كان الصمت في السوبرماركت ثقيلاً، لولا صوت قرمشة الشيبسي التي كانت تصدر من فريدة. كانت تأكل وعيناها مثبتتان على "آدم"، الذي كان يقف على بعد خطوتين منها، يراقبها بهدوء غريب. لم يكن يترنح مثل بقية الزومبي الذين رأتها في الشارع، بل كانت وقفته مستقيمة، وإن كانت حركاته بطيئة ومحسوبة.
"بص يا كابتن آدم..." قطعت فريدة الصمت وهي تمسح يدها في بنطالها الرياضي، "أنا مش عارفة أنت فاهمني ولا لأ، بس بما إنك مأكلتنيش، وكمان عزمتني على شيبسي، فإحنا كده بينا عيش وملح.. أو خل وملح عشان نكون دقيقين."
أصدر آدم صوتاً منخفضاً من حنجرته، أشبه بـ "همهمة" موافقة، ومال برأسه قليلاً.
فجأة، تحطم زجاج الباب الخارجي للسوبرماركت.
التفتت فريدة برعب لتجد ثلاثة من "المتحولين" يقتحمون المكان، يبدو أن رائحة الدماء المنتشرة في الشارع أو الأصوات السابقة قد جذبتهم. لم يكونوا بهدوء آدم؛ كانت عيونهم تفيض بالوحشية، وأسنانهم تصطك ببعضها البعض في مشهد يقبض القلوب.
تحركت غريزة البقاء داخل فريدة، تراجعت للخلف وهي تبحث عن مخرج، لكن الممر كان مغلقاً بصناديق الكرتون. في تلك اللحظة، رأت آدم يتحرك بسرعة غير متوقعة. وقف بجسده العريض حائلاً بينها وبين الزومبي المهاجمين.
لم يكن الأمر معركة سينمائية؛ بل كان صراعاً عنيفاً وبائساً من أجل الحماية. اندفع أحد الزومبي نحو آدم، فحاول آدم دفعه بعيداً بقوة. تعارك الاثنان على الأرض، وفريدة تراقب المشهد بأنفاس مقطوعة. رأت زومبي آخر يتسلل من خلف آدم ويتجه نحوها مباشرة.
"مش هكون وجبة انهارده!" هتفت فريدة بصوت مشحون بالخوف والغضب.
أمسكت بالطاسة التيفال بكلتا يديها، وبكل ما أوتيت من قوة وعزم، هبطت بها على رأس الزومبي المهاجم. دوت رنة معدنية قوية في أرجاء المكان "طااااخ"، وسقط الزومبي أرضاً غائباً عن الوعي.
التفتت لتجد آدم قد نجح في إبعاد الآخر، لكنه كان محاصراً من الثالث. بدون تفكير، جرت فريدة وأمسكت بذراع آدم، وسحبته بقوة نحو باب خلفي مكتوب عليه "للموظفين فقط". دخلت ودفعته خلفها، ثم أغلقت الباب الحديدي الثقيل وقامت بقفله بالترباس، لتستند عليه وهي تلهث بشدة.
في الغرفة المظلمة التي تبين أنها مخزن السوبرماركت، كان النفس الوحيد المسموع هو نفس فريدة المتسارع. التفتت لتجد آدم يجلس على الأرض، يسند ظهره إلى صناديق مياه غازية. كان قميصه الكاروهات قد تمزق أكثر، وهناك جرح صغير على كتفه، ليس دماً أحمر، بل سائل داكن يميل للرمادي.
شعرت فريدة بوجع في قلبها. هذا الكائن، الذي يفترض أنه "وحش" بنظر العالم، تلقى ضربات كان من المفترض أن توجّه إليها.
اقتربت منه ببطء، وجثت على ركبتيها أمامه. "أنت كويس؟" سألته بنبرة خافتة خالية من الخوف هذه المرة، بل مليئة بالامتنان.
نظر آدم إلى الجرح في كتفه، ثم نظر إليها. رفع يده ببطء شديد، وأشار بأصبعه الشاحب نحو جبهتها. لمست فريدة جبهتها لتجد قطرات عرق وخربوشاً صغيراً جداً من أثر التعثر.
"أنا كويسة.. ده مجرد خربوش من الأرض، متقلقش ما اتعضيتش"، قالتها بنصف ابتسامة طمأنينة.
امتدت يد آدم ببطء، وتوقفت على بعد سنتيمترات قليلة من وجهها، كأنه يريد أن يمسح عن وجهها آثار الخوف، لكنه تردد، وكأنه يدرك أن برودة يده قد تفزعها، فأعاد يده إلى جانبه. هذا التصرف النبيل والخجول من "زومبي" جعل فريدة تشعر بشيء غريب.. لم يكن حباً، بل كان احتراماً عميقاً وشعوراً بالأمان لم تتخيل قط أن تجده في وسط نهاية العالم.
قضيا الليلة في المخزن. فريدة رتبت لنفسها مكاناً للنوم فوق بعض الكرتونات الورقيه، بينما جلس آدم طوال الليل حارساً خلف الباب، يراقب الممر بعينين لا تنامان.
مع بزوغ أول خيوط الفجر من نافذة المخزن الصغيرة المرتفعة، جلست فريدة تفكر. العيش بمفردها في الشقة يعني الموت ببطء. والخروج للشوارع انتحار. لكن وجود آدم معها يغير المعادلة؛ هو يملك القوة الجسدية والهيبة وسط أبناء فصيلته، وهي تملك العقل والتخطيط والطاسة التيفال.
"بص يا آدم"، قالت وهي تفتح علبة تونة بملعقة معدنية، "إحنا لازم نتحرك. صاحبتي ياسمين ساكنة في المعادي، وكانت قايلة لي في آخر مكالمة إن منطقتهم لسه أمان وفيها لجان شعبية من الشباب. إحنا لازم نوصل هناك. بس المشكلة.. لو شافوك هناك، هيقتلوك قبل ما يسألوا عن بطاقتك."
نظر إليها آدم، ومط شفتيه بطريقة مضحكة كأنه يفكر في معضلة هويته.
ضحكت فريدة خفتة، وكانت هذه أول ضحكة تخرج من قلبها منذ ثلاثة أيام. "لازم نلاقيلك حل.. لازم نغير اللوك ده عشان تبان بني آدم طبيعي، أو على الأقل بني آدم عيان شوية مش ميت بالكامل!"
بدأت ملامح "التحالف" تتشكل بين الفتاة الهاربة والزومبي الحارس، تحالف مبني على حماية متبادلة وصداقة ولدت من رحم أغرب الظروف.
💛🧡Esraa💛🧡