خلف الابواب المغلقه

خلف الابواب المغلقه

16 0

استقر آدم على المقعد المعدني الضخم، وكانت الأجهزة الكهربائية المحيطة به تصدر أزيزاً متواصلاً يبعث على التوتر. لم يكن ينظر إلى الأنابيب الزجاجية ولا إلى الإبر الطويلة التي كان المساعدون يجهزونها بارتعاش واضح؛ كانت عيناه مثبتتين على فريدة، التي وقفت على بُعد خطوات منه، تشد على طاستها التيفال بيدين بيضاوين من فرط الضغط، وكأن هذه الطاسة هي الرابط الوحيد المتبقي لها مع عالمها القديم المستقر.

تقدم الدكتور مجدي بنظاراته الطبية السميكة، ومسح جبهته بوعي قلق. "آدم.. أنا هبدأ بسحب عينة من النخاع الشوكي ومن الدم المكلور. العملية دي مؤلمة جداً لأي كائن حي.. بس هي الطريقة الوحيدة عشان نفهم إزاي جهازك المناعي قدر يروض الفيروس."

أومأ آدم برأسه ببطء شديد، وصدرت منه حشرجة خافتة، كأنه يخبر الطبيب أنه مستعد لتحمل أي شيء. عندما انغرزت الإبرة الضخمة في أسفل ظهره، انتفض جسد آدم العملاق، وتصلبت عضلات رقبه، وبدأت الأوردة الداكنة على وجهه تتضخم وتتحول إلى لون أرجواني قاتم. أطلق زئيراً مكبوماً شق صمت المختبر، زئير حمل أصداء ألم لا يمكن لبشر تحمله.

لم تطق فريدة رؤيته يتعذب؛ اندفعت نحو المقعد رغماً عن تحذيرات الحراس المسلحين، وأمسكت بيده الباردة المتصلبة، وضغطت عليها بكل قوتها. "أنا هنا يا آدم.. أنا معاك.. معلش استحمل عشان خاطري.. عشان نرجع سوا."

بمجرد أن لامست يد فريدة يده، هدأ اضطراب آدم بشكل ملحوظ. ارتخت عضلاته المتشنجة ببطء، وتراجعت الأوردة الغاضبة في وجهه، ونظر إليها بعينين رماديتين استعادتا رقتها العجيبة. ذهل الدكتور مجدي وهو يراقب شاشات المؤشرات الحيوية: "هذا مذهل! الفيروس في جسده يستجيب للحالة العاطفية! هرمونات الأوكسيتوسين والدوبامين التي تفرزها خلايا دماغه عندما يرى الفتاة تعمل ككوابح طبيعية لشراسة الفيروس.. الحب حرفياً هو ما يمنعه من التحول الكامل!"

في تلك اللحظة، وبينما كانت عينات الدم الرمادي والممتزج باللون الأحمر تنساب داخل الأنابيب المعقمة، انفتح باب المختبر الحديدي بعنف. دخل الجنرال طارق، قائد الحامية العسكرية للمركز، برتبته العسكرية الصارمة ووجهه الذي لا يعرف الرحمة.

"دكتور مجدي! انتهى وقت اللعب!" صرخ الجنرال طارق وهو يشير بسلاحه نحو آدم، "هذا المسخ خطر على المركز. القطعان بالخارج بدأت تتجمع بشكل غير مسبوق حول الأسوار، وكأنهم يشمون رائحته أو يستجيبون لندائه. أصدرت أمراً بإعدامه فوراً بعد أخذ العينات.. لا يمكننا الاحتفاظ بوحش داخل حصننا."

صرخت فريدة ووقفت بجسدها الضئيل أمام آدم كدرع: "لأ! هو مش وحش! هو العلاج! لو قتلتوه هتقضوا على آخر أمل للبشرية!"

تراجع الدكتور مجدي للخلف محاولاً التهدئة: "سيادة الجنرال، أرجوك تريث! عينات دم آدم هي المفتاح الوحيد لتركيب المصل. قتله الآن هو انتحار جماعي!"

لكن الجنرال طارق كان يمثل العقلية العسكرية التي أصابها الذعر والشك بعد أشهر من رؤية الموت. "أنا أحمي هذا المكان ومن فيه يا دكتور. هذا الشيء إذا غضب، سيمزقنا جميعاً. جنود! خذوا الفتاة بعيداً، وجهزوا فرقة الإعدام."

تقدم جنديان ضخمان وقبضا على ذراعي فريدة التي بدأت تصرخ وتتلوى مستنجدة. "آدم! لأأأأ! سيبوني!"

هنا، انكسر كل هدوء في الغرفة. تحرك آدم كصاعقة انطلقت من السماء. بضربة واحدة من يده الحرة، حطم الأربطة الحديدية التي تقيد معصمه بالمقعد. وقف بكامل قامته المرعبة، واهتزت أرضية المختبر تحت قدميه. زأر زئيراً تردد صداه في الممرات وتحطمت بسببه بعض الأنابيب الزجاجية القريبة.

في لمحة بصر، اندفع نحو الجنديين اللذين يمسكان بفريدة، وبقوة غاشمة أبعدهما عنها ليرتطما بالجدار ويسقطا فاقدي الوعي. وقف آدم أمام فريدة، وعيناه تشتعلان بنار رمادية مرعبة، ووجهه متشنج بالغضب. وجه نظره نحو الجنرال طارق الذي تراجع برعب ورفع بندقيته الآلية وأطلق دفعة من الرصاص استقرت بالكامل في صدر آدم.

تناثر الدم الرمادي على الأرض، لكن آدم لم يتراجع خطوة واحدة. تقدم نحو الجنرال وأمسك بعنقه ورفعه في الهواء بيد واحدة، كأنه ريشة. بدا الجنرال طارق وهو يختنق كطفل عاجز أمام عملاق.

"آدم.. لأ.. أرجوك بلاش!" صرخت فريدة وهي تتمسك بذراعه المتصلبة، "لو قتلته، الحراس برا هيقتلوه ويقتلونا.. إحنا محتاجينهم عشان نطلع المصل.. أرجوك افتكر إنسانيتك!"

نظر آدم إلى وجه فريدة الباكي. صراع عنيف دار داخل عقله بين غريزة الفتك الزومبية وبين عهد الرحمة الذي قطعه لها. ببطء، أرخى قبضته وألقى بالجنرال أرضاً، يسعل ويلهث بذعر.

التفت الدكتور مجدي بسرعة وقام بإغلاق الأبواب الإلكترونية الثقيلة للمختبر، عازلاً إياهم عن بقية الجنود في الخارج. "الآن نحن في حصار داخلي.. أمامي ساعتان فقط لإنتاج الدفعة الأولى من المصل التجريبي باستخدام أجهزة الطرد المركزي قبل أن يخترق الجنود الباب. فريدة.. ساعديني!"

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

حبيبي المتحول

المؤلف 💛🧡Esraa💛🧡
2026/05/22 مكتملة
قائمة الفصول (14)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة