بعدَ عشرونَ يومًا…
كانت العلاقة بين أحمد ومريم تتطور بشكلٍ إيجابيٍّ ملحوظ؛ فقد تحسّنت الأمور بينهما تدريجيًا أصبح التفاهم يلفّ الأجواء أكثر، ورغم أن الاختلافات لم تنتهِ تمامًا، فإنها صارت أقل حدّة كان هناك بصيص أمل ينمو بينهما، وبعض الحبّ والاحترام بدأ يملأ الفراغ. كلاهما شعر بالتغيير.
لم تعد مريم تنفر منه كما كانت سابقًا، وأصبحت أكثر هدوءًا وتحكمًا في أعصابها، وهو لم يعد فهمه لها أمرًا مستعصيًا وكان طوال هذه المدة يحرص على أن تبقى الأمور بينهما جيدة، حتى وإن كانت هناك لحظات صعبة، فبناء علاقة معها يحتاج صبرًا وجهدًا.
كما أنها أصبحت حريصةً بعض الشيء على صلاتها، وإن كانت تفوّت بعضها ولا تؤديها في وقتها أحيانًا.
وليس هذا فحسب؛ فقد أصبحت ربة منزلٍ جيدة، صارت تطبخ وتنظف وتغسل، وتتحمّل مسؤولية سيدة بيت، بمساعدة حماتها التي لم تبخل في تعليمها، ولم تنزعج من كثرة أسئلتها واستغرابها.
كانت مريم تقف مسندةً يدها على المجلى بعد أن انتهت لتوّها من غسل الأطباق، تفكّر فيما ستطبخ طعام الغداء. نظرت إلى الساعة التي تشير إلى التاسعة صباحًا؛ مضت ساعة منذ خروج أحمد. كان عدم وجوده معها يخلق في داخلها فراغًا كبيرًا، وكانت تكره هذا الشعور، لأنها على قناعة بأنها الوحيدة التي يلازمها هذا الإحساس؛ فهو، على عكسها، كان سعيدًا في كل الأحوال، معها أو مع غيرها، ويصبح أكثر سعادة مع صديقه عبد الحق، الذي اتخذته عدوًا لها لهذا السبب.
قالت في نفسها وقد فضحت أمرها:
ــ يحقّ لي أن أغار، ليس هناك أغلى مني!
زفرت زفرةً طويلة، ورمت منديلًا بعيدًا عنها، وفتحت الثلاجة لتبدأ في إعداد طعام الغداء.
---
في منزلِ عبد اللهِ :
كانت سلمى وافقة أمام المرأة و هي ترفع صدرها للأعلى و يدها تضبطُ أطراف الثوبِ الطويل الأخضرِ إبتسمت إبتسامة عريضة وهي تعيد خصلات شعرها للوراءِ بطريقة مغرورةِ ؛ أخذت نفسًا عميقًا ثم زفرت أخيرا :
ــ الله الله على جمالي ! ربي يحفظني من عيونِ حسادِ التي ستأكلني!
قالت بتعجرفِ وهي مثبتة نظرها على صورة منار المنعكسة على زجاجِ المرآة التي كانت مستلقية على السرير خلفها ، تدحرج خاتم في إصبعِ البُنصرِ ليدها اليسرى لإغاظةِ أختها فقد تم إعلانُ خطوبتها منذ أسبوعِ تقريبا مع إبنِ أحد أكبر تجارِ في مدينة بسكرةَ وكانت طوال هذه المدة تتفاخر على أختها العانسة الأكبر منها و الأقل جمالا هكذا كانت تسخر منها متناسية أنَ الزواج قسمة ونصيب من عند الله تعالى .
هدأت أجواء التوتر بينهما قليلًا بدخولِ الأمِ التي قالت وهي تضعُ يدها على فمها :
ــ ماشاء الله على بنيتي الجميلة ..وكلماتَ مديح أخرى ..
قبل أن ترد سلمى عليها من فرطِ خجلها قاطعتها منار قائلة بسخريةِ :
ــ كم أنتِ رائعة ..
و أضافت بلهجة عنيفة:
ــ أنا أرى أي روعة ! تبدو كدودة أعشابِ ضخمة هههه .
كمشت سلمى أطراف ثوبها بيديها وتقدمت خطوة لها و كعبها العالي يصدر طقطقة و قالت وهي ترفع سبابتها متوعدة:
ــ إنتظري حتى يغادر الضيوف وسترين ما أفعلهُ بكِ ..
وقبل أن تزداد حدّة المشاحنة بينهما أكثر صفقت أم و هي تقولُ بنبرة غاضبة مأنبةََ :
ــ كفى عن شجارِ من يراك يراكما يقول إنكما عدوتان ولستما أختانِ ..
ــ لو كنا نختارُ الأخوة لما إخترتها ؛ قطُ في منزلِ أفضل من وجودها ..
قالت منار وهي تعقدُ يديها على صدرها ..
ــ إخرسي أيــتها بـُـومَـــة !
إنفجرت سلمى غاضبة ..
ــ ولا كلمة إصمتا ولا كلمة إضافية و عندما يعود والدكما سأخبرهُ بشجرتكما التي لا تنتهي ..
قالت الأم مهددة !
---
أما تراتيل فقد كانت في مطبخِ تحضرُ صينيةَ القهوةِ و الحلوى -التي قامت بإعددها منذ يومينِ فقد رفضت سلمى أن تقدم الحلوى التي صنعتْ من أجلِ منار - للضيوفِ الذيي منعتها أمها من مقابلتهم قائلةََ :
ــ ما فائدة أن تجلسِي بيننا خرساءَ !
لا تعلم لما تعاملها أمها بقسوةِ وبرودِ هكذا حتى قبلَ الحادثة كانت تعاملها بجفافِ عكس والدها الذي إبتعد عنها بسبب تهمة باطلة .
دخلت أم وتبعتها سلمى وهي تتفحصانِ ترتيباتِ إن كانت تسيرٍ على نحو جيد كان تراتيل قد جهزت كل شيء بقلبِ نقي ونيةِ صافيةِ ؛ صالة أفرشتها بفراشِ رائع ورتبتها بشكلِ جميل الحلوى و الهدايا ، ورغم ذالك لم تكلفا نفسيهما عناءَ شكرها ..
بل سحبت الام سلمى إلى ركنِ منزوي و راحت تعلمها حسنَ الاستقبال و اللباقة و كيفية ترحيبِ بعريس و أهلهِ ..
وبينما هما منغمستانِ في حديث عاد عبدالله من الخارجِ ولم تشعرا بذالك لتسقبلاهُ ..أرادت تراتيل أن تعلمهما بإشارة لكنه أوقفها في منتصفِ الطريقِ ليسألَ عن مكانها ، أخبرته وهي تشير للمطبخِ فذهب ولحقتهُ لتسمع ماسيقولهُ فقد بدا لها من عيونهِ الجادة أنه يحملُ في جعبتهِ أمرا مهما ..
دخل فجأة وهي يتعمد إصدار أصواتِ طرطقة إنتفضتا من مكانيهما تفحصهما بعينهِ وقال بلهجةِ حادة لا مجال فيها للعدولِ عن قرارهِ :
ــ الخِطبة ملغاة لكن ليس نهائيا !
نظرت كلتهما إليه بتعجبِ وكأنهما يقرآنِ إن كان كلامه جادا أم لا ..
وهو لاحظ هذا فأردف قائلًا:
ــ بدلا من سلمى قررتُ أن أزوجهُ تراتيل..
و من إن نطق بهذا إسمِ حتى صعقت صاحبتهُ تستوعبُ ما قيلَ !
أما سلمى فقد توقفت عن تنفسِ للحظة لم تستطع الرد ألجم لسانها شعرت وكأن الدم حبسَ في أطرافها فجأة ثم عادَ يتدفق بقوة وضعت يدها على وجهها وهي ترى فرصتها زواجِ أخير تتلاشى،وإنفجرت باكية بعد خروجِ والدها ..
أما أم فقد كانت ردة فعلها هادئة بعض الشيء فرغم غرابة ماحدث إلا أنها تثقُ في زوجها وقرارتهِ إلى حد كبير لم تعلق أخذت تربتُ على ظهرِها و هي تقولُ مواسيةَ :
ــ فيها خير يا بنتي ، سنعرف لماذا قرر أبوكِ هذا صدقني سترينَ أنه أنسبْ ..
أما منار فقد غمرتها فرحةُ كبيرة و هي ترى إنكسار أختها فستمسعُ كثيرًا بإغاضتها ، سحبت تراتيل من يديها لتجهزها لمقابلة العريسِ لكنها رفضت لم تكن تريد أن تسرق فرحة أختها ولا أن تنشبَ عداوة بينهما بسبب رجلِ ..
لكن منار إشتكت رفضها لوالدها كانت كشبكةِ تلتقط الاخبار وتنشرها بسرعةِ ، والد ترتيل إستنكر رفضها و أصر أن يطبقَ ما قالهُ دونَ جدالِ .
ــ لا ينقصنا فضائح يكفي ما جلبتهِ لنا ..
فضائح بكت بسبب هذه الكلمة التي كانت كسهمِ يخرزُ في جرح لم يلتئم بعد لعنت كل من في هذا المنزل ولأولِ مرة تتمنى أن تغادر هذا منزلِ بلباسِ أبيض سواء الكفن أو ثوبَ العروس مهم شيء يخلصها منهم .
أم لحقت بعبد الله تستقصي منه سبب رفضهِ فقال جوابهُ بكلِ برودِ ينكرِ بهِ حقيقة..
ــ هو لم يحدد لي من يريد خطبتها و لم أحدد له أيضا و إكتشفتُ أنه مريض بالصرعِ لذالك سأزوجهُ إبنتي ناقصة لا السليمة..
هذا جواب أثلج قلبَ الأم وراحت تزفهُ مهلهلة لسلمى على مسامعِ تراتيل التي لم تتوقع بأن يكون آذاهم لها بهذه البشاعة..
---
كان أحمد في منزله، متكئًا على الأريكة، يحدّق في شاشة هاتفه أمامه، يكتب رسائل وابتسامة مرسومة على ثغره، تزداد اتساعًا كلما ضغط على زر الإرسال.
لم يُعجب ذلك زوجته وافقة، فكانت تنظر إليه باستغراب حاد، ويدها على خصرها، وكأنها تمسك بنفسها التي تكاد تتهجم عليه.
انتبه لها أخيرًا، لكنها لم تتزحزح من مكانها، وبقيت ثابتة بردّة فعلها. طغى السكون بينهما برهة، ثم كسرته وهي تشيح بوجهها بعيدًا، قائلة بتأفف غير راضية:
— من سرّ تلك الابتسامة العريضة في الهاتف؟
سكتت لحظة، ثم نظرت إليه بحدّة وأضافت بلهجة عنيفة:
— أو بالأحرى من التي تخونني معها!
ردّ، والابتسامة لم تغادر محيّاه، غير متناسقة مع الجو المتوتر:
— أهذا نوع من الغيرة؟
ردّت عليه مستنكرة:
— لا، مجرد تساؤل، لا يهمني.
لم يُنكر أن غيرتها دغدغت مشاعره وأحاسيسه، وسرّته كثيرًا، لكنه لم يعلم سبب إنكارها، فردّ بمماطلة يستدرجها:
— نجوتِ إذن كنت أتحدث مع من يهتم بأمري.
— أقتلك يا أحمد إن كنت فعلتها!
ردّ عليها بسرعة وقد فضح أمرها:
— غيورة ولا تعترفين بذلك.
ردّت بإساءة متصنّعة وبصوت منخفض:
— قلتُ إنها ليست غيرة.
وأكملت بصوت يخالف قلبها، فقد بدأ يعلو تدريجيًا:
— لا تحاول تشتيتي. مع من كنت تتحدث؟ هيا أخبرني، أليس الحديث مع غير المحارم مخالفًا للدين؟ أنا أخاف عليك كما تقول لي دائمًا عندما تعِظُني إني أخاف عليك من النار...
ضحك وقال بنبرة حاسمة:
— غيرة أو خوف، كلاهما نوع من الحب، مصدرهما قلب عاشق.
ردّت وهي تقلّد نبرته:
— لا تفرح كثيرًا، حبي إنساني فقط. مع من كنت تتحدث؟ تكلم.
ردّ وقد نفد صبره:
— مع صديقي عبد الحق، هل ارتحتِ؟!
— مجددًا؟!
— نعم، مجددًا!
ظن أن الحديث قد انتهى، وكان على وشك أن يعود إلى هاتفه، لولا أنها قالت ما لم يتوقعه:
— وماذا قال لك لتبتسم هكذا؟ قل، هل يريد تزويجك بثانية؟
عقد حاجبيه وقال مستفسرًا:
— تمزحين معي؟ من أين أتيتِ بهذا الكلام؟!
لكن ملامح وجهها الواثقة كانت تدل على أنها جادة، وقالت وهي تستدير وترفع كفيها إلى الأعلى:
— من الحقيقة التي تنكرها الآن.
أعلم بأنك ستتزوج ثانية وثالثة ورابعة، وربما أكثر. تطلّقني وتتزوج الخامسة!
فغر فاه وقال بتعجب:
— هاه؟ وهل قلتُ أنا هذا؟ وهل بدر مني سلوك يدل على ذلك؟
استدارت له وهي تضع النقاط على الحروف:
— لا، طبيعتكم أنتم العرب هكذا، تحبون التعدد. أمي قالت لي ذلك عنكم، وأنا متأكدة بأنك واحد منهم.
— ومن أكّد لك ذلك؟
— استنتجتُ هذا.
نهض من مكانه ودنا منها، لم تبتعد. نظر في عينيها وأمسكها من ذراعها. أحسّ برعشتها، وأدرك أن كلامها يخرج صادقًا من قلبها، ونابع من اعتقادها الجازم بأنه سيفعل ذلك.
جلست بجانبه على حافة الأريكة، تلعب بأصابعها بتوتر، وعيناها تتسائلان كما لو كانا يختبران كل كلمة ستخرج من فمه.
وخاطبها بحيرة وهو يضع يده على كتفها:
ــ عزيزتي مريم من أين أتيتِ بهذا الإعتقاد..!
ردّت وهي تشدّ أطراف ثوبها ، بنبرةٍ مترددة يخالطها خوفٌ قديم:
ــ أنت عربي أليس كذلك؟ وكل العرب يتزوّجون بأربع في النهاية.
نظر إليها طويلًا، لا غضب في عينيه، بل شيء أقرب إلى الأسف. ابتسم ابتسامة خفيفة، كمن يحاول تهدئة طفلٍ خائف لا تصحيح خطأ فقط.
ــ ومن قال لكِ إن العروبة عقد زواج بأربع نسخ؟
سكتت.
أكمل وهو يقترب منها ، دون أن يمسّها:
ــ يا عزيزتي التعدد ليس فرضًا، ولا هو عادة يومية، ولا حتى قدرة عند أغلب الرجال. هو رخصة بشروط قاسية، وعدلٍ يكاد يكون مستحيلًا.
رفعت عينيها إليه:
ــ لكن الجميع هناك يقول هذا خاصة أم..
قاطعها بلطف:
ــ الجميع يقول الكثير، لكن القليل يعيش الحقيقة. أعرف عربًا عاشوا وماتوا بزوجة واحدة، وأعرف من دمّره التعدد لأنه ظنّه حقًا بلا مسؤولية...
تنفّس بعمق، ثم قال بصوت أخفض:
ــ وأنا لم أتزوجك لأبحث عن غيرك. تزوجتك لأنني اخترتك، لا لأن الشرع أعطاني خيارات إضافية..
ـــ الدين لم يأمرني أن أجرحك، ولا أن أعلّق قلبك بالخوف. ولو كان التعدد غاية، لكان العدل سهلًا لكنه ليس كذلك.
قالت بصوتٍ يشبه الاعتراف:
ــ يخيفني هذا الأمر كأن الله أعطاكم بابًا مفتوحًا، وترك قلوبنا خلفه...
لم يُجب فورًا. جلس قبالتها، تنهد ثم
قال بهدوء:
ــ لو كان بابًا مفتوحًا، لما وُضع عليه شرط العدل، ولا حُفّ بالخوف...
نظرت إليه، تنتظر.
قال:
ــ الله قال: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا… فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾.
الآية لا تبدأ بالرغبة، بل بالخشية… وتنتهي بالواحدة...
قالت همسًا:
ــ لكن لماذا شُرِع أصلًا؟
قال وهو يضمّ كفّيه كمن يجمع فكرة دقيقة:
ــ لأن الله لا يشرّع للهوى، بل للواقع. شرعه لحالات انكسارٍ في الحياة: يتامى بلا سند، نساء بلا معيل، ظروف لا تحتمل الإنكار. لكنه لم يجعله حقًا مطلقًا، بل امتحانًا صعبا ..
سكت لحظة، ثم أضاف بصوتٍ أخفض:
ــ وقرأ آية تُربك القلب قبل العقل:
﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾.
كأن الله يقول للرجل: اعرف حدّك...
اهتزّ صوتها:
ــ إذًا ليس الأصل أن أُشارَك…
ابتسم، وفي ابتسامته طمأنينة لا انتصار:
ــ الأصل أن لا تُظلَمي. ومن خاف أن يجرح قلبًا، فواحدة أزكى لإيمانه..و الدين لم يأمرني أن أجرحك، ولا أن أعلّق قلبك بالخوف. ولو كان التعدد غاية، لكان العدل سهلًا… لكنه ليس كذلك...
انخفضت كتفاها قليلًا، وكأن ثقلا نزل عنهما.
قالت بصوتٍ مكسور:
ــ كنت أخاف أن أكون محطة…
هزّ رأسه نافيًا:
ــ أنتِ الرحلة، لا محطة. وما يُشاع عن العرب ليس حياة الجميع، بل صورة مكبّرة لقصصٍ استثنائية..
أومات برأسها راضية وساد بينهما صمتٌ هذه المرة… لكنه صمت مطمئن. وبقي أحمد حائرا في ماقالته وفي إعتقاداتِ الغريبة الاخرى المقتنعةِ بها عنهم آلتي لم تبح بها إلى الآن.
.
.
.
.
كانت تراتيل تجلس في غرفة الضيوف، ومشاعرٌ مضطربة تتنازعها بين خوفٍ وخجلٍ من القادم، وحزنٍ وأملٍ مما يحدث. كانت منار بجانبها تربّت عليها، وقد قررت أن تتكلم بدلًا عنها، لأنها واثقة من أن أمها لن تفعل شيئًا جيدًا لتراتيل، خاصة بعد ما حدث.
بعد مدة وصلت أم العريس إلى المنزل. استقبلتها أم تراتيل في المدخل، وقادتها إلى الغرفة المخصصة لهم، بينما ذهب عبد الحق مع عبد الله إلى صالة الرجال يتحدثان.
نهضت كلٌّ من منار وتراتيل عندما دخلت المرأة، فسلمتا عليها ورحبتا بها، ثم جلسن يتبادلن السلام والسؤال عن الحال والأحوال. وكانت الأم تبحث عن العروس كي لا تُحرج الأخرى، لكنها لم تتعرف على المقصودة؛ فكلتاهما صغيرتان جميلتان. لكن ما إن رأت الخاتم في إصبع إحداهن حتى عرفت المعنية، فابتسمت لها لثوانٍ، وبادلتها تراتيل تلك الابتسامة.
لم يطل الحديث الخارجي والمقدمات كثيرًا، فدخلت مباشرة في الموضوع...بعد أن اعتدلت في جلستها، وشبكت يديها فوق حقيبتها، ثم قالت بنبرة هادئة تحمل جدّية واضحة:
ــ نحن جئنا اليوم بنية طيبة، وطلبنا القَبول من الله قبل الناس. عبد الحق شاب معروف، وأخلاقه طيبة، وما قسمه الله له نقبله ونحمده عليه..
سكتت لحظة، كأنها تمنح الكلمات وزنها، ثم تابعت:
ــ أحببت أن أكون صريحة من البداية، حتى لا يكون في القلوب شيء. عبد الحق مريض بالصرع، مرض قديم، لكنه يتابع علاجه بانتظام، وحالته مستقرة منذ سنوات، والحمد لله..
ساد الصمت الغرفة. لم تنطق تراتيل بكلمة، فقط شدّت أطراف ثوبها بين أصابعها، وعيناها معلقتان في الأرض. شعرت منار بتصلب جسدها، فاقتربت منها قليلًا، وربتت على يدها بخفة، ثم تكلمت بدلًا عنها كما قررت مسبقًا.
قالت منار بثبات:
ــ نحن نقدر صراحتك، والمرض بيد الله، لا أحد معافى تمامًا. لكن يهمنا أن نعرف كيف ستكون حياة تراتيل معه، وكيف سيكون التعامل وقت النوبات..
تنفست أم العريس بعمق، وكأنها كانت تتوقع السؤال:
ــ عبد الحق واعٍ بحالته، ويعرف كيف يتصرف، ونحن دائمًا بجانبه. النوبات نادرة، ومع الدواء تكون خفيفة. وهو قادر على العمل وتحمل المسؤولية، ولم يُقصّر يومًا..
رفعت نظرها نحو تراتيل، وقالت بلطف:
ــ وأنا أعدكِ يا ابنتي أن أكون لكِ أمًّا قبل أن أكون حماة..
رفعت تراتيل رأسها ببطء، التقت عيناها بعيني المرأة، ولم تنطق، لكن ارتعاشة خفيفة في شفتيها،
أما أم تراتيل، فكانت تراقب المشهد بصمت، ملامحها جامدة، لا يظهر فيها رضا ولا رفض، فقط انتظار ..اللحظة المناسبة لتخبرهم بأمر إبنتها ..
لاحظت أم العريس ذلك، فتغيّر أسلوبها قليلًا، ولان صوتها وهي توجّه حديثها لمنار:
ــ أفهم أن تراتيل لا تتكلم، وقد أُخبرنا بسبب ذلك. نحن لا نرى في الأمر نقصًا، فالله يعوّض القلوب الصابرة..
أطرقت تراتيل رأسها، وشدت كفيها معًا، كأنها تخشى أن تنفلت دموعها أمام الجميع. اقتربت منها منار أكثر، ثم قالت:
ــ تراتيل تفهم كل شيء، وتعبر بطريقتها… ونحن سننقل رأيها كما هو...
أخرجت منار دفترًا صغيرًا كانت تراتيل تحمله دائمًا، وضعته أمامها برفق. تناولت تراتيل القلم بتردد، وكتبت بيدٍ مرتجفة، ثم دفعت الدفتر نحو منار.
قرأت منار بصوت مسموع:
ــ هل يعلم عبد الحق بحالتي؟ وهل يقبل بزواجي وأنا هكذا؟..
ساد صمت قصير، قطعه صوت أم العريس وقد بدا صادقًا:
ــ يعلم يا ابنتي، وهو من أصرّ على المجيء. قال لي: من رضي بي كما أنا، أرضى به كما هو..
ربما كان كلامها فيه من صدقِ كثير فقد كنا يتوقعانِ هذا من عبدالله سيعطيهِ إبنته الناقصة لا السليمة وعبد الحق لم تكن لديه مشكلة في ذالك فهي قبلت به رغم مرضهِ..
ارتجف قلب تراتيل عند الكلمات، ورفعت عينيها لأول مرة بثبات. لم تبتسم، لكنها شعرت بشيء دافئ يتسلل إلى صدرها، شيء يشبه الأمان.
أما أم تراتيل، فتنحنحت أخيرًا وقالت ببرود:
ــ الزواج مسؤولية، وليس شفقة ولا تجارب. نحتاج وقتًا للتفكير...
أومأت أم العريس بتفهّم:
ــ خذوا وقتكم، فنحن لا نريد إلا ما فيه خير للجميع..
وبين الصمت والكلمات المكتوبة، بدأت خيوط قدر جديد تُنسج ببطء، قدر لا يعتمد على الصوت، بل على القلوب...
.
.
بعد التحيات والمجاملات المعتادة، بين والد و عبد الحق قال بابتسامة ودودة:
ــ جئت أطلب ابنتك الكريمة ، وأمل أن أكون أهلاً لهذا النسب ...
نظر عبد الله إليه وقال :
ــ أنا موافق ..لكن إبنتي تراتيل بكماء ، ليست إعاقة فطرية بل صمتٌ بسبب حادثة، فصارت الكلمات حبيسة صدرها، لكن لا تقلق نظراتها تقول مالا تستطع قوله..
رد عبد الحق بثباتٍ صادق:
ــ أعلم أن الزواج مودة ورحمة قبل أن يكون كلمات، وإن كان للصوت سلطان، فللقلوب لغة أبلغ...
أطرق عبد الله رأسه قليلاً، ثم نهض وقال:
ــ إذن نتوكل على الله… سأستدعيها.
بعد مدة دخلت تراتيل بخطواتٍ مترددة، كأن الأرض ضيقة لا تستطيع إيقاف ارتجافها...
كانت عيناها تخفضان ثم ترتفعان سريعاً، تحملان حكاياتٍ لم تجد طريقها إلى الشفاه. جلست حيث أشار والدها، ووضعت يديها في حجرها، تضمّهما كمن يحتمي بصمته.
نظر إليها عبد الحق بهدوء، لا فضول في نظرته ولا شفقة، بل اهتمامٌ صادق. ابتسم لها ابتسامةً خفيفة، فرفعت عينيها نحوه، وفي تلك اللحظة بدا وكأن الكلام كله صار فائضاً...
قال وهو ينظر إليها بثباتٍ مطمئن:
ــ لا يهمني إن لم تتكلمي، المهم أن لا تشعري يومًا أنكِ مطالبة بذلك لأجلي.
ــ أؤمن أن القلوب الصادقة تُفهم دون صوت، وأن الصمت أحيانًا أصدق من ألف كلمة.
ــ إن اخترتِني، أعدكِ أن أكون صوتكِ حين تحتاجين، وصمتكِ حين تريدين...
اتسعت عيناها دهشةً، ثم انفرجت شفتاها عن ابتسامةٍ صغيرة، مرتجفة، لكنها حقيقية. رفعت يدها قليلاً، وأومأت برأسها..كأنها تقول: وصلت.
لم يكن بينهما كلام كثير، فالكلمات كانت تقف خجلة عند باب الحياء..
نظر عبد الله إليهما، فرأى ما لم يُقَل، فتنحنح وقال:
ــ أسأل الله أن يقدّر الخير حيث كان..هذه هي الرؤية الشرعية… والباقي يكتبه الله إن شاء.
إنتهت الرؤية الشرعية وغادر عبد الحق وامه وهو يحمل في قلبه يقيناً غريباً بأنها فتاةُ مناسبة ..
---
لا تنسو التصويت...☆
توقعاتكم للأحداث القادمة..!
سديم 'ے