيئته و طريقة حديثه لا تبشران بخير أبدًا. أنهت كتابها و مزاجها متعكر، فلا شيء أسوء من إنهاء كتاب عشنا معه الكثير، بكينا و ضحكنا و صُدمنا و عشقنا، كيف سنكون بعد فراقه؟ وجدت إشعارًا آخرًا على هاتفها، كان طلب صداقة من "آية" تلك المرة، من أين يأتون بحسابها؟! هل يريد الجميع مصادقتها أم ماذا؟ فكرت قليلًا قبل أن تقبله، رغم أنها ترى "آية" مائعة و لا تروق لها، إلا أن لديها العديد من المميزات، هي جميلة، حجابها جميل، متدينة و ذكر الله لا يفتأ يترك لسانها، لو لم تكن هناك فائدة من التعرف عليها لن يكون هناك ضرر. قررت في البداية -عندما اكتشفت أن "آية" زميلتها- عدم الإحتكاك بها، أما الآن فهي لا تمانع التعرف عليها، لن تكونا صديقتين حميمتين على أية حال، فهما مختلفتان بشكل كبير. ∆∆∆∆∆∆∆∆∆ جلستا على الكرسيين بعدما أنهتا محاضرتهما، و قد اشترت "إسراء" فطيرتين لها و لـ"آية" التي باتت تتقبلها أكثر من قبل، فوجدتا "مروان" يدخل عليهما قائلًا متضاحكًا: - ايه يا جماعة متحسسونيش إنكم مش طايقيني، ولا واحدة فيكم قبلت الآد! ليه كده بس؟ قامت "آية" بصمت متأففة من ذاك الفتى المزعج الذي يلاحقهما، تلتها "إسراء" قائلةً بتشفي: - عيبك إنك مبتتعلمش من الدرس، مش أنا قولتلك قبل كده سلام يا مهزأ؟ يبقى سلام يا مهزأ متصدعناش. ثم انطلقت حيث غدت "آية" و هي تقول بإنزعاج: - الواد ده مستفز اوي بجد هيحل عن دماغنا امتى بقى. علقت "آية" بسخط: - اوي يعني، أنا مش فاهمة مين اداله الحق إنه يدخل يهزر معانا كده. تشعر "إسراء" بالذنب قليلًا أنها لم تكن تطيق "آية" من البداية، إنها خلوقة و جميلة، لمَ عليها أن تكون رقيقة بشكل مستفز لهذا الحد؟! قالت "آية" بوجه بشوش: - "إسراء" ينفع أقولك حاجة؟ ردت "إسراء" بإستغراب: - ماتقولي على طول في ايه؟ قالت "آية" بنبرة صوت محببة للقلب: - أنتِ جميلة اوي، شكل و شخصية على فكرة، يعني من أول يوم شفتك فيه في المكتبة و أنتِ بتتكلمي عن الكتب كده و وشك بيلمع، حسيت إن شخصيتك حلوة و حبيتك و حبيت طريقتك و دماغك قمر بجد، و فيكِ روح حلوة كده مش أي حد بياخذ باله منها. ابتهج وجه "إسراء" و سعدت بكلمات "آية" الطيبة التي تطرب الأذن فقالت و قد تجلّت سعادتها: - شكرًا يا ستي، بس بمناسبة ايه الكلام الحلو ده؟ - من غير مناسبة؛ حسيت إني مقولتلكيش فقلت لازم أقولك إني بحبك، مش في حديث لما رجل كان عند النبي ﷺ فمر عليهم رجل ثاني فالرجل الأول قال: يا رسول الله، إني لأحب هذا، فقال له النبي ﷺ: أأعلمتَه؟ قال: لا، قال: أعلِمْه. لا تتأثر "إسراء" بالكلام عادةً لكن كلمات "آية" كانت سحرية؛ دخلت قلبها بسهولة فقط لأنها خرجت منها بسيطة صادقة. قالت "إسراء" مغيرةً الموضوع و هي تشير إلى الفطيرة التي لم تمسها "آية": - كلي مبتاكليش ليه؟ تغيرت تعابير "آية" قليلًا و هي تقول: - شكرًا مش عايزة. قالت "إسراء" و قد علا صوتها بعض الشيء: - لا مهو أنا مينفعش أبقى وقفت في الطابور الطويل العريض ده كله عشان أجيبلنا و في الآخر يبقى مش عايزة، هتاكلي و مش بمزاجك على فكرة. قالت "آية" بإصرار: - و أنا مش عايزة، مش قادرة آكل. - لا بقولك ايه أنتِ مش هتعملي كيوتة عليّ و الله لأنتِ واكلة. ظل الأخذ و الرد بينهما و قتًا إلى أن عبست ملامح "آية" و انتفخت عينيها بوخز الدموع مما أثار تعجب "إسرء" فقالت: - في ايه يا "آية" مالك؟ اعترفت "آية" بما يدور داخلها بحزن ملأ قلبها: - مش عايزة آكل عشان لما أروح البيت ماما تقعد توصف في عيوبي و إني تخينة و عمالة آكل لحد ما هبقى فشلة، عشان كده بحاول ما آكلش؛ يمكن أخس و أعجب ماما. زُمَّتْ شفتا "إسراء" التي ظلّت تنظر لـ"آية" بدهشة و هي تستطرد بصوت متحشرج: - ناس كثير بتقولي إن شكلي حلو، بس ماما مش بتعلق غير على وزني، ياريتها كانت بتقول كده بيني و بينها حتى ديه كل ما يبقى عندنا تجمع عائلي أو مع ناس تقلب القعدة على وزني، في الأول قرايبنا كانوا بيستغربوا و يسكتوا، بس بعدما لاقوا إن ماما مابتبطلش بقوا يتريقوا زيها. شقت عبرة طريقها على وجهها و هي تقول بحسرة: - أكيد بيقولوا: ديه أمها نفسها بتهينها و بتتريق عليها يعني جت علينا؛ ماما رخصتني قدام الناس. نظرت لـ"إسراء" بحيرة و هي تسأل: - هو أنا فعلًا تُخني مخلي شكلي وحش و ما أتحبش؟ أجابت "إسراء" سريعًا بما أملاه عليها قلبها و عقلها: - أبدًا ده أنتِ زي القمر. قالت "آية" و قد شعرت بهرس فؤادها قطعة قطعة: - أنا مش عارفة أشوف كده، مش عارفة أشوف غير الي هي شايفاه. ثم أضافت بحزن عميق و جرح لا يُشفى؛ و هل تُشفى الجراح حين تكون من الأهل؟: - نفسي تفهم إني مبشوفش نفسي إلا من خلالها، إنها العدسة الي بشوف بيها نفسي و الدنيا. تنهدت "إسراء" ثم أتبعت تنهيدتها بقولها: - طول عمري أسمع إن القرد في عين أمه غزال، أول مرة أشوف الغزال الي في عين أمه قرد. قالت "إسراء" محاولةً التهوين عليها: - بس والله أنتِ قمر بجد، و حتى لو لا الشكل مش مهم، شخصيتك أجمل و أهم بكثير. صمتت للحظة ثم قالت لتغير الموضوع: - أنتِ عارفة أنا أول ما شوفتك و أنتِ بسكوتة كده قلت ايه البت المايعة ديه. قالت "آية" و هي تمسح دموعها و تشير إليها متعجبة: - أنا مايعة؟! - لا متستعبطيش يا "آية" أنتِ مايعة فعلًا. نظرت لها "آية" بحنق فتابعت "إسراء" بصدق: - بس مياعة حلوة، حاجة مكس رقي على ذوق على أخلاق، البنت كما يقول الكتاب يعني. هو أنا مبعرفش أقول كلام حلو بس أنا حبيت شخصيتك في مدة قصيرة الحقيقة بعدما كنت مش طيقاكِ و هموت و أديكِ بالجزمة؛ قدرتي في وقت قصير تخليني أتقبل أقعد معاكِ على ترابيزة واحدة. قالت "آية" ضاحكة: - شكرا اوي يا "إسراء" بس بلاش تقولي كلام حلو ثاني بجد. - سبنالك أنتِ الكلام. لم تكذب "إسراء" فيما قالته، لقد بدأت تلك الفتاة تأخذ حيزًا من قلبها. و غيرت القاعدة لديها إذ دخلت حياتها و جعلتها تحبها بسهولة و هي "إسراء" التي تبغض الإختلاط بالبشر. ثم قالت "إسراء" و هي تشير إليها بالفطيرة: - كلي يلا بقى متعصبينيش. و بالفعل بدأت "آية" تقطم قطعة من الفطيرة. كان موعد المحاضرة فقامتا إليها، جلستا هناك لمدة محاولاتان تفادي مضايقات "مروان"، خرجتا بعدما انتهت المحاضرة و مُحيت آثار الحزن من على وجه "آية" فنادتها "إسراء" ناطقةً اسمها، ردت عليها "آية" مستفسرةً فقالت إسراء: - مامتك تبدلت تعابير "آية" فأردفت "إسراء": - مش عايزة وشك يتقلب لما تسمعي سيرتها كده، اوعي تشيلي منها، سامحيها؛ ديه أمك الي جابتك للدنيا و ليها فيكِ أكثر ما ليكِ في نفسك، و مستعدة تعمل أي حاجة علشانك، حاولي تتكلمي معاها في حاجات ثانية و اعملي معاها ذكريات كثير؛ عشان لما تسيبك و تمشي تبقي فاكرالها الحلو، كلنا بنغلط و احنا فاكرين إننا ماشيين صح فمتقسيش عليها. أردفت بحزن تعمق في صدرها منذ أعوام و هي ترى "آية" المرتبكة: - صدقيني إن مامتك تمشي و أنتِ فاكراها و شفتيها ديه نعمة غيرك بيتمناها، غيرك يتمنى بس يلمح أمه في حلم. لم تدرِ "آية" أن الغير الذي يتمنى تلك النعمة هي "إسراء". هي لم ترَ والديها قط، لكنهما يبقيان حاضرين في ذهنها في كل مرة تستمع لـ"عمر" و هو يحكي عنهما، يخبرها كم أحباها، كيف كانا حين حملاها لأول مرة، و الكثير و الكثير من الأوصاف و القصص، حتى بقيا طيفًا يزوران أحلام يقظتها، تتخيل والدتها و هي تمسح على شعرها و تسرحه لها، تنتقي لها فستانًا جميلًا، تعانقها و تنام في حضنها، تخبرها كم تحبها. تتخيل أيضًا أباها، تتخيله يشتري لها هدية بمناسبة نجاحها، يأخذها من يدها كي يقضيا وقتًا ممتعًا بالخارج، يقبلها و يعانقها، و تتخيله يقف في وجه عمها، يحميها منه و يوبخه على أفعاله ثم يأخذها من هنا لتفيق من أوهامها على صوت شجار عمها و زوجته أو صوته و هو يضرب و يستصرخ أخاها الذي يكون قد منعها من الخروج من الغرفة للدفاع عنه كي لا تُصاب بأذى.... و تبقى الأحلام أحلام. ∆∆∆∆∆∆∆∆∆∆∆ خرج "علي" من عيادته ليقف تحت المبنى السكني الذي يسكن به منتظرًا شقيقته "عالية"، لأن والدته اتصلت به تطلب منه أن يصطحب أخته إلى مدرسة ولدها حيث طلبوا منها الحضور لإجتماع أولياء الأمور، ستحصر ثم تأخذ ابنيها و ترحل نزلت "عالية" ثم ركبت معه لينطلقا نحو المدرسة. وصلا إلى المدرسة فبقي "علي" بالخارج ينتظر خروج الطفلين في حين دخلت "عالية" للتحدث مع المعلمين، استطاع "علي" سماع حوار دار بين أم و ولدها باللغة الإنجليزية مع بعض الكلمات العربية التي تدخل في الوسط، كان الابن يحكي لوالدته عن يومه ثم تخبره أمه بأن عليه حل الواجب المنزلي عندما يصلان للبيت، تعجب "علي" من تحدثهما باللغة الانجليزية رغم أنهما ليسا في محاضرة أو حصة لتعلمها، ثوانٍ قليلة و خرج "مصطفى" و "منة" فوجدا "علي" يقف في الخارج، تبعتهما "عالية" سلم "علي" على الطفلين و هو يداعبهما، ثم أشار إلى الأم و طفلها سائلًا "عالية": - هو الواد "مصطفى" معاه عيل أجنبي في الفصل؟ نظرت "عالية" للولد ثم إلى "علي" و هي ترد مستغربة: - أجنبي ايه ده "سليم" مصري عادي. - يبقى أكيد أمه أجنبية؟ - لا خالص برضو، ليه يعني؟ سألها متعجبًا: - اومال بيتكلموا إنجليزي ليه؟ ضحكت "عالية" ضحكة قصيرة تبعها قولها: - لا هو في فئة من البشر عاملين كده عادي، عقلية غبية فاهمين إن لما يتكلموا إنجليزي يبقى هم كده متحضرين، و أي حاجة بالإنجليزي تبقى أكيد أحلى من بالعربي، الولد هينبسط أكثر في الـgarden مش في الجنينة أو الحديقة، الـwater أكيد صحية أكثر من المياه، الـsweets أكيد طعمها أحلى من الحلويات، و الدين حاجة مش مهمة في حياتنا، يعني حاجة على جنب كده، لحد ما طلعوا جيل لا فاهم في لغته ولا في دينه، و بقوا شوية ناس تافهة بتدور على حاجات يتمنظروا بيها على بعض و خلاص، أنا بعلم ابني الإنجلش اه لكن لغته لازم يبقى ليها دور في تكوينه و يفتخر بيها و ببلاغتها. إبتسمت بحنين و هي تضيف عن زوجها الذي لها معه في كل موضع ذكرى: - عارف، "محمد" دايمًا كان بيقولي كده، و إن اوعي تتكلمي معاهم إنجلش كثير فينسوا لغتهم، و كان مهتم يأسسهم في دينهم صح، لما معاد درس أو تمرين يدخلوا مع معاد حصة قرآن كان يقولي القرآن أهم الغي الباقي أي حاجة ثانية تتعوض، و كان بيحاول يدورلهم على مقاطع للتفسير تكون بسيطة لسنهم عشان ميبقوش بيحفظوا و خلاص، لحد ما بقوا مختلفين عن كثير من زمايلهم. ابتسم "علي" و هو ينظر لها بحنان ثم قال مشاكسًا: - لازم تدخلي سيرته في كل حاجة. ما كان جوابها إلا أن رددت كلمات "أبي نواس" التي تمكنت من الغوص داخلها و وصف حالتها: - إذا ما الشوق أقلقني إليه و لم أطمع بوصل من لديه خططّت مثاله في بطن كفّي و قلت لمقلتي فيضي عليه بعد دقائق كانوا يجلسون في سيارة الأجرة حين قال "مصطفى": - "آدم" صاحبي اتخانق معايا النهارده و قال إني غلطان و أنا مغلطتش. أتاه رد والدته: - ليه؟ احكيلي الي حصل أجاب الولد ببعض السخط على صديقه: - مفيش، هو كان واقف لوحده في الفسحة فقولت أخضه بهزر معاه يعني قام زعل مني و كبر الموضوع، و أنا معملتش حاجة أنا كنت بهزر. قالت أمه فاعلةً كما تفعل كل أم، تشير لأبنائها على الصواب، تعينهم و تفهمهم، ثم تطلقهم ليكونوا جاهزين على خوض الطريق: - بس الي أنت عملته غلط، مينفعش تخض صاحبك أو تخوفه لأن ده بيؤذيه، و كمان عشان الرسول صلى الله عليه وسلم قال: 'لا يحلُّ لمسلمٍ أن يروِّع مسلمًا'، و احنا دايمًا بنسمع كلام الرسول. رد "مصطفى" متململًا: - عليه الصلاة والسلام، بس أنا كنت بهزر مش قصدي حاجة، و هو محصلوش حاجة هو كويس. - حتى لو بتهزر مينفعش، في آداب للمزاح. - حتى ديه ليها آداب؟! أجابت "عالية" بحنو و هي تمسح على شعره: - طبعًا، كل حاجة في ديننا ليها آداب، آداب المزاح زي إنك متكذبش و متقللش من حد أو تتريق عليه عشان تهزر، ولا تخوف حد، ديننا جميل فزينلنا الأدب و الأخلاق و حُسن التعامل، عشان تكسب محبة الناس في الدنيا، و أجر كبير في الآخرة. قال "مصطفى" مقتنعًا: - خلاص بعد كده مش هخض حد ثاني. - و تروح تعتذر لصاحبك بكرة. - حاضر قالت "عالية" و هي تقبل رأس ولدها: - شاطر يا حبيبي ربنا يرضى عليك. أُعجب "علي" بذلك الحوار الذي دار بين شقيقته و ولدها، كان يعرف تلك المعلومات لكنه يعرفها قولًا فقط، أما عملًا فلم يعمل بها، شعر بالندم و قد أدرك ما فعله، يحفظ الكثير منّا الأحاديث و الآيات، لكن.... هل يعمل بها؟ ∆∆∆∆∆∆∆∆∆∆∆ كانت "هناء" و ابنتها "عالية" تتجهزان للذهاب لمنزل "مي" بينما ذهب "علي" و والده ليصليا صلاة المغرب في المسجد، انقضت الصلاة فعادا إلى المنزل ليصطحبا "هناء" و "عالية"، خرجت "هناء" من غرفتها فقال زوجها "كمال" مداعبًا متغزلًا: - أعمل ايه في الحلويات و السكر ده بقى؟ ضحكت "هناء" فقالت: - بس يا راجل يا بكاش، بقى أنا حلويات؟ - طبعًا اومال ايه. التفت لولده "علي" و أردف: - قل لها حاجة. قال "علي" غامزًا: - حلويات طبعًا مش "أم علي"؟ قهقه الجميع على جملته أثناء نزولهم إلى السيارة. وصلوا للبيت أخيرًا، ثم دخلوا بعد ترحاب من العائلتين، بعد دقائق كان الجميع يجلس على مائدة الطعام و قلب "علي" يخفق و عينه ترجوه للنظر إليها و عقله لا يتوقف عن تخيل الأمر التي تريده فيه "مي"، مر الوقت حتى صارا يقفان مع بعضهما، و "مي" تفتش عن شيء لتقوله، زاد "علي" من توترها حين سأل: - كنتي عايزاني في ايه بقى؟ حاولت تكوين جملة مفيدة فكانت النتيجة أن قالت بلسان ثقيل متلعثمة: - كنت عايزاك في..... ككنت عايزة أقولك يعني...... كنت عايزاك في موضوع مهم. - ايه هو؟ أدركت أنها لن تستطيع الكذب و لن تجني منه شيئًا فقالت: - بصراحة أنا معنديش حاجة أقولها، أنا كلمتك عشان حسيت إننا مبنشوفش بعض تقريبًا فقولت لازم نقعد مع بعض. خجلت أن تعترف بأن والدتها هي من أجبرتها على إجراء تلك المكالمة فقالت ما قالته مما جعل السعادة تنتشر بشكل هيستيري في جسده و اتسعت إبتسامته حتى كادت تصل إلى أذنيه، هي تفكر به أيضًا إذًا! اطمأن بجوابها ذاك كثيرًا فقد ساورته الشكوك بأنها مُجبرةٌ على هذه الخطبة، قال: - تصدقي إن ده أحلى من أي موضوع تعوزيني فيه. ثم أضاف مازحًا: - إلا بقى لو طلبتي نخش على كتب الكتاب على طول. انقبض قلبها من مجرد أمر عقد القران، مازالت لا تتقبل فكرة أنها ستتزوج، تحاول تجنب التفكير في هذا الأمر، إنه ليس بيدها على أي حال، فظلت- في لحظات الصمت التي تحتل حوارهما- تتفكر في شخصية "علي"، يبدو مرحًا لطيفًا، كيف يستطيع البقاء مبهجًا هكذا؟ تذكرت ما قالته والدتها عنه: - هو غير إنه شاب محترم و بيتقي ربنا و بيحبك و عينيه فاضحاه، سحنته كده فيها حاجة مريحة، متفهميش ديه عينيه الي محلياه ولا إبتسامته اللذيذة كده ولا نظرته الي تحسيه أغلب الوقت فرحان، حاجة كده تتحس متتشرحش، واد يملأ العين و القلب كده بس أنتِ شكلك هتضيعيه بهبلك. سألته فجأة: - هو أنت ازاي مريح كده؟ سأل و هو يرمش بعينيه مستغربًا: - مريح ازاي يعني؟ أحابت تفسر له: - يعني الي يبص في وشك يحس إنه مرتاحلك كده و يحس بالدفا. رد و قد ندّت منه ضحكة قصيرة: - معرفش أنتِ شيفاني بطانية ولا ايه بس وشي مش أنا الي متحكم فيه، ربنا الي خلقني، و لو شايفة حاجة حلوة في وشي يبقى الحمدلله نعمة منه. - طب هو أنت بتبقى على طول فرحان و مبتسم كده ولا ديه تهيؤات مني؟ - محدش بيبقى فرحان طول الوقت أكيد مهما كانت حياته حلوة لازم يتضايق ساعات و لو بقدر بسيط، بس إن أغلب وقتك يبقى فرحة ديه حاجة في ايد الإنسان نفسه مش حد ثاني، بإنه يبص على النعم مش النقم، و يحقق الرضا مش السعادة؛ لأن السعادة شعور لحظي أما الرضا فهي الحاجة الي هتستمر مع الإنسان حتى لو مفيش سبب للسعادة، أنا الحمدلله حياتي فيها نعم كثير اوي تخليني فرحان. استطرد "علي" ضاحكًا: - و بعدين ما طبيعي تشوفيني فرحان مش ببقى معاكِ؟ ∆∆∆∆∆∆∆∆∆∆ نزل "عمر" من وسيلة المواصلات التي ركبها و قد أصبح يفصله شارعان يعبرهما فقط ثم يصل إلى تلك الشقة مجددًا، يبدو ساكنًا من الخارج و بداخله امواج عاتية تكاد تُغرق كل شيء، و ذهنه يردد: هل بعد الفراق يا أمي لقاء؟ و قبل أن يخطو خطوته الأولى رآه.... إنه عمه "إسماعيل"! ركض نحو الشارع بسرعة دون أن ينتبه للسيارة تعدو نحوه بشكل مُفزع، استطاع في آخر لحظة و قبل أن يطير جسده ليسقط على الرصيف بسبب إرتطامه بالسيارة رؤية عيني قائدها الذي ينظر له بتحدي. ∆∆∆∆∆∆∆∆∆∆∆

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

هل بعد الفراق يا أمي لقاء؟

المؤلف آيـة حـسـيـن
2024/06/29 مستمرة
قائمة الفصول (23)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة