" شرارة في الظلام"
ليلة ثقيلة من ليالي اليمامة، السماء محجوبة بسحب داكنة والبرد يعضّ أطراف الناس. أزقة السوق القديمة مظلمة إلا من مشاعل متفرقة وخشب مشتعل على أطراف الطريق، حولها التف بعض الرجال والنساء والأطفال يبحثون عن الدفء. رائحة الدخان تختلط مع العرق والغبار، وجوه شاحبة وعيون منهكة تروي حكاية جوع وقهر طويل.
في زاوية السوق، ظهر رجل غريب. قميص بسيط بلون داكن، بنطال بالٍ، شال أسود يلتف بإحكام حول رأسه ليخفي ملامحه، ولا يظهر إلا عينان تلمعان كشرارة في الظلام. كان هو سليمان، متنكرًا في زي الثائر الغامض. سار بخطوات واثقة بين الناس، لا يعلو صوته في البداية، بل بدأ حديثه همسًا، حتى التفّ حوله من اقترب ليسمع.
سليمان:
—إلى متى ستُسحقون تحت أقدام بلال ورجاله؟ إلى متى تتركون أعناقكم لهم، ينهبون خبزكم ودماءكم؟
تردّد صدى كلماته في الأذهان أكثر مما تردّد في المكان. ارتفعت بعض الرؤوس بذهول، كأنهم يسمعون للمرة الأولى صوتًا يجرؤ على النطق باسم بلال علنًا.
رجل مسن، صوته مرتجف
لا تذكر اسمه… جنوده في كل مكان، إذا سمعوك، قتلوك وقتلونا معك.
اقترب سليمان أكثر، نظر في عيون الرجل مباشرة، ثم رفع صوته خطوة بخطوة حتى علا على صمت المكان:
سليمان:
—ومن مات صامتًا مات مرتين! مرة جوعًا ومرة قهرًا! أما من قاوم، فإن مات جسده، عاش اسمه في ذاكرة الأحرار. أتخافون الموت؟ الموت قادم على كل حال، لكن الذلّ لا يليق بأبناء اليمامة.
ساد صمت ثقيل، ثم تحركت امرأة شابة تحمل طفلًا هزيلاً على ذراعها، عيناها يملؤهما يأس ممزوج برجاء:
المرأة:
—نريد من يقودنا… من يحمينا من بطشه. هل ستتركنا وحدنا مثل كل من وعدونا؟
رمقها سليمان طويلاً، وصوته اكتسب قوة لم يعهدوها:
سليمان:
—أنا لستُ قائدًا، ولستُ ملكًا، أنا واحد منكم. لكني أقسم أني لن أترككم وحدكم. أنتم القوة، أنتم السلاح. إذا اجتمع صوتكم،وإذا اشتبكت ايديكم، فلن تبقى عروش الطغاة صامدة.
بدأت الهمسات تتحول إلى تمتمات، ثم إلى صيحات صغيرة، حتى صارت أصواتًا عالية تردد:
الحشد:
—لن نخضع… لن نخضع بعد الآن… يسقط بلال وأعوانه!
أصوات الأقدام تدق الأرض، أيادي ترتفع في الهواء، نار الحماس تتسع. الأطفال يبتسمون رغم جوعهم، النساء تذرف الدموع، والرجال يشدون قبضاتهم بقوة لم يعرفوها منذ سنين.
وسط هذا الحشد الملتهب، وقف سليمان شامخًا، ينظر إلى العيون كأنه يزرع فيها بذورًا جديدة، بذور ثورة لن تنطفئ.
سليمان:
—اجعلوا ليلكم هذا هو بداية، لا نهاية. تذكروا دائمًا، الحق أقوى من الظلم، والشعب أعظم من كل سلطان.
اهتز السوق بأكمله على وقع صيحاتهم، وانتشرت في الأزقة أصوات الترديد حتى من لم يكن حاضرًا شعر بالشرارة. وبينما تضج الحناجر، انسحب سليمان بهدوء كما جاء، يذوب بين الظلال ويختفي عن الأنظار كعادته، تاركًا خلفه نارًا تتقد في القلوب… نارًا لا تُطفئها جيوش بلال ولا صراخه وفي طرف السوق، بعيدًا عن أعين العامة، كان هناك رجل بملابس متسخة يراقب من بين الحشد بعين مرتابة. لم يكن سوى أحد جواسيس بلال، الذي تحرّك مسرعًا بعد أن التقط ما يكفي من الكلمات ليحملها إلى سيده.
"اعتراف القلب"
جلس عمار في غرفته الصغيرة داخل منزل والده. كانت الشموع الموزعة على الطاولة الخشبية تتراقص بلهيبها، ترسل ظلالًا مرتجفة على الجدران الطينية. نافذته المطلة على حديقة صغيرة بدت صامتة إلا من حفيف الأشجار الذي يذكره بخطواتها، وصوتها حين ضحكت بجانبه في حدائق القصر.
جلس مطرقًا، يداه متشابكتان، وصدره مثقل بما لم يجرؤ أن يبوح به. كلما أغمض عينيه، رأى وجهها يبتسم له، وصوتها ينساب في ذاكرته.
انفتح باب الغرفة ببطء، ودخل والده، رجل في الخمسينات، ذو لحية قصيرة وملامح صارمة ولكنها تحمل دفئًا أبويًا لا يخفى.
الوالد:
—ما بكَ يا بني؟ أراك شاردًا منذ أيام، كأنك تحيا في عالم آخر.
رفع عمار رأسه ببطء، تردّد قليلًا قبل أن يتكلم، ثم تنفّس بعمق، كأن الكلمات تقاوم الخروج:
—أبي… لقد حاولت أن أخفي الأمر عنك، لكن قلبي لم يعد يحتمل الصمت. إنها سهام… ابنة تلك العائلة التي جمعتنا بهم الظروف. لا أدري كيف أو متى، لكن مشاعري تجاهها صارت أكبر من أن أخفيها.
اقترب والده، جلس بجانبه، يضع يده على كتفه بحنان:
—وهل صارحتها بشيء؟
عمار:
—لا… لم أجرؤ بعد. لكنني أشعر أنني أعيش معها حتى حين لا تكون بقربي. هي نقاء وسط كل هذا الاضطراب، أمان في زمن ضائع.
ابتسم الوالد، نظراته جمعت بين دهشة وطمأنينة، ثم قال بصوت هادئ:
—الحب يا بني ليس خطيئة، لكنه طريق طويل مليء بالتحديات. المهم أن يكون قلبك صادقًا، وأن تحسن اختيار وقتك وكلماتك. أما عني… فلست ضدك. إن كانت هي من اختارها قلبك، فاسعَ إليها بشرف، وليكن صدقك سلاحك.
اغرورقت عينا عمار بالدموع، وكأن حملاً ثقيلاً انزاح عن صدره. أمسك بيد والده شاكرًا، وعيناه تتلألأ بالأمل:
—أعدك يا أبي، إن حانت اللحظة، سأصارحها… وأترك لها حرية أن تختار.
أومأ الوالد برأسه مبتسمًا، ثم غادر الغرفة في صمت، تاركًا ابنه غارقًا بين شعور جديد يملأه دفئًا، وأحلام لم يجرؤ بعد أن يخطو نحوها.
"هواجس لا ترحل"
في جناحه الواسع بقصر اليمامة، جلس بلال متكئًا على أريكته المزخرفة، أنفاسه متقطعة وصدره يعلو ويهبط باضطراب. الليل ساكن، والشموع المعلقة على الجدران تذوب ببطء، تبعث ظلالًا ترتعش فوق السقف وكأنها أطياف تحيط به من كل صوب. فجأة، دوّى سعاله العنيف، فارتجفت جدران القاعة من شدته. رفع يده المرتعشة وهو يلهث:
—ماء… ماء بسرعة…
أسرع أحد الخدم الشبان بخوف، يحمل كأسًا فضيًا مليئًا بالماء، وانحنى أمام سيده. أمسك بلال الكأس بارتعاش، وما إن رفع عينيه لوجه الخادم حتى تجمّد… لقد رأى وجه سليمان يحدّق به بثبات وعينان حاده، وبابتسامة باردة تهز كيانه.
اهتز الكأس في يده حتى انسكب بعض الماء على ثوبه، وارتجفت شفتاه:
بلال:
—سليمان… أنت هنا! لا… مستحيل…أأنت ثانياً
تراجع الخادم مذهولًا، لم يفهم ما يجري، أما بلال فقد أسقط الكأس من يده وهو يلهث بجنون. رفع رأسه نحو السقف، صوته يتشقق بين الخوف واليقين:
بلال:
—يلاحقني… في صحوي وفي منامي… حتى الماء صار مرآة لوجهه!
انحنى الخدم جميعًا بارتباك، ترددوا في التدخل، قبل أن يُفتح باب الجناح فجأة ويدخل الحارس الشخصي لبلال، بخطوات ثابتة ووجه مغطى بظل الهيبة. اقترب بسرعة، وجلس بجانبه، صوته هادئ عميق:
سليمان (وهو متخفيًا في هيئة الحارس الشخصي):
—مولاي… اهدأ قليلًا. لقد جئتك حال سماعي صوتك. ما الذي حدث مرة أخري؟
أمسك بلال بيد الحارس بقوة كالغريق المتشبث بخشبة نجاة، عيناه تتسعان بهوس:
بلال:
—كان هنا… أمامي، وجها لوجه! رأيت سليمان… لا يمكن أن يكون وهمًا… لقد عاد ليقتص مني!
نظر الحارس في عينيه بثبات، كأنه يزن كل كلمة:
سليمان (متخفيًا):
—سليمان؟! هذا اسم يتكرر على لسانك كثيرًا يا مولاي في الايام القليله الماضيه… ما الذي يجعلك بهذه الريبة؟ أهو طيف ماضٍ يلاحقك؟ أم أن قلبك لا يهدأ من ذكره؟ من هو سليمان هذا؟
ارتجف بلال أكثر، عيناه تبحثان عن إجابة في الهواء، وكأنه يخشى الاعتراف. صوته خرج متقطعًا، ممزوجًا بالخوف:
—هو ليس ماضيًا… إنه حاضر يطاردني… لو كان طيفًا لانتهى مع أول صرخة! لكنني أشعر به… قريبًا… أقرب من أي وقت مضى…
ابتسم الحارس بخفوت، ابتسامة لم يلتقطها بلال، كأنها إقرار خفي بالحقيقة. وضع يده على كتف الملك المرتجف وقال بوقار:
—اطمئن يا مولاي، فأنا إلى جانبك دومًا، أسبقك بخطوة وأحميك من كل خطر… لكن صدقني، لا سلطان للطيف على من لا يخشاه.
هدأت أنفاس بلال قليلًا، لكنه ظل يردد بصوت مضطرب وهو يضغط على صدغيه:
—سليمان كان هنا… أنا رأيته… بعيني رأيته!
بينما عيني الحارس تتوهجان تحت الظل، يراقبه بصمت… بين حقد مكتوم ووعد لم يحن وقته بعد.
"رسائل الظل"
قصر النور، أروقة عظيمة يكسوها الصمت الموحش، والمشاعل المعلقة على الجدران تنثر ضوءًا أصفر شاحبًا يكاد يذوب في ظلال المكان. في جناحه الخاص جلس الملك فهد على كرسيه العريض، أمام طاولة خشبية ثقيلة تعلوها خرائط ولفائف، وعيناه تتأملان نقطة غامضة كأنها ليست أمامه بل في داخله. دخل معوض، مساعده وموضع سرّه، بخطوات هادئة، وانحنى باحترام.
فهد:
—اقترب يا معوض، هذه الليلة أثقل من غيرها وأريد أن أفرغ بعض ما يشتعل في صدري.
معوض:
—أنا بين يديك يا مولاي، كل ما تقوله أمانة عندي.
فهد:
—أريدك أن تحمل رسالة إلى راجح. أخبره أن بلال لم يعد يراه إلا عثرة في طريقه، وأنه يخطط للتخلص منه عاجلًا أو آجلًا. اجعل كلماتك كالسيف، تُشعل قلبه وتوقظ غريزته كي يسبق بلال قبل أن ينقض عليه.
معوض بتردد:
—هل تحذّره من أجل بقائه؟
فهد ابتسم ابتسامة باردة، تتسع عيناه فيها بلمعان خبيث.
فهد:
—لا يا معوض… أنا لسُت هنا لأحمي راجح، فليحترق هو وبلال في نار واحدة. أنا فقط أريد أن أشعل بينهما الفتنة، ليتصادم الوحشان ويفني أحدهما الآخر، وحينها ستخلو الساحة لمن يعرف كيف يقطف الثمار وليفوز صديقي بعرشه الذي سلب منه غدرا من جديد
معوض:
—حسنا يا مولاي سأجعل الرسالة سيفًا يغرس الشك في قلبه، وسأضمن وصولها بشخصي إليه دون تأخير
فهد:
—هذا ما أريده. والآن… ماذا عن أحوال المملكة؟ ما أخبار الأسواق؟ هل لا يزال التجار يتذمرون انا لا اريد احد من مملكتي يعاني يا معوض لا شعب ولا تجار
معوض وهو ينحني قليلا :
—لا تقلق يا مولاي، كل شئ يسير على مايرام لا تخشي شيئا، شعبك يهتف بأسمك دائما ويردد افضالك
فهد أغمض عينيه، ثم مال برأسه إلى الخلف، وصوت ابتسامة ساخرة ينساب من بين شفتيه.
سكت لحظة، ثم انحنى بجسده إلى الأمام وصوته تغير فجأة، خرج دافئًا مشوبًا بالشجن.
فهد:
—وأخبرني… ماذا عن ليث؟
ارتبك معوض، فقد تعود أن يرى صرامة مولاه، لا تلك اللهفة الخفية التي تفضح ما يخفيه.
معوض:
—ليث بخير يا مولاي. شجاع بين جنودك، مخلص، يثبت يومًا بعد يوم أنه مختلف.
فهد يضع كفه على صدره، يتنهد، وصوته يرتعش قليلًا:
—ليث… آه يا معوض، هو دمي ولحمي، وريثي الشرعي، ولا يعلم! يظن نفسه جنديًا من جنود المملكة، بينما هو الامتداد الحقيقي لعرشي واسمي اريد ان اخذه بين احضاني واقول له الحقيقه كاملا ولكني اخشي عليه من الأعداء... قولي لي ماذا عن قلبه؟
معوض:
—لكنه يا مولاي يثبت أنه يستحق المكانة التي أعددتها له، حتى وهو يجهل أصله ولا تقلق عليه فا هو دائما في حماية الله ثم انا وسموك إيضا وعن قلبه... صمت معوض لحظه ثم ابتسم وقال...انه خفق بالفعل ولكن لفتاة من العامه ولكنها ليست غريبا عن هذا القصر الأن انها سهام شقيقه المحاربه غفران
فهد يرفع رأسه نحو السقف، عيناه تلمعان بدموع حُبست طويلًا:
—حسنا انه اختيار جيد انهم فتاتان شجعان... ليته يعرف… ليته يعلم أنني لست سيده فحسب، بل والده. سيأتي اليوم الذي أنطق فيه بالحقيقة كاملة، وأضع التاج على رأسه كما يجب ولكن السؤال هنا هل سيغفر لي هذا ان عرف؟
ثم استعاد صرامته فجأة، ورفع يده كأنما يقطع على نفسه عهدًا:
—اهتم بأمر الرسالة أولًا، ولا تغفل عن ليث. أريد أن أعرف كل ما يخصه، كل خطوة يخطوها، كل كلمة يقولها، كل نظرة في عينيه.
معوض:
—أمرك يا مولاي، سيكون كما تشاء.
غادر معوض، وبقي فهد وحيدًا في جناحه، عيناه معلقتان بفراغ بعيد، كأنه يرى فيه وجه ابنه الذي لا يعرف الحقيقة بعد، قلبه ممزق بين دهاء الملوك ولهفة الآباء. لقد حرم نفسه من متعه الابوه وحرم ابنه من رفاهية القصر خوفا عليه.
"نبوءة في الكوخ"
كوخ صغير على أطراف الغابة، تملؤه رائحة البخور، ولهيب الشموع يرقص على الجدران الخشبية. جلست كارمن على الأرض، وأمامها كرتها البلورية، وفي يدها عصا عتيقة محفور عليها رموز قديمة.
كارمن ( تغمض عينيها، بصوت متقطع يشبه النداء):
—أرى ملكًا يترنح… بلال… جسده يضعف وروحه ترتجف، كأن أشباح الليل تطارده. كلما نظر في وجه، لاح له ظل سليمان، فينهار قلبه رهبة.
تضع يدها على البلورة، فيظهر ضوء خافت يتحرك بداخله.
كارمن:
—سليمان… رجل ذو وجوه كثيرة… حارسًا حينًا، ثائرًا حينًا آخره، وظلًا يختفي في الدخان. لا يقاتل بالسيف، بل بالخوف، يزرع الرعب في قلب بلال، ويزرع الأمل في قلوب العامة.
تتنهد، ثم تبتسم ابتسامة بطيئة، عينها تلمع بنبوءة.
كارمن:
—أما فهد… فشغفه لا يخفى عن عينيّ. قلبه ليس في ملكه، بل في وريثه الذي لم يُعلن بعد. ليث… نعم، ليث هو النور القادم من بين الرماد. فهد يشتعل شوقًا إلى لحظة يكشف فيها عن سره… ابنه… وريثه الشرعي.
تأخذ نفسًا عميقًا، وترفع عصاها للسماء، وكأنها تخاطب الغيب.
كارمن:
—الخوف… الشغف… والأمل… ثلاثة خيوط تتشابك، وحين يجتمعون في عقدة واحدة… ستنفجر العاصفة. وما سيأتي… أعظم مما يتوقعون.
تُطفئ إحدى الشموع فجأة، فيسود الكوخ ظلام غامض، ولا يبقى سوى صوتها العميق المتردد في المكان.
"لهفة القلب"
في ركنٍ هادئ من حدائق قصر النور، جلست غفران على مقعد حجري يطل على نافورة تتدفق منها المياه برفق، والليل يكسو المكان بضياء القمر الخافت. يدها امتدت تلامس سطح الماء، وعيناها شاردتان في البعيد، كأنها تبحث عن طيفٍ مفقود.
غفران:
—ليتني أراه الآن… ولو لبرهة… أيغيب عني وهو ما زال يسكن كل نبضة في صدري؟ كأن قلبي لا يهدأ إلا حين يطل عليّ بوجهه.
تخفض رأسها، وتضم يديها إلى صدرها، وكأنها تحتضن ذكرى لا تفارقها.
غفران:
—أشتاق إليه شوق العطشان إلى الماء… أشتاق كأن بيني وبينه ألف جدار، ومع ذلك أشعر به… كأنه قريب… يسمع ندائي، ويرى ارتجاف قلبي.
رفعت عينيها إلى السماء، حيث القمر معلق بين السحب، والدموع تعانق بريقه.
غفران:
—سليمان… أم نصر الدين… أيًّا يكن اسمك… أنت روحي. أتعرف كم عانيت من وحدتي؟ كم بكيت وأنا أبحث عن طيفك في وجوه المارين؟ أرجوك لا تتركني بين خوفٍ وأمل، كن بجانبي… ولو خفية كما اعتدت.
هبت نسمة ليل باردة، حركت أطراف شعرها الطويل، فغمضت عينيها كأنها تتخيل أن يده تمر بجانبها. قامت ببطء، وسارت بين الأشجار، وصوتها خرج خافتًا متقطعًا بالدموع.
غفران:
—إن كان قدري أن أحبك في الخفاء… فلن أهرب من قدري. وإن كان لقاؤنا مستحيلاً… فدعني أراك في أحلامي، وفي يقظتي، وفي كل لحظة أتنفس فيها.
رفعت يديها نحو السماء، والدموع تسيل على وجنتيها.
غفران:
– يارب… أعده إليّ… سليمان هو عمري.
ساد الصمت، ولم يبقَ إلا خرير الماء في النافورة، كأنه يردد صدى كلماتها في جنبات قصر النور.
"صدى الرسالة"
في كوخٍ معزول على أطراف مملكة النور، يختبئ بين أشجار كثيفة كأنها تحرسه من أعين المتطفلين، جلس راجح على مقعد خشبي عريض أمام طاولة متشققة الأطراف، وإلى جانبه فانوس يتراقص ضوءه في العتمة. الهواء البارد يتسلل من شقوق الجدران، يزيد من حدة التوتر الذي يملأ المكان.
دخل معوض بخطوات محسوبة، يحمل في يده رسالة مطوية بعناية، وعيناه لا تفارقان ملامح راجح.
معوض:
—أيها القائد راجح وصلتك هذه الرسالة من النور، من مولاي الملك فهد
مدّ يده بالرسالة. أخذها راجح بسرعة كمن ينتظر شيئًا يثير قلقه منذ زمن. فكّ ختمها بخنجره، وما إن بدأت عيناه تتنقلان بين السطور حتى تغير وجهه: أولًا دهشة، ثم عبوس، ثم احمرار عينيه كالجمر المشتعل.
راجح:
—غدر؟! بلال… يخونني؟! أيتآمر عليّ في الظلام، ويظنني أعمى؟
نهض واقفًا، يده ترتجف وهي تقبض على الورقة حتى كادت أن تتمزق، وصوته ارتفع كالرعد داخل الكوخ الضيق.
راجح:
—فهد… لم يرسلها رحمة بي، لكنه… لكنه قد كشف ما كان في صدري من ريبة منذ زمن.
بدأ يتجول في الكوخ الضيق ذهابًا وإيابًا، حذاؤه يدق على الأرضية الخشبية كطبول حرب، ثم توقف فجأة أمام النافذة الصغيرة المكسوة بالغبار، نظر منها إلى ظلام الغابة، وكأنه يحدث نفسه أكثر مما يحدث معوض.
راجح:
—وإن كان فهد صادقًا… وإن كان بلال قد ينصب لي فخاً… فلن أنتظر حتى يسدد طعنته. سأكون أنا الأسبق… أنا من يغرس الخنجر في صدره اولأ
اقترب منه معوض قليلًا، صوته منخفض لكنه واضح:
معوض:
—ربما أراد الملك في رسالته نذير صدق واظهر حسن نيته،فأنت تعلم أنك من رجاله القداميَ
التفت راجح إليه، عيناه جمرتان متوهجتان، ثم ضرب بقبضته على الطاولة الخشبية فارتج الكوخ كله.
راجح:
—بلال لن يهنأ طويلًا… سأجعله يتذوق طعم الخيانة بيديّ، وأقسم أن يكون صراعه الأخير على يديّ أنا، لا على يد غيري.
سكت قليلًا، ثم جلس من جديد، يضع الرسالة أمامه على الطاولة، أوراقها ترتجف مع أنفاسه الثقيلة. رفع عينيه إلى اللهب المتراقص من الفانوس، وهمس كمن يقطع عهدًا لنفسه:
راجح:
—إن كانت حربًا… فلْتشتعل إذن.
وبقي صوت الريح يصفر حول الكوخ كأنه يردد كلماته، يعلن أن عاصفة الصراع تقترب ليرحل معوض تاركا خلفه راجح يشتعل غضبا
"النداء الغامض"
أضواء المشاعل تترنح على الجدران المرصعة بالنقوش القديمة. بلال يجلس على عرشه يضع يده على صدره المتعب، والسعال لا يفارقه. الحرس مصطفون على الجانبين، وصمت ثقيل يسيطر على القاعة.
سليمان، في زي الحارس الغامض، يقف على مقربة، عينيه نصف مغطاة بالخوذة، وصوته لا يخرج إلا عند الضرورة.
بلال بصوت مبحوح وهو يحدق فيه طويلاً:
—أنت… وجهك غامض أكثر من اللازم. كل من حولي يكشفون هويتهم إلا أنت. اقترب… أريد أن أرى وجهك.
يتحرك سليمان ببطء، ينحني قليلاً احترامًا زائفاً، ثم يرفع رأسه وهو ثابت:
– مولاي… وجهي ليس ما سيحميك، إنما سيفي وولائي.
بلال بحدة:
—لا تتهرب… أكشف عن وجهك الآن.
يعلو التوتر بين الحرس، الأنفاس تنحبس، والعيون تتنقل بين السيد والحارس الغريب. سليمان يخطو خطوة أقرب، لكن صوته يأتي هادئًا واثقًا:
—ليس الآن يا مولاي. أرجوك أن تحترم رغبتي… لن أكشف عن وجهي إلا حين أرغب أنا في ذلك.
بلال بغضب:
—ومن أنت لتضع شروطك أمامي؟
سليمان ينحني قليلًا، نبرة صوته تنضح بالثقة:
—أنا من جعلتك تشعر بالأمان في أكثر لحظاتك ضعفًا… أنا الذي وقفت بينك وبين خنجر كان يمكن أن يغدر بك… أنا ظلّك يا مولاي، وظلّ الرجل لا يُرى إلا في وقته.
يسكت لحظة، ثم يرفع عينيه بثبات نحو بلال:
—أعدك… قريبًا جدًا سترى وجهي. لكن دعني أختار اللحظة، لأنك حين تراها… لن تنساها أبدًا.
بلال يشيح بيده بعصبية، يتنفس بعمق محاولًا كبح غضبه.
—حسناً، اذهب… ولكن اعلم أني لن أصبر طويلًا.
سليمان ينحني باحترام، يبتعد بهدوء وسط صمت الحرس. عيناه من خلف الخوذة تلمعان بدهاء، كأنه خرج للتو من كمينٍ خطير، لكنه لا يزال ممسكًا بخيوط اللعبة.
Heba Nabil