لم تمضِ سوى لحظات قليلة حتى دوّى طرقٌ عنيف على باب منزل جان.
التفت كلٌّ من سندرا وجان نحو الباب في الوقت نفسه، قبل أن ينهض جان مسرعًا ويفتحه بلهفة واضحة. وما إن فتح الباب حتى أمسك الرجل بكتفه وقال بصوتٍ متوتر:
— وصلتنا أخبار جديدة. عثرنا على رجل يحمل طفلًا في الجزء الجنوبي من القرية، وكان يبحث عن مكان آمن يتركه فيه.
تبادلت سندرا وجان نظرات مرتبكة، ثم اندفعا نحو السيارة دون أن ينطقا بكلمة واحدة.
في تلك الأثناء، كان ماتيو موجودًا بالفعل في جنوب القرية برفقة ذلك الرجل الغامض.
كان جسده الصغير مغطى بالكدمات، وملابسه متسخة بالغبار، بينما ظل فاقدًا للوعي.
سلّمه الرجل، الذي تنكر في هيئة تاجر أنيق المظهر، إلى رجال الشرطة بثباتٍ أثار الشكوك.
اقترب أحد الضباط منه وسأله:
— ماذا حدث لهذا الطفل؟
تنحنح الرجل قليلًا، ثم قال ببرودٍ محسوب:
— أعتقد أن تجار البحر اختطفوه. إنهم من أخطر العصابات، وكثير منهم يتاجرون بالأعضاء البشرية. لاحظت الطفل معهم، وعندما أدركوا أنني اكتشفت أمرهم، فروا بطريقة غير مباشرة. وبما أنهم مروا من هذه المنطقة سابقًا، ظننت أن الطفل قد يكون من هنا.
كانت كذبة متقنة، رواها بثقة جعلت الجميع يصدقها دون تردد.
أخذ المسعفون ماتيو إلى أقرب عيادة لتلقي العلاج اللازم، وبينما انشغل الأطباء بفحصه وتنظيف جروحه، حاول بعض الرجال العثور على ذلك التاجر لاستكمال التحقيق معه.
لكنهم اكتشفوا أنه اختفى.
وكأنه لم يكن موجودًا أصلًا.
في الطريق إلى العيادة، جلست سندرا بجوار جان داخل السيارة بصمتٍ ثقيل.
لم تركب معه منذ أن كانت في السادسة عشرة من عمرها، منذ الأيام الأولى لزواجهما، حين كانت لا تزال مراهقة أُجبرت على تحمل مسؤوليات أكبر من عمرها.
كانت يداها ترتجفان.
لم تكن تعرف أي خوفٍ كان ينهشها أكثر.
هل ستجد ماتيو حقًا؟
أم ستكتشف أن الطفل ليس هو؟
أم أنه سيكون هو... لكن في حالة لا تحتمل؟
في الوقت نفسه، كان ماتيو لا يزال فاقدًا للوعي.
ورغم ذلك، كان يسمع الأصوات من حوله، ويشعر بحركة الأيدي التي تلمس جروحه.
وقبل أن يغرق تمامًا في الظلام، تذكر الكلمات الأخيرة التي همس بها ذلك الرجل الغامض:
— عندما تستيقظ ويسألونك عما حدث... قل إنك نسيت.
احفظ كلمة واحدة فقط...
نسيت.
وبعد وقت بدا وكأنه دهر كامل، وصلت سيارة جان وسندرا إلى العيادة.
وجدت سندرا رجال الشرطة متجمعين عند المدخل.
أصبحت أنفاسها متقطعة، فاقترب جان منها وأمسك بيدها محاولًا تهدئتها.
قال بصوتٍ منخفض:
— سيكون هو... وسيكون بخير.
لم تهتم كثيرًا لكلماته، فقد جاءت من الشخص الأخير الذي توقعت أن يواسيها.
ومع ذلك، هدأت قليلًا.
اقترب منهما أحد الضباط وسأل:
— هل أستطيع مساعدتكما؟
خرج صوت سندرا مرتجفًا:
— ابني...
لكن جان قاطعها بسرعة:
— سمعنا أنكم وجدتم طفلًا هنا. لقد فقدنا طفلًا منذ ثلاثة أيام.
نظر الضابط إليهما للحظات، ثم قال ببرود:
— لا... أنتما لا تشبهانه إطلاقًا.
شعرت سندرا وكأن الكلمات تحولت إلى شوكٍ عالق في حلقها.
ابتلعت ألمها وقالت:
— أعلم ذلك... لقد تبنيناه عندما كان رضيعًا.
أخرجت الأوراق الرسمية وصورة لماتيو وسلمتها للضابط.
تأمل الصورة مليًا، ثم تذكر ملامح الطفل الذي رآه قبل قليل.
كان التوتر واضحًا على وجهي سندرا وجان.
وأخيرًا قال:
— نعم... إنه هو.
تنفست سندرا بصعوبة، قبل أن تنهال أسئلتها دفعة واحدة:
— كيف حاله؟ أين هو الآن؟ أريد رؤيته... أرجوك، أريد فقط أن أطمئن عليه.
نظر إليها الضابط بنظرة جامدة وقال:
— تعلمين أن قانون التبني ينص على أنه إذا تعرض الطفل للأذى وهو لا يزال قاصرًا، فقد تُسحب الوصاية من العائلة المتبنية.
تجمدت ملامح سندرا.
حبست دموعها بصعوبة وشعرت بأن الأرض تميد تحت قدميها.
اكمل الضابط.
_ لذا لا يمكنني ادخالك ختى يتم النظر في القضيه.
أما جان، فقد شحب وجهه هو الآخر.
هل يعني هذا أنها ستفقد ماتيو إلى الأبد... حتى بعد أن عثرت عليه؟
أكمل الضابط ببرود:
— لذلك لا أنصحكِ بإظهار نفسك كثيرًا الآن حتى لا تتفاقم الأمور. علينا أولًا أن نوقظ الطفل، ثم نحقق في أمر العصابة التي ادعت أنها من تجار البحر.
استدار بعدها وغادر دون أن ينتظر ردًا.
حاولت سندرا إيقافه، لكنه دفعها بعيدًا.
عندها اشتعل الغضب في عيني جان.
صرخ فيه:
— لم يكن عليك أن تفعل ذلك! إنها سيدة وليست رجلًا!
لكن الضابط تجاهله تمامًا.
ابتعد جان وسندرا عن المكان.
محاولا تفادي المشاكل خصوصا مع الشرطى كي يظمن انه يستطيع التدخل المره القادمه عندما يكون الوقت مناسبا.
كانت سندرا منهارة.
همست بصوتٍ مكسور:
— لقد خسرته... خسرته حقًا... لن أراه مرة أخرى.
في تلك اللحظة، أخرج جان هاتفه واتصل برقمٍ يعرفه جيدًا.
كان الرقم يعود إلى شرطي يعمل في الجهة الشمالية من القرية.
وبعد تبادل التحية، قال جان بصوتٍ جاد:
— أحتاج مساعدتك في أمر مهم.
استمع الشرطي باهتمام، بينما سرد له جان كل ما حدث منذ اختفاء ماتيو وحتى العثور عليه.
وحين انتهى، سأله الشرطي بدهشة:
— هل تريدني أن أتحدث مع الضابط المسؤول حتى يسمح لكما بأخذ الطفل؟
تنهد جان وقال:
— على الأقل دعنا نطمئن عليه. ساعدني هذه المرة فقط. لقد كنت دائمًا إلى جانبك عندما احتجت إليّ.
صمت الشرطي للحظات قبل أن يرد:
— أنت تعرف أن هذا قد يُعد مخالفة للقانون.
أجاب جان بحزم:
— سأتحمل المسؤولية كاملة. فقط ساعدني.
كانت سندرا تراقبه بصمتٍ ودهشة.
للمرة الأولى منذ سنوات، رأت جان يحاول المستحيل من أجلها ومن أجل ماتيو.
كان يعلم جيدًا أنه يعرّض نفسه للمساءلة إذا اكتشف أحد محاولته التأثير على مجرى التحقيق.
ومع ذلك...
لم يتردد.
Yara yara alaa yara