|مودة ورحمة |

|مودة ورحمة |

7 0

---

وضعت مريم يدها على خدّها باستياء، وهي تتهيّأ لسماع إحدى محاضرات زوجها أحمد التي لا تنتهي. فما إن تشارك رأيها في أمرٍ ما حتى يصُدّها، ويشرع في تصحيحها، مُبيّنًا لها خطأها، لتقتنع في النهاية على مضض. وكان ذلك أكثر ما يزعجها؛ لماذا هو دائمًا على صواب، وهي دائمًا على خطأ؟

رمقها أحمد بنظرة جانبية، كأنما يأمرها أن تعتدل في جلستها. فمهما أبدت من نفورٍ تجاه حديثه، فهو لن يتوقف، ولن يكفّ عن تقويم أفكارها. عدّلت جلستها صامتة، تتابع محاضرته المعتادة والتي تدور اليوم عن المودّة والرحمة بين الزوجين، فعندما  أخبرها عن موعد زفاف صديقه عبد الحق.

سألته فجأة:

ــ هل كان يحبّها؟

— لا، أمه هي من عرّفته عليها.

ارتسمت على وجهها ملامح اشمئزاز، وقالت بنبرة لا تخلو من السخرية:

— زواج تقليدي!

اتّسعت عينا أحمد دهشةً من تعليقها، وسألها بنبرة متحفّظة:

— ما مغزى كلامك؟

وأمال رأسه قليلًا، ينتظر توضيحًا.

— باختصار شديد، أنا ضد فكرة الزواج التقليدي، وأراه فاشلًا. أؤمن بالزواج عن حب، وأراه أنجح بكثير. هذه وجهة نظري.

— هممم… ومن أكّد لكِ ذلك؟

— تريد أمثلة؟ انظر إلى زواجنا!

عقد حاجبيه وهو يفكّر. كان في كلامها شيء من المنطق، لكن زواجهما لم يكن تقليديًا تمامًا، بل كان غريبًا منذ بدايته. انسحب تفكيره إلى فكرة الحب، وتذكّر أنه كان يومًا عاشقًا؛ تراءى له طيف تلك التي أحبّها، والتي رفضته. تجاوزها مع الوقت، مقتنعًا بأن المودّة والرحمة بين الزوجين أسمى من الحب، لكنها لا تعلم ذلك.

ثم تسلّل إلى ذهنه سؤال أربكه: هل يُعقل أن مريم كانت تحبّ شخصًا ولم تُكتب لهما الحياة معًا؟ أقلقته الفكرة، بل أخافته… خاصة إن كانت لا تزال تحبّه.

طال صمته على غير عادته، فظنّت أنها انتصرت عليه، وغمرها شعور خفي بالنشوة. قالت بنبرة منتصرة، متجاوزة حدودها:

— لماذا سكتّ؟ أليس هذا دليلًا على أنني على حق؟ أعلم أن كلامي لم يعجبك، فالحب يخالف عاداتكم وتقاليدكم وحتى دينكم!

— لا… لا، قالها وهو يضيّق عينيه. ثم أضاف بنبرة حازمة:

— اسمعي يا مريم، هل سمعتِ يومًا بالمودّة والرحمة؟

قالها وهو يميل بجسده نحوها قليلًا، صوته هذه المرّة لم يكن وعظيًّا كما اعتادت، بل هادئًا… أقرب إلى التعب.

سحبت يدها من على خدّها، وزفرت زفرة قصيرة.

ــ طبعًا، ــ وهي كذبت لم تسمع بها من قبل ــ

لكن دائمًا تُقال لتبرير غياب الحب.

ابتسم ابتسامة خفيفة، لا هي سخرية ولا انتصار.

ــ لا، تُقال لتفسير الاستمرار.

الحب يا مريم شرارة، يشتعل، يضيء، ثم… إن لم يجد ما يحميه انطفأ.

أما المودّة والرحمة فهما نار هادئة، لا تحرق، لكنها تدفئ طويلًا.

قاطعته بنبرة حادّة:

ــ كلام جميل يصلح للخطَب فقط. الواقع شيء آخر.

سكت لحظة، وكأنّه يزن الكلمات قبل أن يطلقها، ثم قال:

ــ الواقع؟

أن الحب وحده لا يبني بيتًا، ولا يصبر على المرض، ولا يتحمّل الفقر، ولا يغفر الزلات.

تعلمتُ أن المودّة والرحمة أثقل وزنًا من ألف «أحبك».

صمتت.

هذه المرّة لم يكن صمت انتصار بل تعجب من كلامه .

رفع بصره إليها أخيرًا، وقال بنبرة خفيفة لكن صادقة:

ــ وزواجنا… ليس فاشلًا كما تظنين.

هو فقط لم يُمنح فرصة أن يكون أكثر دفئًا، لأننا نتعامل معه كمعركة آراء لا كشراكة.

ثم ساد بينهما صمت مختلف، صمت لا يشبه الهزيمة ولا الانتصار…

بل يشبه بداية فهمٍ متأخر،

بداية مودةٍ ورحمةٍ بينهما .

.

.

.

.

في إحدى زوايا منزلٍ واسعٍ وفخم، يفوح منه عبق الثراء والهيبة، والمشيَّد في أحد أزقة مدينة ليون الفرنسية، كان والد مريم يقف مطلًّا من الشرفة، شارد الذهن، غارقًا في أفكاره المتشابكة.

كانت حالته الصحية تتدهور تدريجيًا، كما أكّد له الطبيب، لكنه لم يكن يخشى ذلك؛ فقد رآه علامة على اقتراب أجله، لا سيما بعد أن التزم بعبادته، وداوم على طلب التوبة والمغفرة من ربه.

ما كان يحيره حقًا ويؤرق ضميره هو أمر ابنته.

كان يعلم أن مريم ستكون في أمانٍ مع أحمد، لكن السؤال الذي أرهقه:

هل سيكون أحمد في أمانٍ معها؟

ماذا لو اكتشفت أمها الحقيقة؟

حقيقة أنها لم تسافر لإكمال دراستها خارج فرنسا كما أُخبرت، بل زُفّت سرًا إلى زوجٍ لم تختره بإرادتها الكاملة. حينها ستلحق بها دون شك، وستفسد كل شيء. والأسوأ من ذلك أن مريم قد تنصاع لها، فهي أصلًا كانت مترددة بشأن هذا الزواج.

أليس ما فعله حرامًا؟

لقد أجبر ابنته على زواجٍ لم تكن راغبة فيه، وفي الوقت نفسه خدع أحمد المسكين.

ماذا سيفعل إن اكتشف الحقيقة؟

سيكرهه… لا شك في ذلك.

كان تأنيب الضمير ينهش قلبه بلا رحمة، حتى شعر بالألم يتغلغل في صدره. عندها فقط أدرك أنه لا مفر من مواجهة خطئه، وبدأ يفكر بجدية في إيجاد حلٍّ يُصلح به ما أفسده قبل فوات الأوان.

.

.

.

رأيكم يهمني أعزائي..❤️

لا تنسو التصويت..☆

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

رواية|سُبُلُ ٱلسَّلَامِ

المؤلف سديم 'ے
2025/02/25 مكتملة
قائمة الفصول (14)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة