ساد الشقة صمتٌ ثقيل ومفاجئ بعد دوي الطلقة، صمتٌ لم يقطعه سوى صوت سقوط غلاف الرصاصة الفارغ على الأرض الرخامية "ترن.. ترن". سقط المسدس من يد فريدة المرتعشة، وانحنى رأسها على صدر آدم البارد، وهي تجهش ببكاء صامت خاوٍ من الدموع، فقد جفت مآقيها من فرط الصدمة. ياسمين الآن في رقدتها الأخيرة، ملامحها الشرسة ارتخت لتعود إليها مسحة من طيبتها القديمة.
لم يكن هناك وقت للحداد؛ فصوت الرصاصة في هدوء المعادي كان بمثابة جرس عشاء للمتحولين في الشوارع المحيطة. بدأت أصوات الحشرجات والخطوات المتسارعة تقترب من أسفل البناية.
شعر آدم بالخطر. وبالرغم من أن جسده كان يئن تحت وطأة الرصاص والإنهاك، إلا أنه تحرك بآلية سريعة. حمل فريدة التي كانت شبه غائبة عن الوعي بفعل الحمى والانهيار العصبي، وتوجه بها إلى المطبخ. بدأ يفتح الخزائن بيده الضخمة مسبباً جلبة خفيفة، حتى عثر على ما يبحث عنه: علبة إسعافات أولية وشريط مضاد حيوي ومسكنات كانت ياسمين قد احتفظت بها.
وضع العلبة في جيبه، وحمل فريدة مجدداً، ثم خرج من الشقة قبل أن يقتحم القطيع الممر الرئيسي. لم ينزل لأسفل، بل صعد السلالم متوجهاً إلى سطح البناية . كان الباب الحديدي للسطح ثقيلاً، فدفعه آدم بكتفه بقوة حتى انكسر قفله، ثم أغلقه من الداخل وجرّ خلفه خزان مياه قديم ليغلق المنفذ تماماً.
كان السطح عبارة عن حديقة صغيرة منسقة امتلأت بنباتات جافة ومقاعد خشبية مبعثرة. وضع آدم فريدة على أريكة مبطنة تحت مظلة خشبية تقيها ضوء القمر المباشر.
بدأ يفتح علبة الإسعافات. كانت يداه المتصلبتان تتحركان بصعوبة بالغة لتنفيذ مهام تحتاج لدقة بشرية. بجهد جهيد، فتح زجاجة مطهر وسكبها على جرح كتفها. تأوهت فريدة وهي في غيبوبتها، فتمسكت يده بكتفها برفق لتثبيتها. وضع قرص المضاد الحيوي بين شفتيها الجافتين، وسكب قطرات من زجاجة مياه وجدها على الطاولة، حتى ابتلعته غريزياً.
جلس آدم بجوارها على الأرض، مسنداً رأسه الضخم إلى حافة الأريكة. نظر إلى فخذه حيث الرصاصة ما زالت مستقرة، والدم الرمادي يتخثر ببطء. لم يكن يهتم. كان يراقب وتيرة أنفاس فريدة. كلما هدأت أنفاسها قاطعةً لهيب الحمى، كان وجهه يتراخى بنوع من الارتياح الميت.
مع خيوط الفجر الأولى التي بدأت تصبغ سماء القاهرة بلون بنفسجي ساحر، فتحت فريدة عينيها. كانت الحمى قد انكسرت بفضل المضاد الحيوي، وعقلها استعاد صفاءه المرير. نظرت حولها لتجد نفسها على السطح، والسماء مفتوحة فوقها، وأصوات الزومبي في الأسفل تبدو بعيدة وغير قادرة على الوصول إليهم.
التفتت لتجد آدم جالساً في مكانه، وعيناه الرماديتان مثبتتان عليها. كان يبدو أضعف، واللون الداكن للأوردة قد امتد ليصل إلى عنقه، لكن نظرته لم تتغير؛ كانت تفيض بذات الحنان والحماية.
جلست فريدة بصعوبة، وشعرت بتحسن في جسدها بفضل الإسعافات التي قدمها لها. نظرت إلى علبة الدواء المفتوحة بجانبها، ثم إلى يديه الملطختين بالمطهر والدم، واستوعبت ما فعله من أجلها وهي غائبة.
دمعت عيناها مجدداً، لكن هذه المرة كانت دموع امتنان عميق. اقتربت منه، وجلست على الأرض أمامه مباشرة، ممسكة بيديه الباردتين. "شكراً يا آدم.. لأنك منقذي دايماً."
نظر آدم إلى يدها الدافئة التي تحيط بيده. حاول أن يتكلم مجدداً، تحركت شفته السفلى، وخرج صوته هذه المرة أخف وطأة وأكثر عمقاً، كأنه يتمرن على استعادة لغته المفقودة: "فـ.. ريـ.. دة.. أمـ.. ان."
ابتسمت فريدة وسط دموعها، ووضعت يدها على وجنته الشاحبة. "أيوا يا آدم.. إحنا أمان لبعض."
التفت الاثنان لينظرا إلى الأفق. القاهرة، المدينة التي كانت لا تنام، بدت الآن ساكنة، مهجورة، ومدمرة، لكن الشمس كانت تشرق فوقها رغماً عن كل شيء، معلنةً عن يوم جديد.
أدركت فريدة أن العالم القديم قد انتهى بلا عودة، وأن البحث عن "الناجين" قد يقودها إلى بشر أشد وحشية من الزومبي أنفسهم، كما حدث في أنفاق المترو. لكنها نظرت إلى آدم، هذا الكائن الفريد الذي صنع من موته حياة ليحميها، وشعرت أن الأمل لم ينتهِ، بل اتخذ شكلاً آخر.
لم يعودا مجرد "فتاة ومتحول"، بل أصبحا رمزاً لشيء أعمق: انتصار الروح الإنسانية على الفيروس اللعين، وقدرة الحب والوفاء على البقاء حتى لو تلاشت الحياة من العروق.
سحبت فريدة حقيبتها، وأخرجت منها الطاسة التيفال القديمة، ونظرت إليها وضاحكت بخفة، ثم نظرت إلى آدم وقالت بعزم: "يلا يا آدم.. مكاننا مش هنا. لازم نمشي، نلاقي مكان معزول.. مكان نبني فيه حياتنا الخاصة بعيد عن وحوش البشر ووحوش الزومبي. إحنا فريق.. لحد النهاية."
أومأ آدم برأسه، ووقف بجسده العملاق مستنداً على قدمه السليمة، ومد يده إليها لينهضها. ومعاً، تحت أشعة شمس الصباح الجديدة، خطى الاثنان خطواتهما الأولى نحو مستقبل مجهول، يملأه الخطر، لكن يحميه عهدٌ صامد كُتب بالدم فوق حطام العالم.
💛🧡Esraa💛🧡