كانت الشمس تميل ببطء نحو الأفق، ناشرةً خيوطها الذهبية بين أشجار الغابة الكثيفة. سار مجموعة من الصيادين بمحاذاة النهر بعد يومٍ طويل من العمل، تتدلى طرائدهم من على ظهورهم بينما تعلو وجوههم علامات التعب والرضا.
قال أحدهم ضاحكًا:
"أخيرًا سنعود إلى منازلنا."
لكن ابتسامته اختفت عندما توقف فجأة وبدأ يفتش بين أمتعته.
"أين خنجري؟!"
تبادل الرجال النظرات، ثم بدأوا يبحثون معه بين الأعشاب والصخور القريبة. مرت الدقائق ثقيلة، وسرعان ما ابتلعت الشمس آخر خيوط نورها، لتغرق الغابة في ظلام المساء.
هبّت الرياح الباردة بين الأشجار، فاهتزت الأغصان وأخذت الأوراق تعزف لحنًا غريبًا وسط السكون. وبينما كان الصيادون يستعدون للتخلي عن البحث، اخترق آذانهم صوتٌ مجهول قادم من الضفة الأخرى للنهر.
تجمد الجميع في أماكنهم.
تكرر الصوت مرةً أخرى، خافتًا لكنه واضح بما يكفي لإثارة الفضول.
تقدم أحد الصيادين خطوة إلى الأمام وهو يحدق في الظلام.
"هل سمعتم ذلك؟"
أومأ الآخرون بصمت.
ومدفوعين بالفضول، أسرعوا جميعًا نحو الضفة الأخرى، غير مدركين أن ذلك الصوت سيقودهم إلى اكتشافٍ سايصدمهم
...... فكلما اقتربوا من مصدره ازداد وضوحًا وارتفاعًا، حتى بدا كأنه أنينٌ يتردد بين الأشجار بفعل الصدى. لكنه لم يحمل ألمًا أو خوفًا، بل شيئًا غريبًا لم يستطيعوا تفسيره.
فجأة اشتدت الرياح، وانطلقت بين الأشجار كأنها تصرخ محذرةً إياهم. تمايلت الأغصان بعنف، وتساقطت الأوراق من حولهم كأن الغابة نفسها تحاول منعهم من التقدم.
تبادل الصيادون نظراتٍ قلقة.
فهذه الغابة لم تكن عادية في نظر أهل القرية. لطالما تناقلت الألسن قصصًا عن أرواحٍ تسكنها، وعن أصواتٍ غامضة تضلل كل من يقترب منها ليلًا.
لكن فضولهم كان أقوى من خوفهم.
وما هي إلا لحظات حتى تغير ذلك الأنين إلى بكاء رضيعٍ واضح وقوي.
تجمد الجميع في أماكنهم.
"رضيع؟! في هذا المكان؟" تمتم أحدهم بعدم تصديق.
بينما تراجع بعضهم خطوة إلى الخلف، تقدم أحد الصيادين بثبات نحو مصدر الصوت. وفجأة انشق ضوء القمر بين الغيوم وانعكس فوق صندوقٍ متوسط الحجم استقر بين الأعشاب قرب النهر.
أسرع البقية خلفه.
وعندما اقتربوا وأزاحوا الغطاء، انحبست أنفاسهم.
كان هناك طفل رضيع حقًا.
طفل ببشرةٍ بيضاء ناعمة كشعاع القمر، وشعرٍ برتقالي فاتح بدا كأنه خيوط نارٍ صغيرة تنبض بالحياة. لكن أكثر ما أثار دهشتهم كانت عيناه... عينان واسعتان غارقتان بالدموع الزرقاء اللامعة، بلونٍ نيليٍ فاتح لم يروا مثله من قبل.
ساد الصمت.
"أهذا... ملاك؟" همس أحدهم.
"لا يوجد بشر يملكون عينين كهاتين..." قال آخر بصوت مرتجف.
ظل الرجال يحدقون فيه، عاجزين عن فهم ما يرونه. كان الطفل يبدو غريبًا على نحوٍ يفوق الوصف، وكأنه لا ينتمي إلى هذا العالم.
لكن أفكارهم انقطعت فجأة عندما ارتفع بكاء الرضيع من جديد.
كان جائعًا.
ورغم كل ما أثاره من خوفٍ وتساؤلات، لم يكن أمامهم الآن سوى طفلٍ صغير يرتجف وحيدًا وسط ظلام الغابة.
تبادل الصيادون النظرات في صمتٍ ثقيل، وكأن كل واحدٍ منهم ينتظر من الآخر أن يتخذ القرار نيابةً عنه. كان الطفل لا يزال يبكي بين الحين والآخر، بينما كانت عيناه النيليتان اللامعتان تراقبان الوجوه المحيطة به.
وأخيرًا تنحنح أحد الرجال وتقدم خطوة إلى الأمام.
كان يُدعى "ألبرت".
قال بصوتٍ حازم:
"لا أرى حلًا آخر. سنأخذه إلى القرية الليلة، وغدًا صباحًا سنعرض أمره على روجينا."
هزّ الرجال رؤوسهم موافقين.
فروجينا لم تكن امرأةً عادية. كانت عجوزًا عرفت بحكمتها الواسعة ومعرفتها العميقة بالقصص القديمة وأسرار العالم الآخر. وإذا كان هناك من يستطيع فهم حقيقة هذا الطفل، فهي بلا شك روجينا.
اقترب ألبرت من الصندوق وحمل الطفل بين ذراعيه بحذر. وما إن استقر الصغير بين يديه حتى خف بكاؤه قليلًا، وكأنه شعر بالأمان لأول مرة.
عاد الصيادون إلى القرية تحت ضوء القمر، بينما كانت الرياح تعوي خلفهم بين أشجار الغابة كأنها تراقب رحيلهم.
---
عندما فتح ألبرت باب منزله، أسرعت زوجته لاستقباله، لكنها توقفت فجأة عندما رأت الطفل.
اتسعت عيناها دهشةً.
"ألبرت... من أين أتيت بهذا الطفل؟!"
وضع ألبرت الصندوق جانبًا، ثم قصّ عليها ما حدث منذ سماعهم الصوت الغريب وحتى العثور عليه قرب النهر.
استمعت المرأة بصمت، بينما كانت نظراتها تتنقل بين زوجها والرضيع.
رغم الخوف الذي تسلل إلى قلبها بسبب أصل الطفل المجهول ومجيئه من الضفة الأخرى، إلا أن بكاءه الضعيف أيقظ فيها مشاعر الأمومة.
تنهدت أخيرًا ومدّت ذراعيها نحوه.
"أعطني إياه."
حملته برفق، ثم أسرعت لتحضر له الطعام. وبعد ذلك غسلته ونظفت شعره البرتقالي الغريب، وألبسته بعض الملابس الصغيرة التي احتفظت بها منذ سنوات.
ومع مرور الوقت هدأ الطفل تدريجيًا، حتى أغمض عينيه واستسلم للنوم.
وقف ألبرت وزوجته يتأملانه للحظات.
كان يبدو بريئًا للغاية...
بريئًا أكثر مما ينبغي بالنسبة لطفلٍ عُثر عليه وحيدًا في أكثر بقاع الغابة رهبةً.
ومع تلك الأفكار الثقيلة، انقضت ساعات الليل الواحدة تلو الأخرى.
حتى بدأت خيوط الفجر الأولى تتسلل عبر النافذة.
وأخيرًا أشرقت شمس يومٍ جديد... يومٍ سيحمل معه إجاباتٍ لم يكن أحد منهم مستعدًا لسماعها.
.........
Yara yara alaa yara