أشرقت الشمس معلنةً عن بداية يومٍ جديد، وتسللت خيوط الضوء إلى الغرفة بهدوء، كأنها تخشى أن تُزعج من فيها.
ورغم أن الصباح قد حلّ، كانت مريم لا تزال منغمسـة في فراشها تتقلب، ولم تستطع رغم كل محاولاتها مغادرته.
كانت هذه إحدى عاداتها عندما يصيبها الأرق بسبب التفكير المستمر في أحمد وحياتها معه. لم تتوقع أن تستقر الأمور بينهما هكذا، أو بالأحرى أن تتركها هي تستقر كما ينبغي، وكما أراد والدها. لم يخطر ببالها يومًا أن تجد رجلًا عربيًا بهذا اللطف والحنان والصبر، وأن تقع في حبه بعدها. وهنا أدركت أن والدتها كانت مخطئة في حكمها عليهم، وساذجة في كرههم دون أن تتعايش معهم.
تمنت لو كانت أمها معها في هذه الأثناء لترى كم هم في غاية الروعة، لعلها تصحح اعتقادها السيئ بهم وتغسل قلبها من الحقد الذي تكنه لهم. لوهلة فكرت أن تدعوها لزيارتها، لكنها تراجعت؛ مستحيل... أمها لن تتراجع. إنها عنيدة ومتعصبة في قراراتها، وستبرر لطفهم بأنهم مخادعون يغطون وجوههم الحقيقية خلف قناع اللطف، وأنها كالساذجة انطلت عليها الحيلة كما تنطلي عليها دومًا بسبب غبائها - كما تقول دائمًا.
حمدت الله أن أمها لا تعلم بهذا الزواج، وإلا لركبت الطائرة الآن وجاءت إليها راكضة، لا لتحميها، بل لتفتعل مشاكل مع الرجل الذي كانت مريم واقعة في غرامه.
نفضت هذه الأفكار عن رأسها ونظرت إلى الساعة التي تشير إلى التاسعة والنصف صباحًا.
تنهدت؛ لن تضطر لصلاة الصبح الآن، فهذا وقت شروق الشمس، وهو محظور كما قال أحمد.
عبست فجأة وهي تقول في نفسها:
- من أخدع أنا؟!
- نفسي فقط... إن لم أصلّها الآن ففي يوم الحساب جمر ونار.
لكنها سرعان ما تجاهلت كل هذا، وأخذت تعبث بهاتفها. لم يطل بها الأمر كثيرًا حتى دخل أحمد، وهو يحمل في يديه كيسًا بداخله صندوق. ألقى السلام عليها، فانتبهت له وردته بخفوت، متلعثمة لا تعلم ما تفعل.
اقترب منها، وضع الصندوق أمامها وقال:
- أحضرت لكِ هدية، ومعي مفاجأة أيضًا.
دهشت، واتسعت عيناها واحمرّ وجهها، ورددت خلفه:
- هدية لي؟!
أومأ برأسه إيجابًا.
ابتسمت وسألته عن محتواها.
- افتحيها.
فتحتها وقلبها يرقص فرحًا بهذه الهدية، لكن كل شيء خفت في اللحظة التي عرفت فيها محتواها. قالت بعبوس:
- لُفافة...!
صُدم من تعبيرها؛ كانت الهدية عبارة عن حجابٍ بنيّ هادئ، من طراز جميل، غالٍ، وقماش ذي نوعية رفيعة، ومعه خمار أسود مثله، وهي تنعته بلفافة!
ردّ عليها باستغراب وبنبرة عالية، على غير عادته في الحوار معها:
- لفافة؟! تقولين عن الحجاب إنه لفافة بكل هذه الجرأة؟!
أحست بأنها تجاوزت حدودها نوعًا ما، فقالت بنبرة خافتة:
- لم أقصد شيئًا سيئًا بكلامي... صدقني، أمي تسميه هكذا.
«أمها مجددًا...» قالها في نفسه، يبدو أن كل معتقدات مريم الخاطئة منبعها والدتها، التي تبدو شديدة التأثير عليها.
أردف وقد خفّض نبرته كأنه يعتذر عن سوء فهمه، وهي فهمت ذلك:
- حسنًا، والآن أخبرتك اسمه حجاب، وأنتِ سترتدينه، ونخرج معًا للتنزه، وهذه هي مفاجأتي.
قطبت حاجبيها مستنكرة، وقلدها بتعبيرها، فقد توقع أن تفرح، إن لم يكن بالهدية فبالنزهة على الأقل. لكنها لم تفعل، وخاطبته وهي تطأطئ رأسها:
- ولماذا عليّ أن أرتدي الحجاب؟ لم ألبسه من قبل.
سكتت برهة ثم أردفت وهي تعقد يديها على صدرها:
- لا أريد لبسه!
- ليس قرارك، إنه فرض على كل مسلمة بالغة، وأنتِ يجب عليكِ لبسه.
- إنه مجرد لباس، ما فائدته؟
شدّ أعصابه؛ عنيدة هي في كل مرة، عليه أن يشرح ويقنع حتى تستجيب.
- الحجاب ليس مجرد لباس، بل هو حماية للنفس والكرامة، ووسيلة لتظهر المرأة بما هو أهم: عقلها وخلقها. قال الله تعالى:
﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ [النور: 31].
في هذه الآية أمر مباشر للمؤمنات بالستر، ليس لفرض قيود صارمة، بل ليجعلن أنفسهن في أمان، ويظهرن الاحترام لأنفسهن قبل أن يطالب به المجتمع. أي أن الحجاب يضع الحدود الطبيعية بطريقة رحيمة، ويذكّر المرأة أن سترها حقّ لها أولًا، وحقّ لله أيضًا، وهو ما يمنحها طمأنينة وثقة لا تُقدّر بثمن.
- أي طمأنينة في شيء يحدّ من حريتي؟!
وضع يده على رأسه، شعر كأنه يحادث أحد قوم قريش في الجاهلية.
- الحجاب وُضع ليحمي المرأة، لا ليحدّ من حريتها. فهو يخفف عنها عبء النظرات والتعليقات، ويجعل الآخرين يتعاملون معها بوصفها إنسانًا لا مظهرًا. والدليل بسيط: كثير من الفتيات يشعرن براحة أكبر عندما يلتزمن بالستر، لأن بيئة الطريق والعمل تصبح أخف ضغطًا عليهن. تخيلي طالبة تركب الحافلة في الصباح، كانت تتعرض لكلام مزعج كل يوم، فلما التزمت بالحجاب قلّ ذلك بنسبة كبيرة؛ لأن الحجاب يضع حدًا فوريًا لنوع من التطفل الذي لا ينبغي أن تتحمله أي امرأة. لذلك وجوده ليس عبثًا، بل ضرورة تحفظ الكرامة وتسهّل الحياة.
تنفّس بعمق ثم أكمل بنبرة أخفّ، كأنه لا يريد أن ينتصر في جدال بل أن يصل إليها:
- مريم... تخيّلي أن لديكِ شيئًا ثمينًا جدًا، جوهرة نادرة لا تُقدَّر بثمن. هل تتركينها مكشوفة في الشارع، أم تضعينها في صندوق يحفظها؟ ليس لأنكِ تخجلين منها، بل لأنكِ تعرفين قيمتها. الحجاب ليس إعلان نقص، بل اعتراف بالقيمة. الله لم يأمر المرأة بالستر لأنه يقلّل منها، بل لأنه يراها أغلى من أن تُستنزف في أعين لا تعرف قدرها.
اقترب خطوة وأضاف بهدوء:
- ثم إن الحرية الحقيقية ليست أن نفعل كل ما نريد، بل أن نختار ما يرضينا دون أن نُستَخدم أو نُختزل. الحجاب اختيار يُعيد لكِ السيطرة: أنتِ من تقررين كيف تُرَين، ومَن يستحق أن يراكِ. هو ليس سجنًا، بل مساحة أمان، وحدّ فاصل بينك وبين عالم لا يرحم.
سكت لحظة، ثم ختم بصوت صادق:
- أنا لا أطلب منكِ أن تلبسيه لأجلي، ولا لأنني أفرض رأيي عليكِ، بل لأنني أحبك، وأريدك قريبة من الله، مطمئنة مع نفسك، قوية من الداخل... لا أسيرة نظرة أحد.
سكتت مريم طويلًا. لم تردّ هذه المرة، ولم تجادل. كانت كلماته تسقط في داخلها ببطء، لا كأوامر، بل كأسئلة لم تفكر فيها من قبل. شعرت بشيء يضغط على صدرها، خليط من ارتباك وخوف وصدقٍ مؤلم.
مدّت يدها بتردد نحو الحجاب، لم تمسكه فورًا، فقط لامست أطرافه بأصابعها، كأنها تختبر إحساسًا جديدًا لا تعرفه. رفعت عينيها إليه وقالت بصوت منخفض، خالٍ من العناد:
- وإن لم أستطع...؟ إن شعرت أنني أختنق به؟
ابتسم ابتسامة خفيفة، مطمئنة:
- لن تختنقي، لأن الله لا يكلّف نفسًا إلا وسعها. ابدئي خطوة، لا أكثر.
أطرقت برأسها، ثم سحبت نفسًا عميقًا، وكأنها تحسم أمرًا في داخلها قبل أن تنطق:
- حسنًا... سأجرّبه.
لم تقل «اقتَنعت»، ولم تقل «آمنت بالفكرة»، قالت فقط «سأجرّبه»، لكنها كانت تعلم في أعماقها أن هذه الجملة الصغيرة تعني الكثير. أخذت الحجاب بين يديها هذه المرة بثباتٍ أكبر، ونهضت ببطء متجهة نحو المرآة.
وحين لفّته حول رأسها، لم ترَ امرأة مقيدة كما كانت تخشى، بل رأت ملامح أكثر هدوءًا، وعينين فيهما شيء من الطمأنينة الغريبة... طمأنينة لم تفهمها بعد، لكنها شعرت بها.
التفتت إليه وقالت بصوت أقرب إلى الاستسلام الصادق:
ـــ فقط... كن صبورًا معي.
أومأ، وقال ببساطة:
- كنتُ صبورًا، وسأبقى.
.
.
.
كانت ترتيل منغمسةً في الأعمال المنزلية كطريقةٍ مثلى للهروب من الكلمات الجارحة لوالدتها، ومن أذى أختها سلمى التي كشفت عن وجهها الحقيقي؛ فمنذ مغادرة الضيوف لم تسلم من شرّها، قولًا وفعلًا. ورغم أن والدتها ترى ذلك، إلا أنها لم توقفها، بل تركتها بحجة: دعيها تشفي غليلها، فما حدث معها ليس بالهيّن.
وها هي الآن تشدّها من شعرها.
- ابتعدي عن طريقي!
لكن ترتيل لم تفعل شيئًا سوى إطلاق أنينٍ خافت.
في مكانٍ آخر من أرجاء المنزل، كان عبد الله يُغلق خط هاتفه بعد أن انتهى لتوّه من حديثٍ مع عبد الحق، الذي أعلمه بأنه سيأتي غدًا لدفع المهر وتحديد موعد الزفاف.
استلقى على الأريكة وهو يشعر بتأنيب الضمير، متذكرًا كيف غيّر رأيه وزوّج ترتيل لعبد الحق ليتخلّص من بقايا آثار الحادثة. فقبل أيام، وعندما كان عائدًا إلى المنزل قبيل خروجه بدقائق لأداء صلاة الفجر، تمزّق نعله، فوجد شابًا يقف أمام منزله. ولم يكن أي شاب؛ بل أكثر شابٍ يكرهه، شريك ابنته في خطيئةٍ لم يتوقع أن يراه بعدها أبدًا، وكأن الله أراد له ذلك.
استجمع رباطة جأشه من ذكريات ما حدث، وأمسكه من ياقة قميصه، وصرخ في وجهه، فرأى في عينيه لمعة خوف، وكأنه لم يتوقع ضربةً مباغتة كهذه. خنقه وكاد يقتله، ولم يُبالِ بتوسلاته، فقد كان ساخطًا مما فعل.
استغفر ربّه، ثم تركه يتأرجح حتى سقط على الأرض يلهث، قائلًا:
- آسف، لم أقصد التطفل، صدقني.
لم يرد سماع صوته، فقاطعه: - اغرب عن وجهي بسرعة، وإلا...
لكن الشاب أكمل:
- أعلم أنك غاضب مني وتكرهني. ما حدث في ذلك اليوم كان طيشًا. جئت لأصحح خطئي. أعلم أن ترتيل فقدت قدرتها على الكلام كلّه بسببي.
لكمه على وجهه حتى تطاير دمه:
- اخرس! لا تتلفّظ باسم ابنتي بلسانك القذر!
همّ بالمغادرة وهو يتأرجح، ثم التفت إليه وقال: - جئت لأصحح خطئي... زوّجني ترتيل!
ومن نطق بتلك الكلمات حتى فقد الاخر أعصابه ونفذ صبره فهرب و طاردهٌ لكنه نجى أو أراد له النجاة ..
لم يكن عبد الله متأكد مما فعله هل هو صواب ؟ أم لا ..بقي حائرا لكنه سرعان ما نفض كل هذا عن رأسه و هو يقنعُ نفسهُ بأنه قضاء وقدر.
.
.
.
سديم 'ے