شفره الامل

شفره الامل

13 0

لم تكن مغادرة المعادي نهاية المطاف، بل كانت بداية رحلة أطول وأكثر مشقة. سارت فريدة وبجوارها آدم الذي كان يتحرك بخطى ثابتة رغماً عن إصاباته التي بدأت تلتئم ببطء غريب ومذهل، وكأن جسده يملك قدرة خارقة على تجديد خلاياه لم تكن موجودة لدى بقية المتحولين.

استقر الاثنان مؤقتاً في مغسلة سيارات مهجورة على أطراف طريق الصعيد الزراعي. بينما كان آدم يراقب الطريق بجسده اليقظ، كانت فريدة تعبث براديو صغير يعمل بالبطاريات وجدته في مكتب المغسلة، تحاول التقاط أي إشارة بشرية وسط الضوضاء الساكنة التي تملأ الأثير.

وفجأة، وسط شوشرة الأمواج، انطلق صوتٌ بشري جهير ونقي، لم يكن صوتاً عشوائياً، بل كان بثاً مسجلاً يتكرر كل بضع دقائق:

"إلى جميع الناجين.. هنا المركز القومي للبحوث الطبية بحلوان.. نكرر.. المركز ما زال قائماً وتحت حراسة مشددة. نجحنا في عزل جينات الفيروس وتحديد الشفرة الأساسية لإنتاج مصل مضاد (علاج فوري). لكننا نحتاج إلى عينة دم من (متحول مستقر) أو ما يُعرف بحالة الصفر.. شخص أصيب بالفيروس ولم يفقد عقله بالكامل. إذا كنت تسمعنا وتملك أي معلومات، توجه إلى حلوان فوراً.. إنقاذ البشرية يبدأ من هنا."

انقطع البث وعادت الشوشرة. اتسعت عينا فريدة بذهول، ونظرت إلى آدم الذي كان يستمع إلى الصوت بعناية.

"آدم.. أنت سمعت ده؟" همست فريدة وصوتها يرتجف من الأمل، "العلاج.. في حلوان. هما بيدوروا عليك أنت! أنت الحالة اللي هتنقذ العالم.. وأنا هساعدك نوصل لهناك."

أمال آدم رأسه ببطء، ولمعت عيناه الرماديتان ببريق لم تره فريدة من قبل.. بريق إنسان يرى باباً للخروج من زنزانة جسده الميت.

كانت المسافة بين المعادي وحلوان مليئة بالكمائن، ليس فقط من الزومبي، بل من جماعات "القطاع" وهم حثالة البشر الذين استغلوا الفوضى لفرض سيطرتهم وسرقة المؤن.

استعانت فريدة بخبرتها في الاختباء، بينما كان آدم يمثل القوة الضاربة الصامتة. في منتصف الطريق، عند منطقة "طُرة"، حوصر الاثنان من قِبل مجموعة من قُطاع الطرق المسلحين بسلاسل حديدية وسكاكين ضخمة.

"شوفوا وقع في إيدنا إيه.. بت مزة ومعاها زومبي أليف!" سخر زعيمهم وهو يتقدم نحو فريدة شاحذاً سكينته.

لم تنتظر فريدة أن يقترب. رفعت طاستها التيفال بكل قوة وضربت بها يد الرجل الأول لتكسر معصمه في حركتها الشهيرة، لكن البقية اندفعوا نحوها. هنا، تدخل الإعصار الرمادي.

اندفع آدم كالفهد، ملقياً بجسده أمام فريدة. تلقى ضربة بسلسلة حديدية على كتفه دون أن يرمش له جفن، وأمسك باثنين من المهاجمين وأطاح برؤوسهم ببعضها ليسقطوا أرضاً في ثوانٍ. خاف البقية وتراجعوا وهم يصرخون: "ده مش زومبي عادي! ده شيطان!"

أمسك آدم بيد فريدة وركضا معاً وسط الشوارع الجانبية لـ "حلوان"، والنداء الإذاعي يتردد في عقل فريدة كمنارة وسط المحيط المظلم.

وصل الاثنان أخيراً إلى مشارف المركز القومي للبحوث في حلوان. كان المبنى محاطاً بأسوار خرسانية ضخمة وأسلاك شائكة، وتقف فوقه أبراج مراقبة بها جنود يرتدون ملابس عسكرية كاملة وأقنعة واقية من الغازات.

أمسكت فريدة بآدم واختبأت خلف سيارة إسعاف محطمة. "آدم.. الجنود دول هيضربوا نار عليك لو شافوك. لازم أدخل أنا الأول وأفهمهم."

هز آدم رأسه برفض قاطع، وأمسك بقميصها برفق. كان يخشى عليها من البشر، فخيانته لهم في المترو كانت ما زالت محفورة في ذاكرته.

"متخافش يا آدم.. أنا هكون كويسة. أنا هروح عشانك.. عشان ترجع لي بني آدم تاني." نظرت في عينيه بثقة، فأرخى قبضته ببطء مستسلماً لرجائها.

خرجت فريدة من خلف السيارة رافعة يديها عالياً وهي تصرخ: "متضربوش نار! أنا ناجية بشرية.. ومعايا اللي بتدوروا عليه! معايا حالة الصفر!"

وجهت كشافات الأبراج الضخمة نحوها فوراً، وصوب الجنود أسلحتهم. خرج ضابط من البوابة الحديدية بحذر وهو يصرخ بمكبر الصوت: "تقدمي ببطء.. وأي حركة غريبة هتموتي!"

الفصل الرابع عشر: خلف الأبواب المغلقة

دخلت فريدة الحصن الطبية بعد أن خضعت لتفتيش دقيق وفحوصات سريعة للتأكد من عدم إصابتها. اقتيدت مباشرة إلى مختبر ضخم تحت الأرض، مليء بالأجهزة الإلكترونية المعقدة والأنابيب الزجاجية.

هناك، التقت بالدكتور "مجدي"، العالم المسؤول عن أبحاث المصل. كان رجلاً خمسينياً يبدو عليه الإرهاق الشديد، لكن عينيه لمعتا بنار الشغف عندما تحدثت فريدة عن آدم.

"أنتي بتقولي إنه بيتحكم في نفسه؟ نطق اسمك؟ بيدافع عنك؟" سأل الدكتور مجدي بذهول وهو يمسك بكتفي فريدة، "هذا مستحيل علمياً إلا إذا كان جهازه المناعي قد صنع طفرة فريدة قامت بترويض الفيروس بدلاً من الاستسلام له!"

"هو برا يا دكتور.. مستني برضا كامل عشان يساعدكم.. بس أرجوك، احميه من الجنود." بكت فريدة مستعطفة.

أومأ الدكتور مجدي سريعاً وأمر رجاله بفتح البوابة الخلفية وإدخال آدم بأمان دون استخدام العنف. وعندما دخل آدم المختبر بجسده الضخم وملامحه الرمادية، تراجع الجنود بخوف، لكن آدم ظل هادئاً، وكانت عيناه تبحثان عن شيء واحد فقط.. فريدة. وعندما رأها آمنة، جلس على مقعد حديدي مخصص للتجارب طواعية، مقدماً ذراعه للدكتور مجدي في مشهد صدم كل العلماء الموجودين

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

حبيبي المتحول

المؤلف 💛🧡Esraa💛🧡
2026/05/22 مكتملة
قائمة الفصول (14)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة