مع حلول وقت الظهيرة، كان ألبرت وبيث يشقان طريقهما عائدين إلى منزلهما، والطفل بين ذراعيهما. لم يمر دخولهما إلى القرية دون أن يلفت الأنظار؛ فقد تبعتهما نظرات الجيران المندهشة أينما ذهبا.
كيف ظهر هذا الطفل فجأة؟
لم يلحظ أحد قط أن بيث كانت حاملًا، بل إن الفكرة بدت مستحيلة بالنسبة لهم.
لم تمضِ سوى لحظات حتى أسرعت إحدى النساء نحو بيث، ثم وضعت يدها برفق على كتفها وقالت بفضول واضح:
"ما هذا؟ لم أتوقع أبدًا أن تنجبي للمرة الرابعة يا بيث."
رفعت بيث رأسها نحوها وأجابت بهدوء:
"هذا الطفل ليس ابني."
وجد ألبرت في السؤال فرصة مناسبة لنشر الخبر قبل أن تنتشر الشائعات، فأوضح بإيجاز أنهما تبنّيا الطفل لانه قد تم التخلي عليه وبدافع الطيبه اخذاه معهمامعهما. تعمّد أن يكتفي برؤوس أقلام، متجنبًا ذكر المكان الذي عثرا عليه فيه أو الكلمات الغامضة التي أخبرتهما بها روجينا.
عندها تدخلت امرأة أخرى كانت تستمع إلى الحديث وقالت:
"في الواقع، هناك رجل في وسط القرية يبحث منذ مدة عن طفل ليتبناه."
تبادل ألبرت وبيث النظرات.
في تلك اللحظة شعرت بيث بانقباض غريب في صدرها. كان شعورًا غير مألوف، وكأن قلبها يرفض مجرد فكرة الابتعاد عن الطفل. لم يمضِ سوى ساعات قليلة على لقائه، لكنها لم تعد تتخيل أن يغيب عن ناظريها.
أما ألبرت فقد أصغى باهتمام.
وبدافع فطري لم تستطع مقاومته، سألت بيث:
"ومن تكون هذه العائلة؟ ولماذا يريدون طفلًا بالتحديد؟"
تنهدت المرأة قبل أن تبدأ بسرد القصة.
كان الرجل يُدعى جان. قبل سنوات طويلة تزوج فتاة صغيرة السن تدعى سندرا في زواج تقليدي رتبه كبار العائلتين. كانت سندرا جميلة الملامح بشعرها الأشقر وعينيها الخضراوين الزيتونيتين، إلا أن جسدها النحيل وضعف بنيتها جعلاها تبدو أصغر من عمرها الحقيقي بسنوات.
ورغم مرور الأعوام، لم تُرزق بأطفال.
لم تكن عقيمًا، لكن الحمل لم يثبت لها يومًا.
ومع مرور الوقت بدأ صبر جان ينفد، فتزوج امرأة أخرى من أبناء القرية نفسها. والمفارقة أن زوجته الثانية أنجبت له أربعة أطفال خلال سنوات قليلة.
ورغم ذلك لم يكره جان زوجته الأولى قط، بل ظل يحاول إسعادها وتعويضها عن حزنها المستمر. لكن الوضع داخل المنزل لم يكن مستقرًا؛ إذ كانت الزوجة الثانية شديدة التملك، حتى إنها لم تكن تسمح لسندرا بالاقتراب من أطفالها أو لمسهم.
كلما أنهت المرأة جزءًا من القصة، ازداد شعور ألبرت بعدم الارتياح.
فكرة أن ينشأ هذا الطفل وسط تلك العلاقات المعقدة بدت له خطيرة.
أطلق زفيرًا هادئًا، ثم نظر إلى الطفل.
وفي اللحظة نفسها، رفع الطفل رأسه نحوه.
التقت عيناهما.
لسبب لا يستطيع تفسيره، شعر ألبرت وكأن ذلك الوجه الصغير يخاطبه دون كلمات، وكأن الطفل يقول له إن مصير حياته كلها يقف الآن بين يديه، وأن القرار الذي سيتخذه اليوم سيحدد الطريق الذي سيسلكه مستقبلًا.
وفي غضون ساعات قليلة، انتشر الخبر في أرجاء القرية.
طفل جميل بصورة تكاد تكون ملائكية، معروض للتبني بعد أن تخلت عنه عائلة مجهولة قيل إنها جاءت من أراضٍ بعيدة.
بل من "الجنة" نفسها، كما بدأ البعض يهمس.
كانت تلك مجرد شائعة، لكنها انتشرت كالنار في الهشيم.
فبالنسبة لسكان القرية، لم تكن أرض آرڨوون مجرد منطقة أخرى على الخريطة.
قبل عقود طويلة، اندلعت حرب هائلة بين عدة أراضٍ متجاورة، وانتهت بانتصار أرض واحدة فقط. ومع مرور الزمن تمدد نفوذها حتى أصبحت أعظم الأراضي وأكثرها اتساعًا، وحملت اسم آرڨوون.
ومنذ ذلك الحين، صار مجرد دخولها حلمًا بعيد المنال بالنسبة لعامة الناس.
أما سكان هذه القرية النائية، الذين نشأت قريتهم أصلًا على أطراف الأراضي المنسية بعد تلك الحرب القديمة، فقد نظروا إلى آرڨوون باعتبارها مكانًا أسطوريًا لا يطأه إلا المحظوظون أو أصحاب المكانة الرفيعة.
ولهذا لم يجرؤ أحد منهم على الادعاء بأنه أعلى شأنًا من شخص قادم من هناك.
بل على العكس...
كلما ازدادت الأساطير حول تلك الأرض، ازداد إيمانهم بأنها أقرب إلى عالم الأحلام منها إلى الواقع.
Yara yara alaa yara