الفصل الثالث والعشرون

الفصل الثالث والعشرون

19 0

"جراح القصر"

مع بزوغ شمس الصباح، بدا قصر النور وكأنه شيخٌ خرج لتوّه من معركة طويلة، جدرانه مكسوّة بآثار الدخان، شرفاته تحمل بقع الدم، وأروقته تشهد على ليلة لم ينم فيها أحد. كان الجنود ينتشرون في الساحات، بعضهم يرفع الجثث الملفوفة في أقمشة بيضاء، وآخرون يجرّون بالمصابين على نقالات خشبية، فيما الحكماء يركضون بين الجناح الطبي والمعسكرات المؤقتة.

رائحة الحديد والدم ما زالت عالقة في الهواء، كأنها ترفض الرحيل. أصوات أنين الجرحى تتداخل مع صرخات القادة الذين يوزعون الأوامر لإعادة النظام. ورغم الفوضى، كان في العيون بريق غريب، خليط من الخوف والفخر، فقد صمدوا ولم يسقط القصر.

في البهو الكبير اجتمع الملك فهد مع كبار قادته، ومعه سليمان (نصر الدين) ونزار. كان فهد واقفً شامخًا رغم الإرهاق، عينيه تتنقلان بين وجوه رجاله، بينما صوته خرج عميقًا وحازمًا:

– ما حدث بالأمس لن يمر مرور الكرام. أرادوا أن يزرعوا الرعب في قلوبنا، لكننا سنجعل من هذا الهجوم بداية عهدٍ جديد من القوة.

رفع أحد القادة رأسه وقال:

– مولاي، الجنود تعبوا، والمعسكرات امتلأت بالمصابين. نحن بحاجة لإعادة التنظيم فورًا، فالهجوم لم يكن عابرًا… وراءه عقل يخطط.

رد فهد وهو يضرب بقبضته على الطاولة:

– أعرف ذلك جيدًا. وراءه يدٌ سوداء لن أتركها تعبث بأرضي. لكننا لن نركض خلف الظلال، نحن من سيجرّهم إلى الضوء.

ظل سليمان واقفًا، ذراعه معقودتان وصدره يعلو وينخفض بغضبٍ مكبوت. لم يكن حاضرًا كقائد فقط، بل كملك في داخله يشتعل غضبًا  رفع رأسه فجأة وقال بصوتٍ ثابت:

– يا مولاي… إن أردنا أن نواجه هذا العدو، فعلينا أن نفعل ما لم يتوقعه. علينا أن نضربه من حيث لا يرانا، وأن نسبقه بخطوة.

التفتت كل الأنظار نحوه. كان نزار يقف بجانبه، وابتسامة خفيفة ارتسمت على وجهه وكأنه يعرف أن سيده بدأ يتحدث بلسان الملوك لا بلسان القادة.

قال فهد وهو يحدق فيه مطولًا:

– وأين ترى تلك الخطوة يا نصر الدين؟

صمت سليمان للحظة، عيناه تتذكران ما أخبرته به كارمن، وما رآه في عيون غفران وهي تنزف: أنّ المعركة الحقيقية لم تبدأ بعد. ثم أجاب:

– في عقر دار العدو… اليمامة.

ارتج القاعة بالهمسات. بعض القادة صدموا من الفكرة، وآخرون نظروا بدهشة إلى جرأته. تقدم أحدهم وقال بانفعال:

– هذا جنون! أن نخرج من معركة دامية بالأمس لنهجم نحن اليوم؟ نحن بحاجة للراحة وإعادة البناء أولًا!

ابتسم سليمان ابتسامة باردة، وقال:

– العدو لا ينتظر حتى نرتاح، بل يستغل ضعفنا. ولو انتظرنا، سنفتح له أبواب القصر بيدنا

وقف نزار بجواره، وأيد كلامه بصوتٍ حازم:

– ما يقوله نصر الدين صحيح يا مولاي. لو انتظرنا، سنمنحه وقتًا ليعيد قوته ويخطط من جديد. لكن لو تحركنا نحن… سنجعله يدفع ثمن جرأته، وسنزرع الرعب في رجاله.

ظل فهد صامتًا لحظة، ينظر إلى الاثنين بتمعن. كان يعرف في داخله أن كلامهما يحمل الحقيقة، لكنه كان يحمل همّ مملكته ودماء شعبه. ثم رفع رأسه وقال بنبرة صارمة:

– إذن، سنخطط. لكن الهجوم لن يكون اندفاعًا أعمى، بل ضربة محسوبة، مدروسة. أريد عيونًا في اليمامة قبل أي خطوة. وأريد من كل قائد أن يجهّز رجاله في صمت، دون أن تتسرب كلمة واحدة خارج هذه القاعة.

اقترب سليمان خطوة، وقال بصوتٍ أقرب إلى العهد:

– دعني أكون أول من يذهب، يا مولاي.

ساد الصمت من جديد. كل العيون اتجهت نحو سليمان بدهشة. حتى فهد نفسه نظر إليه طويلًا، قبل أن يبتسم ابتسامة صغيرة، فيها تقدير وحذر في آنٍ واحد.

– شجاعتك لا غبار عليها، يا نصر الدين… لكنك لست وحدك في هذه الحرب.

رفع بصره إلى القاعة كلها، وقال بصوتٍ مدوٍ:

– هذه الحرب لم تعد حرب فهد وحده، ولا نصر الدين وحده، إنها حرب النور كلها. ومن الآن… لن ننتظر ضرباتهم، بل سنصنع قدرنا بأيدينا.

ارتفعت الهمهمات بين القادة، بعضهم بالحماس وبعضهم بالرهبة. أما سليمان فظل واقفًا، نظره معلق بالأفق البعيد خلف نوافذ القاعة، حيث كانت الشمس ترتفع ببطء. في داخله، شعر أن اليوم ليس بداية انتقام فقط، بل بداية عودة ملك إلى عرشه، حتى لو لم يعرف أحدٌ بعد اسمه الحقيقي.

"بطش لا يهدأ"

في قلب اليمامة، لم يذق الناس طعم الراحة منذ رحيل سليمان. كان ظلّ بلال يخيّم فوق الأحياء، وظلّ رجاله أقسى من ليله الطويل. شوارع المدينة التي كانت يومًا عامرة بالضحكات، صارت ممرات للخوف، كل حجر فيها يشهد على أنفاس مقطوعة وأحلام مسحوقة.

رجال بلال يطوفون الأحياء كالعاصفة، سيوفهم دائمًا مشهورة، وعيونهم تبحث عن أي همسة اعتراض. كانوا يقتحمون البيوت الفقيرة بحجج واهية، مرة لجمع الضرائب، ومرة للبحث عن "متمرّدين"، وفي الحقيقة لم يكن سوى جشعهم الذي يقودهم.

امرأة عجوز جلست على عتبة بيتها المتهالك، تنظر إلى حفيدها الصغير وهو يرتجف من صوت وقع أقدام الجنود. همست بصوت مخنوق:

– ليت سيدكم سليمان يعود… ما كنا نعرف الذل ولا الجوع في أيامه.

مرّ أحد الرجال بجوارها وصفعها على وجهها لمجرد سماع اسمه، ثم صاح بوحشية:

– اخرسي أيتها الحيزبون العجوز! الملك هو بلال، ولا اسم غيره يُذكر!

تجمّع الناس من حولها، لكن الخوف كبّل ألسنتهم وأيديهم. لم يجرؤ أحد أن يرفع رأسه، ولم يملكوا إلا النظر أرضًا حتى مرّ الجنود.

في أحد الأزقة الضيقة، كان ثلاثة من الفلاحين يسحبون عربتهم المليئة بالحبوب التي ادّخروا قوتها للشتاء. اعترضهم الجنود، فمزّقوا أكياس القمح وأخذوها عنوة، تاركين خلفهم الغبار وأطفالًا يبكون وهم يجمعون ما تناثر على التراب. أحد الجنود ضحك ساخرًا وقال:

– من اليوم، قوتكم قوتنا… وأموالكم لنا

لم يكن بلال حاضرًا بينهم، لكنه كان حاضرًا في قلوبهم قسوةً وغلظة، إذ لم يترك لأتباعه سوى سبيل واحد: أن يكونوا سيفًا مسلطًا على رقاب المستضعفين.

ترددت في الأزقة كلمات هامسة، مثل صلاة سرية:

– أين أنت يا سليمان؟ لقد اشتاقت اليمامة إليك.

لكن الهمسات سرعان ما تختفي حين يظهر ظلّ جندي، وكأن الهواء نفسه يخاف أن يحمل الاسم.

كان الليل يهبط على اليمامة، والناس لا يعرفون إن كانوا سينامون على صرخة أم على دمعة. وبين كل هذا البؤس، ظلّ الأمل معلقًا كنجمة بعيدة في السماء، يترقب عودة الملك الذي لا يعلم أحد متى سيأتي.

"خوف الذئاب من ظل الأسد"

في إحدى ساحات قصر اليمامة، كان رجال بلال يجلسون بعد عودتهم من جولتهم في الأحياء. السيوف لا تزال تقطر دمًا، والضحكات المليئة بالقسوة تتعالى، لكن خلفها ارتجاف لم يستطع أحدهم أن يخفيه.

جلس قائدهم، ذو الوجه الغليظ والعينين المليئتين بالشك، يضرب بسيفه على الأرض وقال:

– لا أريد أن أسمع اسم ذلك الكلب "سليمان" مرة أخرى في ألسنة الناس! من يذكره… يُقطع لسانه!

لكن أحد الجنود الشبان، لم يستطع كتم ما يجول في صدره، قال بصوت خافت وكأنه يخاطب نفسه:

– غريب… مرّ عام كامل وما زال الناس يتحدثون عنه كأنه يعيش بينهم… حتى ونحن نقتل وننهب، عيونهم تنظر لنا وكأنها تنتظر عودته.

رمقه القائد بنظرة حادة وصاح:

– اسكت! لا تدع ضعاف القلوب يسمعونك، ستزرع الخوف بينهم!

رد جندي آخر، أكبر سنًا وقد بدا الشر يتسلل إلى صوته:

– بل نحن من نخاف، يا قائد. لقد سمعتم ما يقوله الشيوخ في الأسواق… سليمان لم يمت، هو فقط يختبئ… سيعود، وسيقطع رقابنا واحدًا تلو الآخر.

سرت قشعريرة بينهم. رغم صراخهم وضحكاتهم، إلا أنّ اسم سليمان كان يلاحقهم كطيفٍ لا يزول. كانوا يعرفون أنه في زمانه لم يجرؤ أحد على ظلم يتيم أو مسّ أرملة، وأنّ مجرد وجوده كان كافيًا ليجعلهم مطأطئي الرؤوس.

أحدهم، وقد جحظت عيناه، قال بصوت متوتر:

– البارحة فقط… كنت أفتش أحد الأكواخ، ورأيت طفلًا ينظر لي بثبات، بلا خوف، وقال لي: سينصفنا الملك سليمان قريبًا. كدت أقطع رأسه… لكن يدي ارتجفت.

سكت الجمع للحظة، والوجوم يغزو وجوههم. ثم ضحك القائد ضحكة متكلفة ليخفي قلقه:

– أطفال… كلمات… أشباح! نحن أسياد هذه الأرض الآن. ما دام بلال حيًا، فلا سليمان ولا غيره سيعود.

لكن حتى وهو يتحدث، كانت عيناه تزوغ في الأفق، كأنها تبحث بين الظلال عن من يتربص بهم في صمت.

وبينما حاولوا طرد الفكرة من عقولهم، ظلّ الخوف ينهش قلوبهم أكثر من أي عدو واجهوه، لأنهم كانوا يعرفون أنّ خوف الظالم من عودة العدل أشد من سيف العدل نفسه.

"أجتماع ثلاثي"

في إحدى الغرف المغلقة داخل قصر النور، جلس الثلاثة حول طاولة خشبية صغيرة، وقد أُطفئت المشاعل الزائدة، ليبقى الجو مشبعًا بالجدية والهدوء. كان فهد يتأمل سليمان بعينين مليئتين بالقلق، بينما نزار يقف بجواره، كمن يتهيأ لسماع ما سيغيّر الكثير.

تنفس سليمان ببطء، ثم قال بصوت عميق، ثابت:

– لقد صبرت طويلًا… لكن لم يعد في القلب صبر. ما بلغني من ظلم رجال بلال للضعفاء والفقراء في اليمامة، جعلني أدرك أن وقتي بينكم قد انتهى. عليّ أن أعود....

ارتفع حاجبا فهد في دهشة، وقال وهو يقترب منه:

– تعود؟! وهل ستكشف نفسك الآن؟ أنت تعلم أن بلال لن يتوانى عن محاولات قتلك مبالك أن يعرف أنك ستذهب إلي هناك

ابتسم سليمان ابتسامة خافتة، فيها مزيج من الحزن والعزم:

– لن يعلم… على الأقل ليس في البداية. لن أعلن عن نفسي كملك، سأعود بهيئه اخري تماما سأدخل إلى القلوب قبل أن أظهر داخل العروش

تدخل نزار، وقد ارتسمت على وجهه علامات الانفعال:

– وماذا عنّا؟ هل سنتركك تخوض هذه المعركة وحدك؟

أطرق سليمان برأسه لحظة، ثم رفع نظره الحاد وقال:

– لستُ وحدي يا نزار، لكن ما أنوي فعله لا ينبغي أن يُعرف الآن… لا منكم ولا من غيركم. ما سأخطط له سيظل في صدري حتى يحين الوقت. كل ما أطلبه منكما هو الصبر والثقة

ساد الصمت في الغرفة، ولم يُسمع سوى خشخشة المشاعل. تقدم فهد ووضع يده على كتف سليمان قائلاً بصدق:

– أثق بك يا أخي، لكن احذر… فأنت الآن تحمل عبء أمة كاملة، وأرواح الملايين تنتظر نجاتها على يديك علمتُ بما يحدث لشعبك في اليمامه بفعل  بلال وجاله وحزنتُ كثيرا

أومأ سليمان برأسه، وكأن هذه الكلمات زادت ثقله لكنها أيضًا صقلت عزيمته. أما نزار فشد قبضته وقال بابتسامة واثقة:

– أياً كان ما تخفيه… فأنا أول من سيسير خلفك حين تكشف الطريق

ألقى سليمان نظرة عميقة عليهما معًا، ثم قال:

– إذن، لتبقَ خطتي في صدري حتى يحين وقتها… وغدًا، تبدأ عودتي وانت ستبقي هنا يا نزار ساترك هنا امانه بين يديكم لتحافظه عليها حتي اعود

فهد وقد فهم مغزي كلامه ليبتسم قائلا:

–غفران أليس كذلك؟

سليمان:

–نعم هي وشقيقتها إيضا فا من فعل هذا بنا بالتأكيد علم عن وقفتها معنا وهي الآن في خطر

فهد:

–لم تقلق ياصديقي لم يغيبه عنا للحظه سايقيمون هنا حتي تعود وسأمر بتشديد الحراسه عليهم لا تخشي شيئا

وانتهى الاجتماع، لكن الغرفة بدت وكأنها شهدت ولادة عهد جديد، عهدٍ سيقود اليمامة من الظلم إلى نور الحرية.

"قلق كارمن"

في أعماق كوخها المضيء بشموع متراقصة، جلست كارمن أمام بلورتها التي تشعّ كنبض قلب حي. انعكست على وجهها ظلال غامضة، عينيها تتابعان المشهد داخل البلورة: سليمان وهو يقف أمام فهد ونزار، يخبرهم بقراره بالعودة إلى اليمامة متنكرًا.

ارتسمت على شفتيها ابتسامة خفيفة، خليط بين الفخر والخوف، وهمست بصوت كأنها تخاطبه وهو بعيد:

– كنت أعلم… كنت أعلم أن قلبك لن يحتمل أن يظل بعيدًا عن أرضك، أيها الملك الممزق بين الواجب والحب.

وضعت يدها على قلبها وكأنها تشعر بثقله، ثم وقفت تتحرك داخل الكوخ بخطوات مضطربة:

– لكن الطريق ليس مفروشًا بالورود… رجال بلال يزدادون بطشًا، واليمامة تغرق كل يوم أكثر في الظلم. عودتك لن تمر دون دماء فاحذر

اقتربت من البلورة ثانية، فرأت صورًا متلاحقة: شعب اليمامة يئن تحت الظلم، رجال بلال يجوبون الأسواق، ووجوه الأطفال تذبل من الخوف والجوع. شدّت قبضتها بقوة وقالت بغضب مكتوم:

– إن لم يعد… لن ينجو أحد. لكنه إن عاد، فإما النصر وإما الهلاك.

هدأت قليلًا، ثم أغمضت عينيها ووضعت كفيها على البلورة، كأنها تريد أن ترسل صوتها عبر الريح:

– سليمان… أيها الملك، أيها القائد، أيها الرجل الذي اختار أن يحمل ثقل شعبه على كتفيه. سأكون عينيك في الظلام، سأظل أرسل لك النداء حين يقترب الخطر. لكن كن على حذر… لأن من يتخفى بين الناس، قد يطعن من حيث لا يتوقع.

تراجعت إلى الخلف، وجلست على مقعد خشبي قديم، وابتسامة صغيرة حزينة تسللت إلى وجهها:

– والقدر… القدر لا يرحم من يتأخر خطوة واحدة.

"الهمس الذي أشعل القلوب"

في أطراف السوق القديم بمملكة اليمامة، جلس شيخ ضعيف على عتبة حجرية مهترئة يراقب الجنود وهم يتنقلون بين الأزقة. لم يكن في وجهه ما يدل إلا على التعب، لكن أذنه كانت مرهفة كمن ينتظر كلمة تغيّر القدر.

اقترب منه ثلاثة من رجال بلال، كانوا يتهامسون بانفعال، وأصواتهم ترتجف على غير عادتهم.

قال أحدهم بقلق وهو يلتفت حوله:

– لا أطيق سماع اسمه! سليمان… لو عاد فلن يتركنا أحياء.

رد الثاني بوجه شاحب:

– هو لم يكن ملكًا عاديًا، كان الناس يهابونه ويحبونه معًا. إن عاد، لن نقدر أن نقف في وجهه.

الثالث ضرب بقدمه الأرض وقال:

– بلال لن يرحمنا لو علم أننا خائفون… لكن مجرد ذكر عودته يزلزلني.

الشيخ اتسعت عيناه وهو يلتقط الكلمات، كأنها قطرات ماء تتسرب في قلب عطشان. لم ينتظر حتى ينتهوا، بل ترك مكانه بعد أن اطمأن أنهم ابتعدوا.

راح يجر خطواته نحو الأحياء الفقيرة، يطرق الأبواب، يهمس للنساء في الأبواب وللرجال الجالسين على الحجارة:

– سمعتهم… الجنود أنفسهم يرتجفون من اسمه. الملك سليمان! يخشون عودته!

رفع يده المرتعشة كأنه يقسم:

– إنهم يهابون عودته أكثر مما نهاب بطش بلال… وهذا وحده بشارة ساره

الأصوات انتشرت في الأزقة كالنار في الهشيم. نساء خرجن من بيوتهن يتهامسن:

– سليمان؟ حقًا؟ سيعود يوما؟

وشاب من بين الحشد صاح:

– إن كان الجنود أنفسهم يرتعدون من اسمه، فهذا يدل أن عودته قريبة!

تحولت وجوه الفقراء، التي طالما غطتها ظلال الخوف، إلى وجوه يكسوها بريق رجاء وأمل. صارت الهمسات أناشيد، والأنين دعاءً:

– سيعود… سيعود. بأذن الله

وكان الشيخ، مبتسمًا لأول مرة منذ سنوات، يردد في نفسه:

– لا دخان بلا نار… والجنود لا يخافون من سراب.

"رسالة الملك هاشم"

في قصر الفيروز، جلس الملك هاشم بن حمّاد في قاعةٍ عالية السقف، تتدلى منها ثريات من البلور الصافي تعكس ضوء الشمس. كان يراجع أوراق الحلف الأخير مع الملك فهد، حين دخل إليه أحد الحراس مسرعًا يحمل رسالة مختومة بختم مملكة النور.

فتحها هاشم بعناية، وما إن قرأ السطور الأولى حتى تغيّرت ملامحه. رفع رأسه ببطء، وعينيه تحملان دهشة لم يعرفها منذ زمن:

– سليمان… سيعود إلى مملكته؟!

قرأ السطور مرة أخرى، وكأن قلبه يرفض أن يصدق ما قرأ. جلس للحظة مشدود الجسد، ثم قام بخطوات متوترة ناحية النافذة الواسعة، يراقب الأفق البعيد.

حدث نفسه بصوت مسموع:

– كيف يغامر هكذا؟ الدخول إلى اليمامة متخفيًا، بين أنياب بلال ورجاله؟! أهو يريد أن يضع نفسه في فم الذئاب؟

أمسك الرسالة بقوة، وكأنها تمثل قلبه الممزق بين الإعجاب والقلق:

– سليمان… أيّ عقل هذا الذي يدفعه إلى مثل هذه المخاطرة؟!

التفت إلى وزيره القريب منه، وقال بصرامة ممتزجة بقلق صادق:

– اكتبوا ردًا عاجلًا… قولوا لهم إنني مصدوم بهذا القرار، وإنني لا أرى فيه إلا مخاطرة كبرى قد تجرّ الويلات. سليمان ليس مجرد رجل… إنه رمز، إن وقع في الأسر أو أصابه مكروه، فستنهار كل الآمال.

ثم جلس ثانية، يمرر يده على لحيته، ويضيف بصوت خافت أقرب إلى المناجاة:

– يا سليمان… أتوسل ألا تكون عودتك بداية مأساة جديدة. الله معك حين تذهب

وبينما كان الوزير يكتب الرد العاجل، ظل هاشم واقفًا أمام النافذة، يراقب الأفق البعيد، كأنه ينتظر أن يطل منه ظل ذلك الملك المتخفي، لعل قلبه يطمئن أنه ما زال بخير.

"لقاء الوداع الغامض"

كان صباحًا هادئًا، والقصور غارقة في صمت يليق بما بعد العاصفة. داخل الجناح الطبي، تسللت أشعة الشمس الذهبية عبر النوافذ العالية، لترسم خطوطًا على الجدران البيضاء، وتنساب فوق الأغطية الحريرية التي تستريح عليها غفران.

كان الجرح في جانبها قد تم تضميده بعناية، ورائحة الأعشاب الطبية تمتزج مع البخور الذي أشعله الحكماء لطرد الأرواح الشريرة كما يزعمون.

كانت غفران تستند إلى الوسائد، وجهها متعب لكنه يلمع بالصلابة. نظراتها كانت تحمل شيئًا من القلق، وإن حاولت أن تخفيه. في تلك اللحظة، فتح الباب ببطء، ليظهر سليمان – نصر الدين كما تعرفه –، بخطواته الرزينة التي تُعلن حضوره دون كلمة.

توقف عند العتبة للحظة، يراقبها بصمت. عيناه كانتا ممتلئتين بمزيج من الطمأنينة والاضطراب، وكأنه يقاوم رغبة دفينة في أن يطيل النظر إليها. ثم تحرك واقترب، حتى جلس بجوار سريرها.

غفران (بابتسامة خفيفة، رغم ألمها):

– لم أتوقع أن تأتي في هذا الوقت، أظن الجنود والملك فهد يشغلونك أكثر من فتاة جريحة.

سليمان (بصوت هادئ وهو ينظر في عينيها):

– الجنود والملوك يمكن أن ينتظرون، أما أنتِ… لا يمكنني أن أترك قلبي مشغولًا حتى أطمئن عليكِ

احمرّت وجنتاها، لكنها أخفت ارتباكها بابتسامة صغيرة، وأجابت بنبرة تحاول أن تكون خفيفة:

– يبدو أن القائد العظيم يعرف كيف يربك من أمامه حتى بالكلمات وليس الصمت فقط

ضحك قليلًا، ثم مد يده ليعدّل الغطاء على كتفها برفق. غير أن صمته بعد ذلك طال، حتى شعرت بثقل ما لم يقله أكثر من كلماته.

غفران (تحدق فيه):

– ما بك؟ حديثك ونظراتك أثقل من سيوفك. هناك شيء تخفيه عني اليس كذلك؟ هل حدث شئ؟

أطرق برأسه قليلًا، كأنه يبحث عن صياغة لا تكشف كل شيء. ثم قال بصوت متزن:

– لا شيء يا غفران. فقط… أردت أن أذكّرك أن الحماسة التي تسكنك سلاح ذو حدين. لا تنجرفي دائمًا وراء قلبك في القتال. الحياة أحيانًا أغلى مما نتصور.

غفران (بدهشة، ترفع حاجبيها):

– كلماتك كأنها وصايا أخيرة. أشعر وكأنك… تودعني.

ابتسم سليمان، لكنها ابتسامة حزينة تخفي خلفها صراعًا داخليًا.

– أنا لا أودّعك يا غفران. أنا فقط أترك لك ما أراه أهم من أي سيف. قوتك… ليست في سيفك وحده. قوتك في قلبك. احميه… احميه دائمًا.

تأملته طويلًا، ثم قالت بنبرة مزيج بين الغضب والخوف:

– نصر الدين…دائما أراك تتحدث بهذا الغموض. لماذا أجد في عينيك قلقًا أكبر من خوفي؟ لماذا تتكلم وكأنك سترحل بعيدًا؟

اقترب أكثر، صوته صار منخفضًا حتى كاد يهمس:

– لأنكِ أغلى مما تظنين. لا تضيّعي قلبك، ولا تتركي نفسك وحدها أبدًا.

ثم نهض فجأة، وكأن البقاء بجوارها أكثر مما يحتمل. نظر إليها نظرة طويلة، عميقة، مليئة بالاشتياق والقلق، وكأنه يحاول أن يحفظ ملامحها في ذاكرته.

خطواته حين غادر كانت أبطأ من العادة، لكنها حاسمة. الباب أغلق خلفه، وبقيت غفران وحدها، تحدق في المكان الذي كان يجلس فيه. قلبها يخفق بشدة، وأسئلتها تتصاعد بلا أجوبة:

– إلى أين تذهب؟ ولماذا أشعر أنك ستبتعد عني… قبل أن أعرفك حقًا؟

وبينما وضعت يدها على ضماد جرحها، شعرت أن الألم لم يكن من السيف وحده، بل من ذلك الغموض الذي تركه وراءه.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

تاج في الظل

المؤلف Heba Nabil
2026/03/21 مكتملة
قائمة الفصول (33)
الفصل 1: تمهيد
2026/03/21
الفصل 2: الفصل الأول
2026/03/21
الفصل 3: الفصل الثاني
2026/03/21
الفصل 4: الفصل الثالث
2026/03/21
الفصل 5: الفصل الرابع
2026/03/21
الفصل 6: الفصل الخامس
2026/03/21
الفصل 7: الفصل السادس
2026/03/22
الفصل 8: الفصل السابع
2026/03/22
الفصل 9: الفصل الثامن
2026/03/22
الفصل 10: الفصل التاسع
2026/03/22
الفصل 11: الفصل العاشر
2026/03/24
الفصل 12: الفصل الحادي عشر
2026/03/24
الفصل 13: الفصل الثاني عشر
2026/03/24
الفصل 14: الفصل الثالث عشر
2026/03/24
الفصل 15: الفصل الرابع عشر
2026/03/25
الفصل 16: الفصل الخامس عشر
2026/03/25
الفصل 17: الفصل السادس عشر
2026/03/25
الفصل 18: الفصل السابع عشر
2026/03/25
الفصل 19: الفصل الثامن عشر
2026/03/27
الفصل 20: الفصل التاسع عشر
2026/03/27
الفصل 21: الفصل العشرون
2026/03/27
الفصل 22: الفصل الحادي والعشرون
2026/03/27
الفصل 23: الفصل الثاني والعشرون
2026/03/29
الفصل 24: الفصل الثالث والعشرون
2026/03/29
الفصل 25: الفصل الرابع والعشرون
2026/03/29
الفصل 26: الفصل الخامس والعشرون
2026/03/29
الفصل 27: الفصل السادس والعشرون
2026/04/05
الفصل 28: الفصل السابع والعشرون
2026/04/05
الفصل 29: الفصل الثامن والعشرون
2026/04/05
الفصل 30: الفصل التاسع والعشرون
2026/04/05
الفصل 31: الفصل الثلاثون
2026/04/07
الفصل 32: الفصل الحادي والثلاثون
2026/04/08
الفصل 33: الفصل الثاني والثلاثون والأخير
2026/04/08

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة