بعْـد ثلـَاثة أيـــَام :
[الساعة السادسة والنصف |صباحا _فرنسا بالتحديد مطار شارل ديغول ]
كانت الشمس قد بدأت تبسط خيوطها الأولى حين وقف الأب وابنته في ركنٍ من مطار "شارل ديغول"
الحقائب مصطفّة بجانبهم ، والناس يمرّون من حولهما بعجلةٍ، بينما بدا كل شيء بالنسبة لمريم وكأنه يتحرك ببطء مأساوي.
إرتجفت أصابعها وهي تمسك جواز سفرها، وكأنّها لا تُمسك ورقةً رسمية بل حُكمًا مؤبّدًا. نظرت إلى أبيها الجالس بقربها في قاعة الانتظار،رفعت بصرها إليه ، فوجدت وجهه ساكنًا ومطمئنًا، بملامح حازمة واثقة، بدا كأنه واثق جدًا مما يفعله فلـَا يبدو عليه التردد ،
كان عيناه معلقتانٍ على شاشة مواعيد الرحلـَات، كأنه يحمل يقينًا راسخًا لا بتزعزع أنه القرار الـَأنسب لم يكن يهمها هذا فهي عموما وافقت على الزواجِ برضا لا تعلم من أين جاءَ ؛ الـَأمر الـمحَير هو أنه لـَايبدو عليه التوجسُ من خطورة مرضهِ ولـَا مرعوبا بحقيقة إقترابِ أجله عكسها هي فقد كانت كعصفورِ صغير مرتجف سقط من جحرهِ .
كـُل ذرةٍ في كيانها كانت تهتز كطائرٍ برئ حُشر في قفصٍ ضيّق تنتظر حدوث معجزة تنقذه من مرضه ، تدرك أنها لن تحدث !
حين نُودي على رحلتهم،نهضَ بخطوات ثابتة، وتبعتهُ و سارت خلفه بخطوات مترددة، كل خطوة كانت كأنها تجبرها على المضي ، الرحيلُ كان صعبا وشاقا عليها .
لـَأنها تمسحُ كل ما يخص عالمها القديم وتفسح المجال لعالمها الجديد المجهولِ إنسابت دمعة على خدها تبعتها أخرى ،
إستدارت للخلف و توفقت لوهلة كأنها تودع المدينة التي نشأت وترعرت فيها ؛ والآن هي تغادرها فجأة دون سابق إنذار لم تخبر أحد بهذا القرار ولا حتى صديقتها المقربة وهذا بناءا على رغبة أبِيها فهن في نظرهِ غير صالحاتِ .
صعدت في الطائرة وجلست قرب النافذة، والدها بجانبها والفرحة بادية على محياه ويبدو أنه افرط فيها حتى صار يوزع الابتسامات على المارة و الركاب بجانبه سواء على الذين يعرفهم معرفة سطحية أو لـَا يعرفهم وإن كان أغلب الجزائريين هنا يرَوْن فرحته بديهية لأنه سيعود لبلده مسقط رأسه و لأنهم يدركون ألم الغربة ، فإن إبنته على عكسهم كانت تراه معتوهًا بعض الشيء.
تجاهلته و ألصقت جبينها بالزجاج البارد، مَاقِتًا تلك الفرحة التي يشعر بها 'أناني هو دائما هكذا' هكذا كانت تصفه في نفسها لماذا هو سعيد بينما يرى علامات العبوس بادية على ملامحهها بسبب خوفها عليه؟
كيف يمكن أن متلسطا إلى هذه الدرجة ويجبرها على السفر إلى مكان لا تشعر فيه بأي إنتماء و الزواج برجل لا تعرف عنه شيئًا لما لم يحضرهُ إلى هنا ليتزوجها ويعيش معنا؟!
نفضت هذه الأفكار من رأسها لا تريد التفكير أكثر لأنه لن يغير من الأمر شيء بل يزيده سواء خاصة بعدما إزدادت آلام رأسها والغصة المتشكلة حلقها التي أتعبها جدا وأمامها طريق طويل و تأنيب الضمير الذي كان يدقُ دماغها لأنها تنمرت عليهِ داخلها و هو فقط يبحث عن أمانها ؛ فهي بدأت تشعر برهبةِ من فكرة رحيل والدها وبقاؤها وحيدة مع امِ ومجتمعِ قاسي لن يرحم ضعفها .
تجاهلت هذا لتريح نفسها قليلـَا وراحت تطل من النافذة ، الطائرة تبتعد، وباريس تصغر شيئًا فشيئًا تحتها.كانت تحدق في كل هذا. كمحاولة منها الاستماع بمشاهدة المناظر و تجربة ركوب الطائرة لأول مرة لعلها تنجح في إقناع نفسها أن هذا مجرد سفر،
لكنها لم تنجح لأنه لم يكن سفرًا كان اقتلاعًا من أرضها الحبيبة كما تتصورها إلى أخرى، و من حياتها الطبيعية المشتتة إلى مصيرٍ مجهول مخيف !
وبدأت الآن معركة صامتة تدور في قلبها بين خوف من القادم، كموتِ والدها ، وغُصّة لبرود أمها التي تركتها وحيدة في هذا المنعطف الحاسم .
أما والدها، فقد أغلق عينيه مطمئنًا، كأنه يستريح بعد عناء طويل، كأنما هذا القرار بشأن تربية وصونِ إبنته بعد موتهِ و الذي شغل فكره لسنوات، وجد أخيرًا طريقه إلى الحل!
---
[الساعة العاشرة| صباحا _الجزائر ولاية بِسكرة ]
في بيت عائلة أحمد :
كان صباحُ مشرقًا لطيفًا و نسيمه المنعش يتخلل في أركان الدار،
كان البيت يعج بالحركة والضجيج إستعداد للعرس المهيبِ .
كان الدور الأكبر على أم أحمد ، تلك المرأة العربية الأصيلة، التي تحمل في قلبها حنان الأمهات وفي يدها براعة التنظيم إلى جانبها اجتمعت خالات أحمد وعماته وبناتهن، يملأن الدار بضحكاتهن وأحاديثهن المتقطعة بين تجهيز الحلويات التقليدية المقروط بالتمر و الغريبة و البقلاوة ، وتنفيذ المهام الموكلة إليهن .
الخالات بدأن يتناقشن حول فساتين العروس.
التي سترتيدها في التصديرة إحداهن تقول:
ــ لا بد أن نجهز لها الملابس التقليدية لأنها لم نستطيع إحظارها من فرنسا ، ويجب أن ترتديها فهذا هو الأصل والتاريخ.
أخرى توافقها مبتسمة:
ــ نعم لا يليق بنا أن نحرمها من الملابس التقليدية الجزائرية فهي زينة المرأة الجزائرية.
وكانت الأم، بحكمتها وهدوئها، قد جهزت هذا قبلـاً :
ــ نعم ستلبس ملابسنا التقليدية لقد حضرت كل شيء.
---
بعد ساعات .
هبطت الطائرة على أرض الجزائر.
صخب اللغة العربية في مكبرات الصوت أربكها، وحروفٌ لم تألفها دخلت إلى مسامعها فشعرت أنّها غريبة عن هذا المكان أكثر .
ضمّت حقيبتها الصغيرة إلى صدرها وجرت الأخرى تتبع خطوات أبيها وسط الزحام ،
بعدها ركبت السيارة في طريق طويل نحو بِسكرة كان الصمت ثالثهما.
لم يُحاول والدها أن يقطع شرودها بكلمة، وكأنّه يدرك أن لا جدوى من الكلام مالم تجرب .
أما هي فكانت تُحاول أن تقرأ ملـَامح الوجوه في الشارع، الباعة الجائلين، الأطفال الصاخبين، النساء بلباسهنّ المختلف كأنها تُقارن بين عالمين متباعدين لا نقطة التقاء بينهما وأحيانا. تحاول رسم ملامح زوجها المستقبلي في خيالها الذي كان يصوره بشعًا مسحت وجهها بكلتا يدها وقد إزداد عبوسها:
ــ ياإلهي كيف ستكون حياتي هنا ؟ ، أرجو أن أندم على قراري .
---
في بيت عبد الله الهادي .
امتلأت أجواء حركة وضجيج بنتيه منار وسلمى فقد انشغلن منذ الصباح بالحديث عن الدعوة التي وصلتهن لحضور عرس أحمد، ابن صديق والدهن.
سلمى كانت تدور في الغرف وهي تفتح خزائن الثياب وتلقي ببعض الفساتين على الأرض:
ــ لا، لا يعجبني هذا.. أريد شيئًا جديدًا يليق بالمناسبة! كيف سأدخل العرس بملابس موضَتها قديمة؟!
عيناها تقدحان طمعًا في أن يشتري لها والدها أو والدتها فستانًا جديدًا ، وتقول في نفسها :
ــ هذه فرصتنا الناس في الأعراس يتعرّفون على بعضهم، والعرسان يرون العرائس المحتملات ؛' لا بد أن أظهر جميلة '
منار جلست على حافة السرير، تنظر بازدراء:
ــ أنتِ لا يهمك العرس ولا الفرح، فقط تفكرين كيف تُظهرين نفسك!
لكن الحقيقة أن كل واحدة منهما كانت، في أعماقها، تفكر في الحضور باعتباره نافذة صغيرة نحو تغيير مصيرها، فقد كانتا تعرفان أن الغربة في بسكرة و خاصة بعدما حدث مع تراتيل جعل العائلة شبه معزولة فوالدهم يرفض خروجهم لأي مكان ولأي سبب .
لهذا لم ينسجوا علاقات قوية مع الناس منذ انتقالهم من تيارت إلى هنا ، وبما أن والدهم رجل عملي، قليل الكلام، ليس لديه أصدقاء مقربون يزرونهم .
ووالدتهم مثله أو تفضّل البقاء بعيدة عن الاختلاط، فقد بقيت الفتيات خارج دائرة الاهتمام الاجتماعي.
أما تراتيل كانت واقفة عند النافذة كعادتها، صامتة، تتابع حركة العصافير التي تجمعت على الحائط المقابل عيناها تلمعان بالبراءة، لا يهمها العرس ولا الثياب ولا الذهاب لأي مكان بسبب التهمة والصدمة التي حصلت معها قبل سنوات قليلة والتي سبب لها رهاب من العالم الخارجي.
لذالك ما يهمها هو أن تبقى قريبة ممن تشعر بالأمان معهم.
دخلت الأم في تلك اللحظة وهي تحمل سلة غسيل:
ــ لا تُتعبين أنفسكن بالتفكير ، وافق أبوكن بعد محاولاتي الكثيرة بإقناعه ان نذهب إلى السوق ونشتري اللوازم، لا أكثر. المهم أن تظهرن للناس لعله يفتح باب لزواجكما .
سكتت برهة وأضافت بنبرة إزدراء وهي تحدق في تراتيل الواقفة تراقبهم :
ــ ثلـَاثتنا فقط سنذهب أما هذه المذلولة اللعينة التي هي سبب شقاؤنا ومنبع بؤسكم وبقاءكما في البيت وعدم ثقة والدكن فيكم ستبقى هنا وحدها و تحت مراقبة أخيها ، لكي لا تفعل ما قد يمس سمعتنا وتجلب لنا العار كما فعلت سابقًا.
إرتجفت أواصل تراتيل وشعرت بأن كلمات والدتها تنزل على كيانها كالسياط و تنخر قلبها كالسكين ، حاولت تجاهل كل هذا
لا تريد تذكر ماحصل لها قبل سنوات لكنهم دائما يتكلمون معها في هذا الموضوع ليسحقوا حطام قلبها الذي تحطم وقت الحادثة ، دون أن يكون لها ذنب في ذالك فهي مجرد ضحية لا غير ، لكن لا أحد صدقها ولا أحد سيصدقها خاصة بعدما فقدت القدرة على الكلام ؛ و بعدها تمنت لو تفقد القدرة على السمع أيضا لكي لا تسمع سم كلماتهم لعل وجعها يخف.
بينما كانت الأختان تحضّران نفسيهما للذهاب إلى السوق لشراء الملابس، بدا واضحًا أن غايتهما لم تكن المشاركة فقط، بل منافسة الظهور 'أي منهما الأجمل' .
---
وصلت مريم إلى قلب مدينة بسكرة، وكانت تشعر وكأنها دخلت صفحة من حكايات ألف ليلة وليلة صفحة علي بابا والمصباح العجيب خصوصا انه يغلب عليها الطابع الصحراوي و أزقتها التي بدت لها واسعة ،
وهنا قد شعرت بمقدار حضور والدها معهابمواكبته لكل خطوة وشرح لها معالم المدينة وكم بدت عزيزة على قلبه .
وقد جهّز لهم منزلًا منفصلاً في المدينة، لأنه يريد أن يكون العرس مميزا حاضرًا فيه بقوة، حتى وإن كان الزواج فجأة والعريس هو ابن أخيه، رغم ذالك يريد لها بداية هادئة وسعيدة إهتمامه هذا أسعدها جدآ.
عندما فتحت مريم باب المنزل، شعرت بالدهشة من بساطته؛ لا أرائك فاخرة، لا أثاث مبالغ فيه، بل بساطيات تُشعر الإنسان بالراحة والصفاء. الألوان الزاهية للزرابي المنتشرة على الأرضية أضفت دفءً غريبًا على المكان،
جلست مريم للحظة تتأمل المكان، تتنفس هواءً يشبه النسيم الذي يمر بين واحات النخيل، وتشعر براحة غريبة تملأ قلبها ، البساطة هنا ليست فقرًا، بل جمالًا حقيقيًا، يجعل الروح تهدأ قليلًـا .
ومع ذلك، كان في قلبها شيء لا يزال عالقًا، شكٌّ يتردّد.في نفسها كيف لها أن تتأقلم مع حياة كهذه بعد أن اعتادت على حياة فرنسا؟ حيث الأرائك الوثيرة، والبيوت المزينة بكل تفاصيل الرفاهية!
---
في مساء اليوم التالي،
كان السماء مختلجة بأنوار الغروبِ البرتقالية كالعادة قبل أن يحتقنها الليل بسواده المألوفِ وظلـَامه الدامسِ.
امتلأت الأزقة القديمة بضوء المصابيح الصادر من أعمدة الإنارة شيئًا فشيئًا و أصوات الأطفال تتلاشى شيئًا فشيئًا .
في منزل والد مريم ، كانو في انتظار الضيوف رائحة الشاي بالنعناع تعبق في المكان، وأطباق الحلوى موضوعة بعناية على الطاولة، والزرابي تزيّن الأرضية بألوانها الزاهية .
جلست مريم في غرفة النساء، مرتدية ثوبًا أوروبيًا بسيطًا بلون أحمر هادئ، يليق بشخصيتها الرقيقة، لكنه بدا غريبًا بين الأزياء كانت تنظر بإرتباك إلى بعض عماتها اللواتي حضَّرن لتجهيزها ، لأنها أول مرة تقابلهم وهم يتكلمن معها اللهجة الجزائرية التي لا تفهم منها إلى القليل لم تكن ترد عليهم في بعض الأحيان وتتظاهر أنها لم تسمعهم .
لكنها كانت تتقن بعض الشيء العربية الفصيحة مما تعلمته في المسجد هناك في فرنسا عندما كانت صغيرة و قبل أن تكره نصفها العربي الإسلامي بسبب والدتها .
لم تمضِ دقائق حتى وصل أهل أحمد ، عمّه الأصغر وإخوته وبعض نساء العائلة ؛ عند دخولهن، علت أصوات التهليل والزغاريد، مما زاد خفقان قلب مريم. وإرتباكها جلست النسوة متجاورات، يتبادلن الابتسامات والهمسات، بينما عيونهن تلمع فضولًا نحو "العروس الجديدة الفرنسية"
---
في غرفة الرجال، جلس أحمد بجوار والده، متأدبًا صامتًا، عينيه تتفادى نظرات الجميع، لكنه كان يلتفت أحيانًا نحو الباب ؛ بدأ الحديث بكلمات ترحيبية وتمهيد للموضوع ثم قال أبُ أحمد بوقار:
ــ جينا طالبين يد ابنتكم الكريمة، على سنة الله ورسوله، لابننا أحمد.
رد والد مريم :
ــ مرحبا بيكم، أنتم أهل وأقارب، وما دام في الأمر خير لبنيتي، فأنا راضٍ وموافق .
انطلقت أصوات الزغاريد من غرفة النساء، وتصاعدت الدعوات بالخير شعرت مريم بحرارة الموقف تتسلل إلى قلبها، لكنها لم تستطع منع نفسها من المقارنة: هنا، البساطة في كل شيء، العادات، الملابس، الكلمات، حتى الزينة. لا فساتين براقة والاختلاط .. كالتي تراها في حفلات باريس، لا صخب موسيقى يملأ الأرجاء، بل دفء أصوات صادقة، وضحكات بريئة، وبخور منعش يعبق في الهواء.
رغم ذلك، ظلّت في قلبها غصّة سؤال يلحّ عليها: هل أستطيع التعايش مع هذا العالم المختلف؟ هل يمكن لفتاة نشأت في أحضان فرنسا أن تصبح جزءًا من جزء من بسكرة ونخيلها؟
بعد انتهاء كلمات الرجال، وعلوّ الزغاريد في غرفة النساء، اقتربت إحدى العمّات من مريم وسترتها كما هو واجب في دين الإسلام وقالت برفق:
ــ ابنتي، حان الوقت ليلتقي بكِ أحمد ؛ النظرة الشرعية يا بنيتي، كما أمر ديننا.
تعجبت لفعلتها ولم تسمح لها الفرصة بسؤالها عن سبب فعلها ذالك ؛ لأنها طلبت منها التقدم لرؤيته تورد خدّاها على الفور، قلبها يدقّ بسرعة غريبة، لم تعتد أن تُعرض بهذه الطريقة ترددت لحظة، ثم تبعت خطوات العمة وهي تجرّ ثوبها، يرافقها ارتباك غريب كأنها طفلة تتعلم المشي لأول مرة!
دخل أحمد الغرفة التي سيتلقي بها فيها بهدوء، كان واقفًا بوقار بجوار والده، عيناه موجهتان إلى الأرض رفع رأسه قليلًا عندما دخلت وجلست و جلس أمامها، ولأول مرة التقت العيون.
كانت لحظة ربما خاطفة، لكنها امتدت في داخلهما كعمر كامل.
'أحمد رأى فيها فتاة مختلفة، مزيجًا من براءة واغتراب، لمسة غربية في حركاتها، ونظرة خجولة تهرب سريعًا إلى الأسفل'
'أما مريم، فقد ارتجفت وهي ترى ملامحه عن قرب: وجهه ملوح بالشمس، حاجباه دقيقان يضفيان عليه جدية، وفي عينيه بريق غريب ، كأنهما تقولان:
ــ أنا راضٍ، مطمئن، اخترتك بإيمان قبل أن أراك.
كانت تظن أنه سيكون بشع الملامح، بشعًا في هيئته، لكن ما إن وقعت عيناها عليه حتى تفاجأت بوسامة هادئة لم تتوقعها؛ ملامحه عربية أصيلة، عيناه يكسوهما وقار، وابتسامة خجولة أظهرت رقته ارتبكت، وأدركت أنها أمام صورة مغايرة تمامًا لما رسمه خيالها.
وشعرت بالطمأنينة إتجاهه قليلا فبعض المظاهر خداعة وهي لن تسمح لنفسها بأن تنخدع.
لكن شيء ما زاد في ثقته حيرتها: كيف له أن يكون واثقًا هكذا، بينما أنا غارقة في ترددي؟'
ساد صمت قصير، لم يقطعه سوى صوت والدهِ وهو يبتسم قائلًـا:
ــ ها قد رأيتما بعضكما ؛ الخير فيما اختاره الله.
أحمد ابتسم ابتسامة خفيفة ثم قال بصوت هادئ:
ــ أتمنى أن يكتب الله لنا الخير، وأن يجعل بيننا مودة ورحمة.
مريم ظلت تنظر إليه متفاجئة، لم تفهم تمامًا عمق ما قاله، الكلمات بدت غريبة على أذنها كأنها تسمعها لأول مرة بهذا السياق "الله" "المودةوالرحمة" ماهي ابتلعت ريقها بصعوبة وهمست:
"Oui... j'espère aussi."
أحمد أطرق برأسه، يتفهم أنها لم تعتد بعد على هذا الجو الشرعي ؛ حقا لم يكن يتوقع أن تكون عاجزة عن الرد بالعربية، شعر وكأن بينهما جدارًا خفيًا ؛ ضاق صدره قليلًاوبينما كان يبحث عن كلمة مناسبة ليرد لكن والد مريم قطع الموقف بابتسامة وهو ينظر إليها بحنان وقال:
ــ يا بنيتي... هذا نصيبك، قولي آمين.
رفعت مريم عينيها إليه بتردد، ثم همست: "آمين..." والكلمة خرجت بصعوبة من بين شفتيها لأنها لا تحبذ التحدث بالعربية .
رد أحمد بهدوء، وهو ينظر إليها بثبات:
ــ ستتأقلمين مع اللغة العربية شيئًا فشيئًا؛ وأنا أتفهمك ، فلا تقلقي.
كان صوته يحمل خليطًا من الجدّ واللين، ، جعلها تشعر بأنها لمست نقطة حساسة عنده، فازدادت ارتباكًا وانكمشت أكثر في مكانها ؛ كن ربما سيكون هذا في صالحها لربما هكذا تستطيع إزعاجه ، وتجعله نادما على ثقته وموافقته على الارتباط بها كإنتقام صامت منه ' ترى لما بدأت الأفكار الشريرة تحوم حولها لتؤذيه ، ألم تكن موافقة عليه ؟! أي إنتقامِ ساذجِ التي تتحدث عنه ! ' نفضت هذه الأفكار من رأسها ،
أما أحمد فقد أخفض بصره مرة أخرى، وهو يهمّ بالقيام، بينما قلبه يشعر براحة لم يتوقعها بعدما رأى براءة في ملامحها .
و مريم، فقد تملكتها مشاعر متناقضة: جزء منها شعر بالأمان في تلك العيون التي بدت أنها لا تشكل خطرا و لا تمد لإرهاب التي وصفته لها أمها بِصِلة !
وجزء آخر ظل يقاوم، أنه فقط يتظاهر بهذا وعندما تقع في براثينه ويذهب والدها فسيبدأ جحيمها !
كانت هكذا تفكر وهي تتبعهه بنظرها وهو خارج من الغرفة.بعد أن تركَ وراءه أثرًا في داواخلها لم تستطع تجاهله ، فهمست تسأل نفسها وهي تعلم انها لن تجد الإجابة:
ــ أهي بداية الاطمئنان ؛ أم بداية صراع جديد ؟ !
----
رأيكم يهمني أعزائي ..♡
لـَا تنسو التصويت ..☆
سديم 'ے