رفع الشرطي رأسه عن دفتره، وبقي يراقب ماتيو لثوانٍ طويلة.
لم تكن نظراته حادة، لكنها كانت نظرات رجل اعتاد أن يميز بين الحقيقة والكذب.
قال بهدوء:
— لا تتذكر شيئًا آخر؟
هز ماتيو رأسه ببطء.
— لا...
دوّن الشرطي إجابته، ثم قلب صفحة جديدة.
— حسنًا... هل تتذكر إلى أين كنت ذاهبًا قبل أن تختفي؟
ظل ماتيو صامتًا للحظة، وكأنه يبحث فعلًا داخل ذاكرته.
ثم أجاب:
— كنت أتمشى فقط ... كنت.... كنت غضبا ذالك اليوم من الناس.
— هل كان معك أحد؟
—لا.
— هل رأيت أي شخص في الغابة؟
رفع ماتيو عينيه إليه، ثم أنزلهما مجددًا.
— لا أذكر.
أخذ الشرطي نفسًا عميقًا.
كانت معظم الإجابات متشابهة، لكن نبرة الطفل لم تكن نبرة شخص يحاول اختلاق الأكاذيب، بل بدت أقرب إلى شخص يرفض الاقتراب من ذكرى تؤلمه.
تدخل الشرطي الثاني للمرة الأولى.
— هل تتذكر من وجدك؟
أجاب ماتيو مباشرة:
— لا.
— وهل تتذكر كيف وصلت إلى المستشفى؟
— لا.
ساد الصمت داخل الغرفة.
أغلق الشرطي دفتره للحظة، ثم نظر إلى الطبيب.
— هل هذه الحالة طبيعية؟
اقترب الطبيب من السرير، وألقى نظرة سريعة على ماتيو قبل أن يجيب:
— بعد الصدمة التي تعرض لها، وارتجاج الرأس الذي أصابه، فمن الطبيعي أن تكون بعض الذكريات مشوشة أو غير مكتملة. لا يمكننا الجزم إن كان فقدان الذاكرة مؤقتًا أو دائمًا، وسيحتاج إلى الراحة قبل أي استنتاج.
هز الشرطي رأسه بتفهم، لكنه لم يبدُ مقتنعًا تمامًا.
عاد ببصره إلى ماتيو.
— إن تذكرت أي شيء لاحقًا، مهما بدا صغيرًا أو غير مهم، فعليك أن تخبرنا فورًا.
أومأ ماتيو بهدوء.
— سأفعل.
كانت كلماته قصيرة، لكن قلبه كان يخفق بقوة.
لم يكن يحب الكذب.
ومع ذلك، شعر أن ما رآه لا يمكن أن يصدقه أحد، وحتى لو صدقه أحد، فإنه لن يعرض والدته للخطر بسبب تلك الحقيقة المجهولة.
أعاد الشرطي قلمه إلى جيبه، ثم نهض من مكانه.
— حسنًا... سنكتفي بهذا القدر اليوم.
التفت إلى سندرا.
— يمكنكِ البقاء معه لبضع دقائق إضافية، لكن لا ترهقيه بالكلام.
ابتسمت سندرا ابتسامة امتنان.
— شكرًا لكم.
خرج الشرطيان يتبعهما الطبيب، ثم أُغلق الباب بهدوء.
وبمجرد أن اختفوا من الغرفة، عاد الصمت ليسيطر على المكان.
تنهد ماتيو ببطء، وكأنه كان يحبس أنفاسه طوال فترة الاستجواب.
لاحظت سندرا ذلك، فجلست على الكرسي القريب من سريره، ثم أمسكت يده بين كفيها.
قالت بلطف:
— كنت شجاعًا.
ابتسم ابتسامة صغيرة، لكنها لم تصل إلى عينيه.
كان شاردًا.
شاردًا في تلك الأصوات...
وفي ذلك المكان الذي بدا وكأنه لا ينتمي إلى هذا العالم.
شعرت سندرا بأنه يريد أن يقول شيئًا، لكنها لم تضغط عليه.
اكتفت بمسح خصلات شعره برفق، ثم قالت:
— عندما تصبح أقوى... سنتحدث بهدوء. لا داعي لأن تحمل كل هذا وحدك.
نظر إليها ماتيو طويلًا.
ولأول مرة منذ استيقاظه، شعر بشيء من الطمأنينة.
أغمض عينيه ببطء، بينما بقيت يداه ممسكتين بيدها، وكأنه يخشى أن يستيقظ مرة أخرى فلا يجدها بجانبه.
لكنه فتحهما عندما تذكر اسما غريبا.
_ امي...
نظرت سندرا اليه.
_نعم.. هل تحتاج شيء.
_ هل تعلمين من..... هو.
تردد بالحديث لكنه اكمل.
_ جون يار.
امالت سندرا برأسها،
_ لا. لا اعرفه
هدأت ملامح ماتيو ويبدو انه اخيرا استسلم لنوم.
Yara yara alaa yara