الفصل الحادي والعشرون

الفصل الحادي والعشرون

23 0

"داخل قصر النور"

بعد مرور ثلاث ليالي وصلت القافلة ودخلت من بوابات قصر النور مع بزوغ الفجر. كانت المدينة مستيقظة على غير عادتها، والناس مصطفّون في الطرقات يلوّحون فرحًا بعودة الملك فهد ورجاله. غير أن سليمان ظلّ صامتًا، يحمل نظرات بعيدة لا تشبه أجواء الاحتفال.

ما إن بلغوا ساحة القصر حتى أشار فهد بيده، ليتبعاه إلى الداخل بعيدًا عن الحشود. اجتازوا أروقة القصر بسرعة حتى وصلوا إلى قاعة جانبية صغيرة أُغلقت أبوابها الثقيلة خلفهم.

جلس فهد على مقعد خشبي عريض، أمام نار مشتعلة تتراقص ألسنتها، بينما ظلّ سليمان واقفًا متجهّم الوجه، ونزار يقف على مقربة، عينيه متحفزتين.

فهد (بصوت حازم وهو يخلع عباءته الثقيلة):

– بلال لن يسكت. رجوعنا من الفيروز بخطوة تحالف ناجحة هو أمر يثير جنونه.

سليمان (عينيه تضيقان):

– وراجح ليس بعيدًا عنه… كلاهما يخططان في الخفاء. ما يقلقني أن الخطة القادمة ستكون أقرب مما نتوقع.

نزار (ينظر إليهما بقلق):

– أظن أن عيونهم لم تعد خارج أسوارنا فقط. ربما زرعوا من يخبرهم بتحركاتنا داخل هذه المملكة.ولم يكن بعيدا ان تكن اعينهم داخل القصر هنا ايضا

صمت فهد لحظة وهو يضغط كفيه معًا، ثم رفع نظره نحو سليمان:

– لذلك يجب أن نتحرك قبلهم. إعلان التحالف مع هاشم علنًا سيشعل غضبهم، لكن يجب أن نكون مستعدين للضربة التالية.

سليمان (بهدوء لكن بصوت يحمل قسوة):

– التحالف وحده لا يكفي. نحن بحاجة إلى يقظة دائمة. لا نعرف متى يختارون لحظة الهجوم… لكني واثق أنها ستأتي.

تبادلوا النظرات، ثم قال نزار ببطء:

– إذن نبدأ بالاستعداد وكأن الحرب على الأبواب.

فهد (بحزم وهو ينظر لكليهما):

– بيننا فقط… هذا الحديث لا يخرج من هذه الجدران.

سليمان ونزار معًا:

– مفهوم.

عمّ الصمت من جديد، ولم يبقَ إلا صوت النار يلتهم الحطب، كأنه يعلن اقتراب شيء أكبر مما يتخيلونه.

"اللقاء عند البحيرة"

كانت أشعة النهار الذهبية تنعكس على صفحة البحيرة الهادئة، والنسيم يحرك أوراق الزيتون في رفق، فيصنع همسات مألوفة لكل من يعرف هذا المكان. هنا… كان اللقاء الأول، وهنا عاد سليمان ليجعل العودة مختلفة.

توقف عند حافة المياه، ينظر إلى الامتداد الأخضر والظلال المترامية، وقلبه يضرب كطبول حرب، لكن ليس خوفًا… بل شوقًا. أراد أن يكون ظهوره مفاجأة، أن يراها حيث التقيا أول مرة، وكأن القدر يعيد رسم اللوحة من جديد.

لم تمضِ لحظات حتى أطلت غفران من بين أشجار الزيتون، تحمل سلة صغيرًة كانت تجمع بها بعض الأعشاب. خطواتها كانت هادئة لكنها متعبة، كأنها مثقلة بالانتظار.

رفع نظره إليها، وبقي ثابتًا في مكانه عند الماء. وحين وقعت عيناها عليه، تجمدت كما لو أن الزمن توقف. السلة سقطت من يدها، والأرض التقطت صوت ارتطامها.

غفران (بدهشة وارتعاش):

– نـ… نصر الدين؟!

ارتجف صوتها، وعيناها اتسعتا بخليط من الصدمة والفرح والخوف أن يكون ما تراه وهمًا.

سليمان (بابتسامة دافئة، وصوت هادئ يملأ الفراغ):

– لم أتأخر كثيرًا… لكنني أعلم أن قلبك كان ينتظرني عند هذه البحيرة.

خطت نحوه خطوة، ثم توقفت، كأنها تخشى أن يتحول إلى سراب، وهمست:

– ظننت… أنني لن أراك ثانيا

اقترب منها ببطء، خطواته ثابتة، وفي عينيه لهفة مكتومة. قال وهو ينظر مباشرة في عينيها:

– وها أنا أمامك يا غفران، في وضح النهار، لا قناع يخفي وجهي، ولا ليل يتستر علينا أردت أن تري بعينيك أنني عدت… كما وعدتكِ

حينها ترددت في عقلها كلماته السابقه قبل سفرة مباشرة

اغرورقت عيناها بالدموع، ثم همست بصوت مرتجف:

– تلك الكلمات… كانت زادي كل ليلة. لم أفقدها لحظة واحدة

اقترب خطوة أخرى، حتى صارت المسافة بينهما تضيق مدّ يده ببطء، وكأنه يخشى أن تهرب اللحظة، ثم لامس أصابعها بخفة.

ارتجفت هي، لكنها لم تسحب يدها.

سليمان (بهمس عميق):

– وأنا… لم أفقدكِ من داخلي لحظة. أنتِ يا غفران… كنتِ السبب أنني عدت لم اطيق الأنتظار حتي جئت اليك مسرعا

وفي صمت البحيرة وظلال الزيتون، لم يبقَ إلا نظرات طويلة تقطع المسافة بين قلبين عادا يلتقيان، واليد التي تشابكت بهدوء، وكأنها تعلن بداية مختلفة… أعمق من أي وعد.

"ابتسامة العرّافة"

في كوخها المضاء بضوء الشموع والبلورة المتوهجة على الطاولة، جلست كارمن في سكون غامض. كانت عيناها معلقتين بالبلورة، ترى فيها صورًا متقطعة، كأنها لوحات تتبدل: البحيرة، الزيتون، ولقاء قلبين كادا أن يضيعا لولا عودة أحدهما.

ابتسمت، وارتسمت على وجهها ملامح ارتياح ممزوجة بمكرها المعتاد. وضعت يدها على البلورة هامسة بصوت خافت، كأنها تخاطب نفسها أو قوة أعمق من الزمن:

– عدتَ يا سليمان… سالمًا كما رأيت منذ البدايات. لم تخذل قلبي هذه المرة، ولا خذلت نبوءتي.

أغمضت عينيها لحظة، وكأنها تعيش المشهد معهم، تشعر بفرحة غفران وهي تراه مجددًا، وبالطمأنينة التي تسللت أخيرًا إلى قلب سليمان.

لكن ابتسامتها سرعان ما تحولت إلى نظرة أعمق، فيها بريق مكر لم يخبُ، وقالت ببطء:

– النجاة الأولى لا تكفي… فالطريق ما زال ممتدًا، والمؤامرات لم تُدفن بعد. ولكن… أن يعود قلبان إلى بعضهما، فهذه بداية القوة الحقيقية.

وضعت يدها على صدرها، كأنها تحس بثقل زال، ثم أضافت بابتسامة أكثر دفئًا:

– الحمد لك يا الله … عاد سليمان سالمًا، وعاد لغفران قلبها من جديد.

ارتفع صوت الريح في الخارج، وكأنها تجيبها، فيما بقيت هي تنظر في بلورتها، متأهبة لرؤية القادم… واثقة أن معركتها مع الظل لم تنتهِ بعد.

"فرحة غفران"

عادت غفران إلى البيت والشمس ترسل خيوطها الذهبية على كتفيها، كأنها تحمل معها دفئًا خاصًا لم تعرفه منذ زمن. دخلت بخطوات سريعة، وملامحها تشع ضياءً غريبًا، لم تستطع حتى أن تخفيه.

بمجرد أن أوصدت الباب، وكأن قلبها لم يعد قادرًا على الاحتمال، أطلقت ضحكة عالية، نقية، ضحكة لم تخرج من قلبها منذ كانت طفلة تركض بين الحقول. وقفت وسط الغرفة الصغيرة، رفعت ذراعيها عاليًا نحو السماء، ثم بدأت تدور حول نفسها بمرح. ثوبها البسيط ارتفع قليلًا مع الدوران، وشعرها الأسود انساب على كتفيها، ليزيدها خفة وجمالًا.

ضحكاتها كانت تتردد بين الجدران الخشبية، تنعكس كأنها موسيقى تعزفها الحياة خصيصًا لها، موسيقى لم تعرفها منذ أن أثقلها الزمن بالوجع والفقد.

فجأة دخلت سهام من الباب الجانبي، وهي تحمل سلة صغيرة من الخبز. توقفت مكانها مشدوهه، تتابع بعينيها شقيقتها الكبيرة وهي تدور وتضحك بجنون طفولي لم تراه عليها من قبل لتقول لها

– غفران! ماذا تفعلين؟ هل جننتِ؟

لكن غفران لم تُجب، وكأنها لا تسمع. كانت غارقة في دوامة من البهجة. اقتربت منها بخفة، مدت يدها، وأمسكت بذراع سهام فجأة، وجذبتها إليها:

– تعالِ ! اتركِ كل شيء وارقصي معي!

ضحكت سهام بخجل، وهي تحاول التملص:

– غفران! إن رآنا أحد سيظن أننا فقدنا عقولنا!

لكن غفران لم تتركها، بالعكس زادتها قوة:

– لندع العالم يظن ما يشاء! اليوم قلبي عاد للحياة، اليوم لا مجال للحزن !

بدأت تدور بها وسط الغرفة، سهام تتعثر من الضحك وهي تقول:

– آه! تمهلي! ستُسقطينني!

لكن غفران لم تهدأ، بل أخذتها أكثر وأكثر، وامتلأ البيت كله بضحكهما. الطاولة الخشبية اهتزت مع خطواتهما، والأواني على الرفوف خُيّل أنها تبتسم هي الأخرى لتشاركهم فرحتهم

بعد دقائق من الدوران، توقفت غفران فجأة،  لتلقطت أنفاسها بصعوبة، ثم ألقت بنفسها على السرير الخشبي الصغير، ويدها ما تزال ممسكة بيد سهام. كلاهما كان يلهث من الضحك والرقص.

اقتربت سهام وجلست بجانبها،  ثم نظرت في عيني غفران بدهشة:

– غفران… ماذا حدث لكِ؟ لم أركِ هكذا منذ سنين

سكتت غفران لحظة، ووجهها لا يزال يشع بابتسامة غامرة، ثم أمالت رأسها إلى الخلف وأغمضت عينيها. ارتسمت على وجهها ملامح فتاة صغيرة لا تعرف إلا الأمل والحب

همست أخيرًا بصوت مرتعش لكنه مليء باليقين:

– سهام… لقد عاد

فتحت سهام عينيها بدهشة، قلبها قفز بين ضلوعها:

– عاد؟ من؟

ابتسمت غفران ابتسامة حالمة، ولم تجب مباشرة. مدّت يدها لتمسح على وجه شقيقتها، ثم أضافت بهدوء وهي تبتسم وكأنها في حلم جميل:

– هو… الذي كنت أظن أنني فقدته للأبد لقد عاد لي من جديد

بقيت سهام تحدق فيها بدهشة، لم تفهم تمامًا، لكن نور الفرحة في عيني غفران كان كافيًا لتصمت، وتدعها تحلم، فقط تحلم…

"غضب راجح"

في كوخه المهترئ على أطراف مملكة النور، جلس راجح أمام موقد صغير، النار فيه تخفت وتشتعل كأنها تعكس اضطرابه الداخلي. دخل عليه أحد رجاله مسرعًا، أنفاسه تتلاحق، وصوته متوتر:

– سيدي… القافلة عادت. الملك فهد وسليمان… وصلا سالمين إلى القصر!

ارتجف الكوب بين يدي راجح حتى انسكب بعض الماء الساخن على أصابعه، لكنه لم يشعر بالألم. عينيه اشتعلتا بوميض غامض وهو يتمتم ببطء:

– عادوا؟. هذا جيد

وقف ببطء، أخذ يدور داخل الكوخ الضيق كذئب محبوس يبحث عن منفذ. قبض بيده على خنجره كان موضوعًا فوق الطاولة، ثم غرسه فجأة في الخشب بقوة حتى ارتجت الطاولة:

– لا بأس…

اقترب منه الرجل بتردد:

– ماذا سنفعل الآن يا سيدي؟ لقد ضاع كل شيء والتحالف تم بالفعل

رفع راجح رأسه فجأة، وفي عينيه بريق مكر لم يظهر من قبل، بريق رجل اعتاد أن يتغذى على الفوضى:

– ضاع؟ يالك من أحمق، لم يضع شيء. هم الآن يحتفلون بعودتهم، يظنون أن الأرض أمان والسماء معهم… وهذا هو الوقت الأمثل لضربتهم من حيث لا يحتسبون.

اقترب أكثر من النار الخافتة، ألقى إليها بعض الحطب، فاشتعل اللهب فجأة وأنار وجهه المليء بالغموض. تابع بصوت أشبه بالهمس:

– هذه المرة لن يعرف أحد ما أخطط له. حتى بلال نفسه لن يعرف… الخطة ستبقى هنا… (وأشار إلى رأسه) حتى يحين وقتها.

ارتسمت ابتسامة باردة على شفتيه، وهو يرفع الخنجر من الطاولة ببطء، يمرر أصابعه على نصله الحاد وكأنه يعقد عهدًا جديدًا:

– وسليمان… سيعرف قريبًا أن عودته كانت خطأه الأكبر.

جلس مجددًا أمام النار، يحدق فيها كمن يرى صورًا لا يراها غيره، صورًا لخطته الجديدة، غامضة، مظلمة… لا تُكشف إلا لحظة التنفيذ.

"الحقيقة العارية"

كانت خطوات سليمان مثقلة، لكن قدماه كأنهما تعرفان الطريق من تلقاء نفسها. لم يدرِ لماذا وجد نفسه يسير بين أشجار الزيتون الكثيفة، متجهًا نحو الكوخ الصغير القابع في قلب الغابة، كوخ كارمن.

حين وقف أمام الباب الخشبي المتآكل، شعر بدقات قلبه تتسارع. رفع يده مترددًا ثم طرق بخفة. جاءه صوتها الهادئ من الداخل:

– ادخل يا سليمان… كنت أعلم أنك ستأتي.

فتح الباب ببطء، ليجدها جالسة أمام بلورتها المضيئة، غير متكئة هذه المرة، بل منتصبة كأنها كانت في انتظاره منذ زمن. ابتسم ابتسامة باهتة وهو يقول:

– لا أعلم لماذا قادتني قدماي إليكِ… لكنني تذكرت أنني لم أشكرك. لقد كنتِ سندًا لي طوال الوقت، صوتك في الطريق أنقذنا من الفخ.

رفعت عينيها نحوه، وفي بسمتها مزيج من دفء وصرامة:

– أنا لم أفعل شيئًا إلا واجبي. لكنك لم تأتِ فقط لتشكرني… أليس كذلك؟

جلس قبالتها، أطرق برأسه لحظة ثم رفع نظره بثبات:

– صحيح… جئت لأسألك. كل ما يحيط بي يثير حيرتي… غفران، فهد، وحتى ما أشعر به بداخلي. أنا بحاجة إلى كلمة صادقة، بلا ألغاز هذه المرة.

أغلقت كارمن يديها فوق البلورة، وأطفأت نورها بحركة بطيئة. الغرفة غرقَت في ضوء النار وحده، وقالت بصوت عميق واضح:

– إذن اسمع يا سليمان… مملكتك تناديك. أهل اليمامة يرزحون تحت بطش بلال ورجاله، ينهبون قوتهم، يذلونهم، ويجعلونهم يتذكرون أيامك كأنها الحلم البعيد. لقد فقدوا من يحميهم… وهم بحاجة إليك الآن لتعود، وتحررهم.

تجمد وجه سليمان، قبض يديه بعنف، وارتجف صوته وهو يرد:

– بلال… إذاً هو من دنّس أرضي، وأذل شعبي؟!

أومأت كارمن برأسها، عيناها تلمعان بصدق كامل لأول مرة:

– نعم… ولكنك شعرت بهذا من قبل، أليس كذلك؟ ذلك الاضطراب الذي يلاحقك منذ رحيلك، ذلك النداء الخفي في قلبك… كان شعبك يوصل صرخاته إليك من خلالي. أنا فقط كنت الوسيط.

رفع سليمان نظره إليها ببطء، كأن صاعقة نزلت على قلبه:

– أأنتِ؟ … أنتِ من جعلني أسمع تلك الصرخات؟

ابتسمت كارمن، ووضعت يدها فوق قلبها:

– نعم. كنت أخشى أن تفقد الطريق، فمددت لك الخيط. لكن ما سيأتي الآن لا يحتاج إلى ندائي… يحتاج إلى قرارك أنت. إما أن تبقى متخفيًا وراء قلوب الآخرين، أو تواجه حقيقتك وتعود ملكًا لشعبك.

وقف سليمان فجأة، عيناه يشتعلان كجمرتين:

– لن أسمح لبلال بأن يعبث بمملكتي أكثر. إذا كان شعبي يحتاجني… فلن أخذلهم.

انفرجت ابتسامة كارمن، هذه المرة بفرحة خفية لا بمكر، وكأنها انتظرت هذه اللحظة طويلًا:

– إذن، بدأت رحلتك الحقيقية يا سليمان… الملك لا يهرب من قدره.

خرج سليمان من الكوخ، وخطواته لم تعد مترددة. لأول مرة، لم يكن مجرد فارس أو ظل ملك… بل شعر أنه عائد ليكون هو نفسه

"الهجوم والنداء"

كان المغرب قد غلّف مملكة النور بحلّة غريبة من السكينة المزيّفة؛ الأفق يذوب في دماء الغروب، والنسيم محمّل ببرودة تشي بأن شيئًا يوشك أن يقع. في الأحياء القريبة من القصر، كان الناس يتهيّأون لليل هادئ، لكنهم لم يدركوا أن هذا الليل سيحمل إليهم جحيمًا.

دوّى في الأفق صهيلٌ وحشيّ، تبعته أصوات الطبول وهي تضرب كالرعد. ارتجفت الأرض تحت وقع سنابك الخيل، وتعالت صيحات غاشمة تمزّق السكون. في لحظات، كانت جيوش الأعداء تحيط بالقصر من جهاته الأربع، يرفعون المشاعل والسيوف، يطرقون على الأبواب الحديدية، ويقذفون السهام المشتعلة نحو الأسوار العالية.

ارتبك الجنود على الأبراج، هرع الحراس إلى مواقعهم، وران القلق على الوجوه. صرخ أحدهم:

– هجوم مباغت! استعدوا… احموا القصر!

وهكذا تحولت سكينة المغرب إلى ساحة من اللهب والدماء.

أما غفران، فكانت في بيتها القريب من بساتين الزيتون، تجلس أمام النافذة، تحدّق في الأفق الذي يتلوّن بحمرة قاتمة. قلبها انقبض فجأة، إحساس داخلي اجتاحها كما لو أن الأرض نفسها تئن. وضعت يدها على صدرها، تلتقط أنفاسها بصعوبة، وفجأة اخترق عقلها صوت قوي، مألوف وغريب في آن:

– غفران… انهضي! أيّتها الشجاعة التي اختارتها الأقدار… نصر الدين في خطر. قصر النور تحت الهجوم. هو بحاجة إليك الآن… لا تترددي. اذهبي، كوني درعه الحامي، فالحرب بدأت، والطعنة قد تقع حيث لا تتوقعين.

تجمدت غفران في مكانها، جسدها تصلب بالكامل وهي تقول بصوت بالكاد يسمع

– نصر الدين؟! في خطر؟!

لكن الصدى لم يجبها، بل ظل يتردد في داخلها كجرس من نور وظلام معًا. رفّت أنفاسها، وارتعشت يداها للحظة، ثم انطفأت دهشتها لتحل محلها عزيمة حديدية.

نهضت بسرعة، اقتحمت غرفتها بخطوات حاسمة، ومدّت يدها إلى حزامها الجلدي. أحاطت خصرها به، فانطلقت صفوف الخناجر حولها كأنها نجوم تشعّ استعدادًا للمعركة. التقطت قوسها وسهامها، وأدارت أصابعها فوقها بحنوٍ وكأنها تلمس رفيقًا قديمًا.

وقفت أمام المرآة، رأت عينيها المتسعتين ببريق لا ينطفئ، بريق امرأة تحمل على كتفيها قدرًا أكبر من نفسها. همست بصوت ثابت، مزيج من العزم والرجاء:

– لن أتركك وحدك يا نصر الدين… حتى لو غمرتني نيرانهم. سأكون السهم الذي يصدّ سهامهم عنك

ارتدت عباءتها السوداء على كتفيها، فبدت كأنها ظلٌّ ينهض من قلب الليل، ثم فتحت الباب بخطوة صاخبة

الريح لفحت وجهها وهي تنطلق راكضه عبر الأزقة، أقدامها تسبق أنفاسها، قلبها يسبق عقلها. كانت تسمع من بعيد صرخات الجنود وصليل السيوف، ترى من بعيد توهّج اللهب يلتهم أطراف القصر، وتسمع دويّ الطبول كأنه قادم من أعماق الأرض.

في الطريق، مرّت بامرأة تهرع بأطفالها بعيدًا عن القصر، سألتها مذعورة:

– إلى أين يا ابنتي؟ هناك موت ينتظرك!

فاكتفت غفران بأن شدّت على يدها وقالت بصوت حاسم:

– وهناك إيضا حياة انسان ينتظر مني ان أحميه…

ثم تركتها خلفها، وواصلت الخطي، كأن كل خطوة تقرّبها من مصيرٍ محتوم.

عند مشارف القصر، رأتها العيون تقترب بخفة البرق، كأنها اسهم اخترقت الغبار. الجنود المهاجمون لم يلحظوا إلا ظلاً أسود ينفلت بينهم، والسيوف على خصرها تلمع كالنجوم.

في تلك اللحظة، تلاقت النيران بالغضب، والقدر بالشجاعة. كانت غفران قد صارت جزءًا من الهجوم نفسه، لا متفرجة ولا هاربة… بل السهم الذي يغير مجرى الحرب...

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

تاج في الظل

المؤلف Heba Nabil
2026/03/21 مكتملة
قائمة الفصول (33)
الفصل 1: تمهيد
2026/03/21
الفصل 2: الفصل الأول
2026/03/21
الفصل 3: الفصل الثاني
2026/03/21
الفصل 4: الفصل الثالث
2026/03/21
الفصل 5: الفصل الرابع
2026/03/21
الفصل 6: الفصل الخامس
2026/03/21
الفصل 7: الفصل السادس
2026/03/22
الفصل 8: الفصل السابع
2026/03/22
الفصل 9: الفصل الثامن
2026/03/22
الفصل 10: الفصل التاسع
2026/03/22
الفصل 11: الفصل العاشر
2026/03/24
الفصل 12: الفصل الحادي عشر
2026/03/24
الفصل 13: الفصل الثاني عشر
2026/03/24
الفصل 14: الفصل الثالث عشر
2026/03/24
الفصل 15: الفصل الرابع عشر
2026/03/25
الفصل 16: الفصل الخامس عشر
2026/03/25
الفصل 17: الفصل السادس عشر
2026/03/25
الفصل 18: الفصل السابع عشر
2026/03/25
الفصل 19: الفصل الثامن عشر
2026/03/27
الفصل 20: الفصل التاسع عشر
2026/03/27
الفصل 21: الفصل العشرون
2026/03/27
الفصل 22: الفصل الحادي والعشرون
2026/03/27
الفصل 23: الفصل الثاني والعشرون
2026/03/29
الفصل 24: الفصل الثالث والعشرون
2026/03/29
الفصل 25: الفصل الرابع والعشرون
2026/03/29
الفصل 26: الفصل الخامس والعشرون
2026/03/29
الفصل 27: الفصل السادس والعشرون
2026/04/05
الفصل 28: الفصل السابع والعشرون
2026/04/05
الفصل 29: الفصل الثامن والعشرون
2026/04/05
الفصل 30: الفصل التاسع والعشرون
2026/04/05
الفصل 31: الفصل الثلاثون
2026/04/07
الفصل 32: الفصل الحادي والثلاثون
2026/04/08
الفصل 33: الفصل الثاني والثلاثون والأخير
2026/04/08

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة