مرت الساعات ببطءٍ شديد، حتى تحولت الدقائق إلى عبءٍ ثقيل على قلب سندرا.
في البداية اعتقد الجميع أن ماتيو سيعود بعد أن يهدأ قليلاً، لكن مع مرور الوقت، بدأ القلق يتسلل إلى النفوس.
ساعة...
ثم ساعتان...
ثم أربع ساعات كاملة دون أي أثر له.
انتشرت مجموعات البحث في أنحاء القرية، بين الأزقة الضيقة والحقول المحيطة والغابة القريبة من النهر.
كانت سندرا تركض من مكان إلى آخر بعينين متورمتين من البكاء، تنادي باسمه حتى بحّ صوتها.
وفي لحظة ضعفٍ لم تعد قادرة على تحملها، توقفت وسط الحشد وانفجرت بالبكاء.
صرخت بصوتٍ مرتجف:
"لم يكن عليكم قول ذلك!"
تساقطت دموعها وهي تكمل بصعوبة:
"لقد كان يريد حمايتي فقط!"
ساد الصمت للحظات.
رفعت سندرا رأسها ونظرت إلى الوجوه المحيطة بها.
وجوه تحمل الشفقة.
وأخرى تحمل اللوم.
أما بعضها، فلم يخفِ الكراهية التي كانت موجه الي ابنها.
مسحت دموعها بارتباك وقالت:
"كل هذا بسبب كيروس..."
تبادل الناس النظرات فيما بينهم.
أكملت بصوتٍ منكسر:
"ربما ترونه شخصاً طيباً، وربما هو كذلك معكم، لكننا لسنا على وفاق."
وفي تلك اللحظة، كان كيروس يقف غير بعيد عنها، يستمع إلى كلماتها بهدوء.
اقترب ببطء، ثم قال بنبرةٍ هادئة جعلت الجميع ينصتون إليه:
"لقد كنت على خلاف مع والدته أمامه كثيراً."
تنهد وأكمل:
"ربما أشعل ذلك في قلبه غضباً تجاهي."
نظر إلى الأرض لثوانٍ قبل أن يتابع:
"في النهاية... ليس لديه في هذه الحياة سوى والدته. لا يوجد شخص آخر يعتمد عليه سواها."
بدأت بعض الوجوه تلين.
همس البعض بتعاطف:
"إنه مجرد طفل."
"ربما كان خائفاً عليها."
لكن آخرين لم يقتنعوا.
ظل الحقد ظاهراً في نظراتهم.
وظلوا يرونه خطراً يجب الحذر منه.
ومع ذلك، استمر الجميع في البحث.
لا من أجل ماتيو وحده.
بل من أجل سندرا أيضاً.
او من اجل ذالك الرجل الذي وجد فرصه ليظهر لسكان القريه كم هو حنون ليستطيع استدراجهم اكثر.
حتى بدأت الشمس تختفي خلف الأفق، وابتلع الظلام آخر خيوط الضوء.
---
في تلك الأثناء، فتح ماتيو عينيه ببطء.
رمش عدة مرات وهو يحاول استيعاب ما حوله.
كانت السماء قد تحولت إلى لونٍ أزرق داكن، وتلألأت النجوم فوقه.
اعتدل في جلسته بسرعة.
اتسعت عيناه بدهشة.
"هل نمت كل هذا الوقت؟"
نهض مرتبكاً ونفض التراب عن ملابسه.
ثم بدأ يسير عائداً نحو الطريق الذي جاء منه.
لكن ما إن اقترب من أطراف الغابة حتى توقف فجأة.
كان هناك حشد كبير من الناس يحملون الكشافات.
أصوات متداخلة.
وجوه غاضبة.
آخرون يحاولون تهدئتهم.
سمع بعض الكلمات تتردد وسط الظلام.
"ذلك الفتى سبب كل هذه المشاكل!"
"أمه تبكي منذ ساعات!"
"يكفي، إنه مجرد طفل."
"طفل؟ إنه خطر!"
تراجع ماتيو خطوة إلى الخلف.
ثم أخرى.
شعر بأنفاسه تثقل.
لم يستطع التقدم.
لم يرد العودة.
لم يرد رؤية تلك النظرات مجدداً.
استدار بسرعة وركض مبتعداً.
ركض حتى وصل إلى ضفة النهر الكبير.
توقف أخيراً وهو يلهث.
وقف أمام المياه المظلمة وحدق نحو الضفة الأخرى.
الضفة التي نسجت حولها الحكايات والخرافات.
ساد الصمت.
ولم يبقَ سوى صوت المياه الجارية والرياح الباردة التي هبت برفق، محركةً شعره البرتقالي.
عندها شعر بذلك الإحساس المألوف.
الإحساس الذي يسبقه دائماً ذلك الصوت الغامض.
ثم سمعه بوضوح.
"أتريد أن ترى ذلك المكان؟"
رفع ماتيو رأسه بسرعة نحو مصدر الصوت.
وهناك...
وقف شخص طويل القامة.
بدا غريباً بشكلٍ يصعب وصفه.
شعره الفضي الطويل انسدل فوق كتفيه.
وعيناه البنفسجيتان المتوهجتان .
كان يرتدي رداءً أسود طويلاً يغطي جسده بالكامل.
نظر إليه ماتيو بصمت.
ونظر الرجل إليه بالنظرة نفسها.
مرت لحظات طويلة قبل أن يستوعب ماتيو ما يراه.
هذا الشخص...
من الضفة الأخرى.
ابتلع ريقه بصعوبة، ثم سأل:
"إذاً... أنت من الضفة الأخرى؟"
أجاب الرجل بهدوء:
"لا."
عقد ماتيو حاجبيه.
"إذاً... هل أنت إنسان؟"
أجاب الرجل دون تردد:
"لا."
تسارعت نبضات قلب ماتيو.
ثم قال بحذر:
"يبدو أنك وجدت فريسة جديدة."
رفع الرجل عينيه نحوه.
كانت نظراته مخيفة، لكنها لم تحمل أي عدائية.
وقال بصوتٍ هادئ:
"لو كنت أنوي قتلك، لفعلت ذلك منذ أن كنت في بطن والدتك."
تجمد ماتيو في مكانه.
تابع الرجل:
"أو لما علمتك كيف تسمع أصوات العالم الآخر."
صمت قليلاً.
"ولما ساعدتك في أشياء كثيرة."
نظر إليه ماتيو بدهشة.
"إذاً... ما هدفك تجاهي؟"
سكت الرجل للحظات.
ثم سأله:
"أتريد حقاً معرفة الجواب؟"
هز ماتيو رأسه ببطء.
أجاب الرجل:
"ليس لدي هدف."
رفع نظره نحو النهر.
"ولا أريد منك شيئاً."
ثم أضاف بصوتٍ خافت:
"لكنك تبدو في حالةٍ صعبة... لذا ساعدتك."
ساد الصمت بينهما.
وبعد لحظات، سأل ماتيو:
"إذاً... أنت لست شريراً؟"
ابتسم الرجل بسخرية خفيفة.
وقال:
"هل تعرف من هو جون يار؟"
هز ماتيو رأسه نافياً.
"لا."
زادت الابتسامة البارده في وجه الرجل.
وقال:
"أظن أن هذا أفضل لك."
ثم تحرك.
لم يسمع ماتيو خطواته.
وكأنه انزلق وسط الظلام.
رفع الرجل غطاء الرداء فوق رأسه استعداداً للمغادرة.
لكن ماتيو لم يرد تركه.
ركض خلفه.
"انتظر!"
توقف الرجل.
وعندما نظر إلى الأسفل، وجد ماتيو متشبثاً بطرف ردائه.
سأله ببرود:
"هل تريد شيئاً؟"
تردد ماتيو قليلاً.
ثم قال بصوتٍ خافت:
"نعم."
رفع رأسه ونظر إليه بعينين متعبتين.
"خذني معك... ولو قليلاً."
ابتلع غصته.
"أريد الابتعاد عن هذا المكان."
ظل الرجل ينظر إليه للحظات طويلة.
بنفس النظرة الهادئة الخالية من المشاعر.
ثم هز رأسه موافقاً.
شعر ماتيو بسعادة غريبة تسللت إلى قلبه.
وتساءل في داخله:
"لماذا أشعر هكذا؟"
"هل لأنني قابلت أخيراً الشخص الذي كان يتحدث إليّ كلما حدث شيء غريب؟"
قطع الرجل أفكاره قائلاً:
"اخلع حذاءك."
نظر إليه ماتيو باستغراب.
"ماذا؟"
قال الرجل بهدوء:
"حذاؤك متسخ بالطين."
دون أن يفهم السبب، انحنى ماتيو وخلع حذاءه.
وما إن ألقاه جانباً حتى سقط في النهر، وجرفه التيار بعيداً.
التفت إلى الرجل بسرعة.
فوجده يمد يده نحوه.
كانت يده شاحبة بشكلٍ غريب.
بيضاء إلى درجة بدت معها شبه شفافة تحت ضوء القمر.
لم تكن شفافة حقاً.
لكنها بدت كذلك.
قال الرجل بصوتٍ هادئ:
"أغمض عينيك."
تردد ماتيو للحظة.
ثم رفع يده ببطء.
وقال الرجل:
"وضع يدك في يدي.
Yara yara alaa yara