لم يكن البقاء داخل محطة المترو المهجورة خياراً طويلاً. أصوات الحشرجات القادمة من السلالم الخارجية كانت تؤكد أن القطيع بدأ يستعيد توازنه ويبحث عن مصدر الصرخة. نظرت فريدة إلى نفق القطار المظلم الممتد أمامها كحلق وحش أسود، وقالت بصوت متهدج أضعفه الألم: "الأنفاق دي هي طريقنا الوحيد للمعادي يا آدم.. الشوارع فوق بقت جحيم مقفول."
أومأ آدم برأسه ببطء. كان جسده قد استقر نسبيًّا، لكن علامات الإجهاد الفيروسي كانت واضحة عليه. سار أولاً داخل النفق، مشعلاً كشاف هاتف فريدة المحطم الذي كانت شاشته تومض بضعف. الأجواء بالداخل كانت خانقة، رائحة الرطوبة والعفن تمتزج بصمت القبور. كل خطوة كانت تصنع صدى يرتد في أرجاء النفق ليثير الرعب في النفوس.
بعد مشي استمر لأكثر من ساعة، بدأت الحمى تتسلل إلى جسد فريدة. جرح كتفها وكدمة ركبتها بدآ بالالتهاب. تعثرت خطوتها، وسقطت طاستها التيفال من يدها لتحدث رنيناً عالياً في النفق. كادت أن تسقط أرضاً لولا يد آدم التي امتدت كالبرق لتمسك بخصرها وتمنع سقوطها.
"أنا.. أنا مش قادرة يا آدم.." همست فريدة، وشفاها ترتجف من البرد رغم عرق الحمى الساخن الذي يغطي جبهتها. "جسمي بينهار.. مش هقدر أكمل."
نظر آدم إليها عبر الضوء الخافت. رأى وجهها الشاحب وعينيها اللتين بدأتا تفقدان بريقهما المعتاد. دون تردد، وبحركة انسيابية تفيض بالحنان، انحنى ورفعها بين ذراعيه بالكامل. كانت فريدة خفيفة كالريشة بالنسبة لقوته المفرطة. أسندت رأسها المثقل بالحمى على صدره البارد، واستمعت إلى الصمت المطبق حيث كان ينبغي أن يكون هناك ضربات قلب. غابت عن الوعي جزئياً، مستسلمة لبرودته التي كانت في هذه اللحظة تعمل ككمادة طبيعية تخفف من لهيب حماها.
استيقظت فريدة بعد فترة غير محددة من الوقت على صوت ضوضاء غريبة وضوء قوي يسلط على عينيها. لم تكن حشرجات زومبي، بل كانت أصوات بشرية.. أصوات خشنة ومليئة بالذعر والغضب.
"إيه ده؟! زومبي شايل بني آدم؟! اضرب في المليان يا قبطان!" صرخ صوت من بعيد.
"لأأأأ! متضربوش!" صرخت فريدة بكل ما تبقى في حنجرتها من قوة وهي تحاول الالتفات.
لكن الأوان كان قد فات. دوى صوت طلقة نارية من بندقية خرطوش في أرجاء النفق الضيق.
في جزء من الثانية، استدار آدم بجسده بالكامل ليجعل من ظهره درعاً لفريدة. استقرت الطلقة في ظهره وجانبه بقوة هائلة جعلته يترنح ويصدر آهة ألم مكتومة وعميقة. سقط الاثنان أرضاً، واندفعت فريدة زاحفة لتضع جسدها أمام آدم المستلقي على ركبتيه، رافعة يديها المرتعشتين بأعلى صوت: "أرجوكم متضربوش! ده مش وحش! ده أنقذ حياتي!"
من خلف حاجز من الصناديق الحديدية عند مدخل محطة "الملك الصالح"، ظهر ثلاثة رجال مسلحين ببنادق آلية وخرطوش. كانت وجوههم قاسية، ملامحهم مشوهة بالخوف والأنانية التي تصنعها الحروب.
"أنتي اتجننتي يا بت؟!" قال زعيمهم، وهو رجل ضخم الجثة يرتدي سترة عسكرية ممزقة، "ده ميت! ده مسخ! باين في عينيه وجرحه.. وسعي من قدامه عشان نخلص عليه قبل ما يعضك!"
"مش هوسع!" بكت فريدة بحرقة، وهي تتمسك بقميص آدم الملطخ بدمائه الرمادية والآن بدمائه الحمراء الممتزجة بالخرطوش. "البشر برا سابوني أموت.. والبشر في صلاح سالم سحقوا عربيتنا.. المسخ ده هو الوحيد اللي حماني! هو بني آدم أكتر منكم كلكم!"
لم يكن لدى الرجال أي مجال للمشاعر أو التصديق. تراجع الزعيم خطوة، ورفع بندقيته ببرود صامتاً: "لو مش هتلحيق نفسك، هتموتي معاه. عاصم.. اخلص منهم هما الاتنين."
تحرك "عاصم" ليرفع سلاحه، لكن في تلك اللحظة الحرجة، شعر آدم أن حياة فريدة في خطر حقيقي من بني جنسها. تحركت داخله غريزة الـمتحولين مجدداً، ليس ليفترس، بل ليبيد من يحاول لمسها.
بسرعة خارقة تفوق استيعاب البشر، اندفع آدم من وراء فريدة. قبل أن يتمكن عاصم من الضغط على الزناد، كان آدم قد أمسك بماسورة البندقية بيده العارية ولواها كأنها قطعة معجون، ثم وجه ضربة بقبضته أطاحت بالرجل أمتاراً ليرتطم بالجدار ويسقط مغشياً عليه.
الرجل الثالث أطلق النار بغباء، فاستقرت رصاصة في فخذ آدم. لم يتأثر آدم بالألم الجسدي، بل اندفع نحو الزعيم وأمسكه من عنقه ورفعه في الهواء. كانت عينا آدم قد تحولتا إلى اللون الرمادي القاتم، وعضلات وجهه تنبض برغبة عارمة في تمزيق حنجرة هذا الرجل الذي تجرأ وهدد فريدة.
"آدم.. لأ.. بلاش تموته.." جاء صوت فريدة باهتًا، ضعيفاً، وهي تزحف نحوه وتتمسك بقدمه. "لو قتلته.. هتكون زي ما هما فاكرين.. متضيعش إنسانيتك عشانهم.. أرجوك."
توقف آدم في مكانه والزعيم يختنق بين يديه ووجهه يتحول للأزرق. التفت آدم ليرى فريدة تسقط على الأرض من فرط الإعياء، ودموعها تترجاها.
نظر إلى الرجل الذي بين يديه، ثم نظر إلى فريدة. أطلق زفيراً حاداً، وبحركة عنيفة ألقى بالزعيم أرضاً ليتنفس بلهفة وذعر، دون أن يقتله. التفت آدم بالكامل نحو فريدة، وانحنى ليحملها مجدداً، مديراً ظهره للرجال المسلحين الذين كانوا يرتجفون رعباً من كائن يملك القوة لقتلهم، لكنه اختار الرحمة من أجل فتاة.
مشى آدم بخطوات متثاقلة داخل النفق مبتعداً عن المحطة. كانت الطلقات والكسور في جسده تجعل حركته بطيئة، والدم الرمادي يقطر خلفه على قضبان المترو.
عندما تأكد أنهم ابتعدوا تماماً، وضع فريدة برفق على مقعد إسمنتي قديم مخصص للركاب في ممر جانبي مظلم.
فتحت فريدة عينيها بضعف. رأت الدماء تغطي جسده، ورأت الرصاصة المستقرة في فخذه. رفعت يدها الواهية ولمست وجهه، وانفجرت في بكاء مرير، بكاء مخلوط بالذنب والحزن. "أنا أسفة يا آدم.. البشر هما اللي آذوك.. مش الزومبي. أنا السبب.. أنا اللي جرتك للطريق ده."
آدم لم ينظر إلى جراحه. بدلاً من ذلك، جثا على ركبتيه أمامها ليكون في مستوى عينيها. رفع يده الشاحبة الملطخة بالدماء، وبأصابعه الباردة، بدأ يربت على رأسها بخفة شديدة، كأنه يهدئ من روع طفلة صغيرة.
ثم، ولأول مرة منذ لقائهما، فتح آدم فمه وحاول إخراج صوت. لم يكن زئيراً، ولم يكن حشرجة. كان صوتاً خشناً، متقطعاً، يخرج من حنجرة ميتة تقاوم العدم لتقول شيئاً واحداً.
"فـ.. ريـ.. دة.." نطق اسمها بصعوبة بالغة، كأنه يقطع جبالاً من الصمت. "أنا.. مـ.. عاكِ."
توقفت أنفاس فريدة. اتسعت عيناها بذهول والصدمة شلت جسدها، ثم ارتمت في أحضانه مجدداً، وبكت بكاءً لم تبكه من قبل. نطق اسمها. الفيروس لم يلمس عقله بالكامل؛ الحب والخوف عليها أعادا له صوته المفقود.
وسط ظلام أنفاق القاهرة، وجراح الرصاص، وحمى الموت، كانت فريدة تدرك أن هذا "المسخ" الرمادي هو المخلوق الأكثر طهراً وإنسانية في عالم امتلأ بالوحوش الحية والميتة على حد سواء. تمسكت به بقوة، هامسة: "وأنا معاك يا آدم.. لحد آخر نفس."
💛🧡Esraa💛🧡