لص

لص

14 0

في السابعة صباحًا كانت "إيناس" تباشر عملها بالمستشفى، لكنها و قبل أن ترحل لم تنسَ أن تمرَّ على الممرضة "فرحة"، ودّت أن تعرف أي شيء عن "عمر"، الممرض صاحب الطلب الغريب، و علمت أن "فرحة" هي من ستفيدها، ذهبت إليها و سألتها: - بقولك يا "فرحة"، كان في ممرض معانا هنا شاب و اسمه "عمر"، ماتعرفيش عنه أي حاجة؟ سألتها "فرحة" التي كان وجهها دائريًا جميلًا يوحي باسمها: - "عمر عبد الرحمن" ولا "عمر عبد الوهاب"؟ - مش فاكرة، "عمر" الي كان واخد أجازة أول ما جيت. - اه يبقى ده "عمر عبدالوهاب"، ده طول عمره ساكت ماحدش بيسمع له حس. ثم أردفت: - عايش لوحده هو أخته، عشان أهله متوفيين من و هو صغير، بيقولوا إنه أخته عملت حادثة عشان كده أخد أجازة مفتوحة عشان يقعد معاها، بس لأجل الأمانة أنا مش متأكدة، اديني بقولك اهو عشان ماتقوليش إني ماعنديش دقة في معلوماتي. تبسمت "إيناس" ضاحكةً من جملتها الأخيرة ثم قالت: - ماشي يا "فرحة" تسلمي، كان نفسي أقول لك زي كل مرة، إنك تخليكِ في حالك و تركزي في شغلك أحسن لك بس للأسف أنا استفدت منك. قالت "فرحة" ممازحة: - عشان تعرفي قيمتي بس يا دكتورة. انصرفت "إيناس" بعدما ازدادت رغبتها في قبول طلب "عمر"، ربما كانت نيته خيرًا بالفعل لكنه احتاج منها و من ابنة عمّتها المساعدة. دخلت بيتها و تحدثت إلى "أروى" فحسمتا قرارهما. ∆∆∆∆∆∆∆∆∆ قضى "علي" ليلته يفكر بتلك القنبلة المفاجئة التي تفجرت ليلة أمس، و قد قرر الذهاب لإخبار "عمر" أولًا لكنه لم يجِب على هاتفه طوال الليل ولا في الصباح. صباحًا ذهب لمكان عمله حيث كان ملتصقًا بمحلِّ البقالة الذي لقيهما فيه، حاول الاتصال بـ"عمر" لكنه لا يجيب. لم يكن هناك أحدٌ بالمستوصف، و الملل ينهشه، و قد ملّ كذلك من الاتصال بـ"عمر" الذي لا يجيب. قفزت إلى باله كلمات الأغنية التي غنّاها "عبدالرحمن محمد" فجأةً: « بروحي فتاةٌ بالعفاف تجمّلت و في خدّها حبٌّ كن المسك قد نبت و قد ضاع عقلي و قد ضاع رشدي مذ أقبلت و لمّا طلبتُ الوصل منها تمّنعت» لم يبتسم كالسابق، لم يدندنها، بل تذكر سذاجته، كان يحبُّ تلك الأغنية، كان يغنّيها في السابق حين أحبّ "مي"، غنّاها و هو يبتسم و يتخيلها كثيرًا، و يشعر لو أنّ المقطع كُتِب من أجلها، و من أجله كذلك، لقد ضاع عقله فعلًا و لم يعلم أنها لم تحببه يومًا. مازالت الأغنية كما هي، و لكنه لم يعُد كما هو. و بينما هو شاردٌ في ذكرياته التي تقهره، لمحه من الزجاج الخاصّ بالمستوصف، مرّ من الطريق ثم دخل مبنىً سكنيًا قريبًا، استنتج أنه حيث يسكنا، أو ربما بيتٌ لصديقٍ أو قريب، لكن الاحتمال الأول بدا أقرب، وإلا لم يكن تواجدهما في البقالة أمس. تمرُّ علينا بعض اللحظات يسيطر علينا الغباء، كان "علي" في تلك اللحظات، لقد نوى أن يخبر "عمر" أولًا، لكنه أراد الذهاب إليهما الآن و بشدة، لم يقرر أن يخبرهما بشيء، لكنه أراد لقاءهما. رغبةً ملحةً غريبةً كانت، كان جانبٌ من نفسه يخبره أنه أراد أن يتعرف على أهل "عمر"، اللذَين سمع عنهما الكثير، أراد التعرف على أصحاب الأثر المميز على صديقه، و جانبٌ آخر يكذِّب هذا الكلام و يقول أنه ذهب فقط ليتثبّت من مكانهما كي لا يبيع الوهم لـ"عمر" دون معرفة عن موقعهما. سأل حارس العمارة عن "إبراهيم"، فقال الرجل بحنق: - هو كل شوية حد يسأل عليه، هي بقت شغلانة ولا ايه؟ ما قلنا في الدور الخامس ده ايه الهم ده. استغرب "علي" لكنه تجاهل حديثه إلا ثلاث كلمات: «في الدور الخامس»، فصعد و هو يرتب الحديث داخل عقله. تبين الشقة التي كان بابها مفتوحًا، طرق الباب برفق فلم يجب أحد، طرق مجددًا فلم يجب أحد. انتابه القلق، يمكن أن يوجد أحدٌ يعاني بالداخل أزاح الباب بهدوءٍ فدخل بتؤدة موِّجهًا عينيه للأرض. شقةٌ بسيطة، أجمل ما فيها هو عدم ازدحامها بالأثاث، إذ وُجدت بها مساحات فارغة جعلتها تبدو أكبر من مثيلاتها. حدّق بالسجادة على الأرض و تاه بين زخرفاتها، خطوطٌ رفيعة و متداخلة حاول أن يجد لها بدايةً و نهاية، لكنه فشل. تنهد لكن الهواء حُبِس داخله من الفزع حين سمع: - أنت دخلت هنا ازاي؟! و بتعمل ايه هنا؟! برة بسرعة يا حرامي. ردّ "علي" مذعورًا: - لا حرامي ايه بس، أنا مش حرامي و الله. - اومال داخل هنا تتشمس؟! - لا أنا قعدت أخبط على الباب كثير جدًا ماحدش فتح، لقيت الباب مفتوح قلت أدخل ليكون في مشكلة ولا حاجة. - هبلة أنا عشان أصدق المسرحية الخايبة بتاعتك ديه. ثم تناولت هاتفها في حين قالت متوعدة: - أنا هتصل لك بجوزي دلوقتي يعرفك تمامك. لحظة، ألم يرَه يدخل البيت منذ دقائق؟ كيف هو ليس هنا؟ سأل مستغربًا بعفوية: - هو مش المفروض هنا أصلًا؟ أنا شفته داخل. قالت السيدة "هدى" غاضبة: - أنت بتراقبنا بقى! عمومًا هو نسي حاجة و رجع ياخدها و مشي ثاني، ثم استطردت بسخرية: - ابقى راقب بضمير بعد كده. اتصلت بزوجها، و قد جاء بعد قليل إذ لم يكن ابتعد كثيرًا عن البيت، قال "علي" مكررًا: - و الله أنا مش حرامي يا طنط، أنا كنت بخبط محدش فتح. شهقت "هدى" و هي تستنكر قائلة: - طنط مين؟! بقى أنا عيل في طولك يقول لي يا طنط! قال مستنكرًا: - هو أنتِ مش لسة قايلة امبارح ابني لو كان عاش كان بقى شبهك؟! قالت "هدى" مظهرةً الاشمئزاز: - ابني أنا يبقى شبهك أنت يا حرامي يا لص. خرج "علي" من البيت بعد الكثير من التوبيخ و الاستجواب من "إبراهيم" و "هدى"، و هو يلوم نفسه على ذهابه، لم يخبرهما كذلك لكنه ألقى حجةً للقائهما فتُرك يذهب بعدما تذكر "إبراهيم" أنه نسي الباب مفتوحًا. قال لنفسه متذمرًا: - قال عيل في طولك قال، ده أنتِ ابنك فاضل له اثنين سنتي و يكسر السقف. ∆∆∆∆∆∆∆∆∆ في السابعة صباحًا كانت "إيناس" تباشر عملها بالمستشفى، لكنها و قبل أن ترحل لم تنسَ أن تمرَّ على الممرضة "فرحة"، ودّت أن تعرف أي شيء عن "عمر"، الممرض صاحب الطلب الغريب، و علمت أن "فرحة" هي من ستفيدها، ذهبت إليها و سألتها: - بقولك يا "فرحة"، كان في ممرض معانا هنا شاب و اسمه "عمر"، ماتعرفيش عنه أي حاجة؟ سألتها "فرحة" التي كان وجهها دائريًا جميلًا يوحي باسمها: - "عمر عبد الرحمن" ولا "عمر عبد الوهاب"؟ - مش فاكرة، "عمر" الي كان واخد أجازة أول ما جيت. - اه يبقى ده "عمر عبدالوهاب"، ده طول عمره ساكت ماحدش بيسمع له حس. ثم أردفت: - عايش لوحده هو أخته، عشان أهله متوفيين من و هو صغير، بيقولوا إنه أخته عملت حادثة عشان كده أخد أجازة مفتوحة عشان يقعد معاها، بس لأجل الأمانة أنا مش متأكدة، اديني بقولك اهو عشان ماتقوليش إني ماعنديش دقة في معلوماتي. تبسمت "إيناس" ضاحكةً من جملتها الأخيرة ثم قالت: - ماشي يا "فرحة" تسلمي، كان نفسي أقول لك زي كل مرة، إنك تخليكِ في حالك و تركزي في شغلك أحسن لك بس للأسف أنا استفدت منك. قالت "فرحة" ممازحة: - عشان تعرفي قيمتي بس يا دكتورة. انصرفت "إيناس" بعدما ازدادت رغبتها في قبول طلب "عمر"، ربما كانت نيته خيرًا بالفعل لكنه احتاج منها و من ابنة عمّتها المساعدة. دخلت بيتها و تحدثت إلى "أروى" فحسمتا قرارهما. ∆∆∆∆∆∆∆∆∆ قضى "علي" ليلته يفكر بتلك القنبلة المفاجئة التي تفجرت ليلة أمس، و قد قرر الذهاب لإخبار "عمر" أولًا لكنه لم يجِب على هاتفه طوال الليل ولا في الصباح. صباحًا ذهب لمكان عمله حيث كان ملتصقًا بمحلِّ البقالة الذي لقيهما فيه، حاول الاتصال بـ"عمر" لكنه لا يجيب. لم يكن هناك أحدٌ بالمستوصف، و الملل ينهشه، و قد ملّ كذلك من الاتصال بـ"عمر" الذي لا يجيب. قفزت إلى باله كلمات الأغنية التي غنّاها "عبدالرحمن محمد" فجأةً: « بروحي فتاةٌ بالعفاف تجمّلت و في خدّها حبٌّ كن المسك قد نبت و قد ضاع عقلي و قد ضاع رشدي مذ أقبلت و لمّا طلبتُ الوصل منها تمّنعت» لم يبتسم كالسابق، لم يدندنها، بل تذكر سذاجته، كان يحبُّ تلك الأغنية، كان يغنّيها في السابق حين أحبّ "مي"، غنّاها و هو يبتسم و يتخيلها كثيرًا، و يشعر لو أنّ المقطع كُتِب من أجلها، و من أجله كذلك، لقد ضاع عقله فعلًا و لم يعلم أنها لم تحببه يومًا. مازالت الأغنية كما هي، و لكنه لم يعُد كما هو. و بينما هو شاردٌ في ذكرياته التي تقهره، لمحه من الزجاج الخاصّ بالمستوصف، مرّ من الطريق ثم دخل مبنىً سكنيًا قريبًا، استنتج أنه حيث يسكنا، أو ربما بيتٌ لصديقٍ أو قريب، لكن الاحتمال الأول بدا أقرب، وإلا لم يكن تواجدهما في البقالة أمس. تمرُّ علينا بعض اللحظات يسيطر علينا الغباء، كان "علي" في تلك اللحظات، لقد نوى أن يخبر "عمر" أولًا، لكنه أراد الذهاب إليهما الآن و بشدة، لم يقرر أن يخبرهما بشيء، لكنه أراد لقاءهما. رغبةً ملحةً غريبةً كانت، كان جانبٌ من نفسه يخبره أنه أراد أن يتعرف على أهل "عمر"، اللذَين سمع عنهما الكثير، أراد التعرف على أصحاب الأثر المميز على صديقه، و جانبٌ آخر يكذِّب هذا الكلام و يقول أنه ذهب فقط ليتثبّت من مكانهما كي لا يبيع الوهم لـ"عمر" دون معرفة عن موقعهما. سأل حارس العمارة عن "إبراهيم"، فقال الرجل بحنق: - هو كل شوية حد يسأل عليه، هي بقت شغلانة ولا ايه؟ ما قلنا في الدور الخامس ده ايه الهم ده. استغرب "علي" لكنه تجاهل حديثه إلا ثلاث كلمات: «في الدور الخامس»، فصعد و هو يرتب الحديث داخل عقله. تبين الشقة التي كان بابها مفتوحًا، طرق الباب برفق فلم يجب أحد، طرق مجددًا فلم يجب أحد. انتابه القلق، يمكن أن يوجد أحدٌ يعاني بالداخل أزاح الباب بهدوءٍ فدخل بتؤدة موِّجهًا عينيه للأرض. شقةٌ بسيطة، أجمل ما فيها هو عدم ازدحامها بالأثاث، إذ وُجدت بها مساحات فارغة جعلتها تبدو أكبر من مثيلاتها. حدّق بالسجادة على الأرض و تاه بين زخرفاتها، خطوطٌ رفيعة و متداخلة حاول أن يجد لها بدايةً و نهاية، لكنه فشل. تنهد لكن الهواء حُبِس داخله من الفزع حين سمع: - أنت دخلت هنا ازاي؟! و بتعمل ايه هنا؟! برة بسرعة يا حرامي. ردّ "علي" مذعورًا: - لا حرامي ايه بس، أنا مش حرامي و الله. - اومال داخل هنا تتشمس؟! - لا أنا قعدت أخبط على الباب كثير جدًا ماحدش فتح، لقيت الباب مفتوح قلت أدخل ليكون في مشكلة ولا حاجة. - هبلة أنا عشان أصدق المسرحية الخايبة بتاعتك ديه. ثم تناولت هاتفها في حين قالت متوعدة: - أنا هتصل لك بجوزي دلوقتي يعرفك تمامك. لحظة، ألم يرَه يدخل البيت منذ دقائق؟ كيف هو ليس هنا؟ سأل مستغربًا بعفوية: - هو مش المفروض هنا أصلًا؟ أنا شفته داخل. قالت السيدة "هدى" غاضبة: - أنت بتراقبنا بقى! عمومًا هو نسي حاجة و رجع ياخدها و مشي ثاني، ثم استطردت بسخرية: - ابقى راقب بضمير بعد كده. اتصلت بزوجها، و قد جاء بعد قليل إذ لم يكن ابتعد كثيرًا عن البيت، قال "علي" مكررًا: - و الله أنا مش حرامي يا طنط، أنا كنت بخبط محدش فتح. شهقت "هدى" و هي تستنكر قائلة: - طنط مين؟! بقى أنا عيل في طولك يقول لي يا طنط! قال مستنكرًا: - هو أنتِ مش لسة قايلة امبارح ابني لو كان عاش كان بقى شبهك؟! قالت "هدى" مظهرةً الاشمئزاز: - ابني أنا يبقى شبهك أنت يا حرامي يا لص. خرج "علي" من البيت بعد الكثير من التوبيخ و الاستجواب من "إبراهيم" و "هدى"، و هو يلوم نفسه على ذهابه، لم يخبرهما كذلك لكنه ألقى حجةً للقائهما فتُرك يذهب بعدما تذكر "إبراهيم" أنه نسي الباب مفتوحًا. قال لنفسه متذمرًا: - قال عيل في طولك قال، ده أنتِ ابنك فاضل له اثنين سنتي و يكسر السقف. ∆∆∆∆∆∆∆∆∆ كانت "أروى" تدندن كلمات أغنية تحبها و هي جالسة على الأريكة تشرب الشاب قبل أن تجلس "مديحة" زوجة خالها بجانبها و هي تقول باسمة: - رايقة أنتِ عالصبح يا "أروى". قالت "أروى" بصدقٍ و قد شقت وجهها الابتسامة: - وحشتيني يا "مديحة" بقالنا كثير ما قعدناش مع بعض. قالت "مديحة" مستنكرة: - وحشتك ده ايه بقى، مش أنتِ رايحة جاية مع "إيناس" و نسيتني خلاص. - و هو حد يقدر ينساكِ ده أنتِ سكرة العيلة. أطلقت "مديحة" ضحكةً ثم قالت: - اضحكي عليّ بكلمتين. أكملت "مديحة" الأغنية التي كانت تدندنها "أروى" فغنّتا سويًا مع الابتسامات المحبة. كانت "أروى" تحب زوجة خالها بشدة، التي عطفت عليها مثل أبنائها. دخلت عليهما "جنة" فجلست بجانب "أروى" و قالت على استحياء و هي تمسك بيد "أروى": - صوتك حلو اوي يا أروى اللهم بارك. قالت "أروى" بنبرةٍ جافّة خلت تمامًا من أي عاطفة: - ماشي. قبل أن تقوم داخلةً غرفتها. نزبت عبرةٌ من عين "جنة" ثم ارتمت في حضن والدتها "مديحة" قبل أن تجهش ببكاءٍ خفيف. قالت "مديحة" متحسرة و هي تحتضت ابنتها: - سامحيني يا حبيبتي أنا آسفة، أنا الي عملت فيكم كده، أنا الي ظلمتك و ظلمتها. ربتت "جنة" على كتف أمّها التي قالت بندمٍ عظُم قدره: - أنا الي عملت كده من الأول أنا الي غلطانة. ∆∆∆∆∆∆∆∆∆

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

هل بعد الفراق يا أمي لقاء؟

المؤلف آيـة حـسـيـن
2024/06/29 مستمرة
قائمة الفصول (23)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة