"الغابة الممطرة"
كان النهار يلفظ أنفاسه الأخيرة، والسماء تعصر الغيوم كما لو كانت تحزن على مصيرٍ آتٍ. قطرات المطر تساقطت ببطء على أوراق الأشجار العريضة، ثم تسارعت، حتى صار وقعها على الأرض كهمس أقدامٍ خافته.
في عمق الغابة، حيث لا تصل الطرق المعبّدة، كانت أكواخ الفلاحين مبعثرة كأسرار قديمة، جدرانها من الطين وسقوفها من القش المبلول.
هنا، ظهر الغريب في هيئة جديدة… هذه المرة كحطّاب عجوز، كتفيه مثقلتان بحزمة حطب كبيرة، وملابسه ملطخة بالطين، ويداه مشققتان كأنهما خارطة مواسم قاسية.
اقترب من كوخ صغير حيث كان رجل نحيل يحاول إشعال النار، لكن الحطب كان رطبًا. جلست إلى جواره امرأة شابة تحتضن رضيعًا يبكي بصوت خافت.
قال الحطّاب بهدوء:
– مطرٌ كهذا لا يُشعل النار، لكن الجوع أخطر من البلل.
رفع الرجل رأسه بتثاقل، نظر للحطّاب الغريب، ثم قال:
– أرضنا جفت قبل المطر، والضرائب أكلت ما تبقى لنا… اضطررت لبيع ثوري الوحيد."
أطرق الغريب للحظة، ثم وضع حزمته أرضًا، وأخذ منها ثلاث قطع من خشب السنديان الجاف، وناولها للرجل:
– احتفظ بها لليلة الباردة القادمة… ولا تدع أحدًا يعرف أنك تملك خشبًا جافًا.
نظرت المرأة بامتنان، لكن الخوف في عينيها كان أكبر من الشكر، فسألت بصوت منخفض:
– أتظن الملك يعلم بما يحدث هنا؟"
أجاب الحطّاب الغريب، وهو ينهض متكئًا على فأسه:
– الملوك لا يسمعون الريح إذا كانت بعيدة… لكن الريح لا تبقى بعيدة للأبد.
تركهم ثم سار بين الأشجار، والمطر يثقل خطواته، تاركًا خلفه كوخًا دافئًا لأول مرة منذ شهور.
"داخل القاعة الصغيرة"
كان الملك سليمان جالسًا إلى مكتبه في قاعة أصغر من قاعة العرش، أمامه خريطة كبيرة للمملكة، وعليها علامات حمراء وزرقاء.
وقف القائد نزار يشير إلى بعض المواضع على الخريطة:
– هذه المناطق تشهد اضطرابًا… هنا توقف دفع الضرائب، وهنا انقطعت القوافل بعد أن هاجمها الرجل الغريب
تنهد الملك:
– كل يوم أكتشف أن المملكة مثل وعاء مثقوب… نملؤه بالذهب والحبوب، لكنه لا يمتلئ أبدًا.
تقدم وزير المالية، رجل قصير ممتلئ يرتدي عمامة حريرية:
– مولاي، السبب هو تهريب البضائع. بعض التجار يشترون الحبوب بالسعر المخفّض، ثم يبيعونها في الخارج بثلاثة أضعاف.
ضرب الملك الطاولة بقبضته:
– وهل تحتاجون ملكًا ليخبركم أن هذا خيانة؟ اقبضوا على كل من يثبت تورطه، أيا من كان."
لكن الوزير تباطأ في الإيماءة، وظهر في عينيه قلق خفي، كأنه يخشى أن الأسماء التي سُتكشف قد تكون أقرب مما يتصور الملك.
"سوق النحاسين"
في مساء اليوم التالي، وفي قلب سوق النحاسين، كانت المطارق تتسابق على الصفائح المعدنية، ورائحة الفحم والحديد تعبق في الجو.
ظهر الغريب هذه المرة بملابس حداد، يضع على رأسه عمامة قطنية ملطخة بالسخام، ويمسح العرق عن جبينه بمنديل قديم.
جلس على حافة محل صغير حيث كان شاب في العشرين يصنع أواني نحاسية.
قال الغريب:
– عملك متقن، لكن يدك ترتجف… أأنت مريض؟
رد الشاب بمرارة:
– لست مريضًا… لكني جائع. اضطررت لبيع نصف أدواتي لأشتري طعامًا لعائلتي.
اقترب رجل ضخم، يبدو أنه التاجر صاحب المحل، وصاح:
– عد إلى عملك أيها الكسلان! الزبائن لا يشترون من يشكو، بل من يطرق النحاس.
نهض الغريب ببطء، واقترب من التاجر حتى كاد وجهه يلامسه، وقال بصوت خافت لكن قاطع:
– ومن يطرق قلوب الناس بالجوع… سيأتي يوم يسمع فيه قرع السيوف على بابه.
تركه ومشى وسط السوق، وعيناه تراقبان رجالًا بملابس أنيقة يجمعون النقود من الحرفيين بصمت، ثم يختفون في الأزقة الضيقة.
"مناوشات وتقارير"
جلس الملك في مجلس المساء، وأمامه بلال يقرأ عليه تقريرًا عن أوضاع الموانئ.
قال بلال:
– مولاي، الميناء الغربي توقف عن إرسال الضرائب منذ شهرين… ويقولون إن السبب هو قلة التجارة، لكن الحقيقة أنهم يخفون أرباحهم ويشحنون البضائع ليلًا.
الملك، بعينين ضيقتين:
– أرسلت إليهم أوامر واضحة… لماذا لم تنفذ؟
بلال بابتسامة باهتة:
– ربما لأن الأوامر تتعثر في الطريق، يا مولاي… أو لأن من يحملها لا يريد لها أن تصل.
القائد نزار، بحدة:
– تلميحاتك مرفوضة… إذا كان لديك اسم، فاذكره.
ابتسم بلال مجددًا، ثم قال:
– الأسماء لا تكفي، ياسيدي القائد… أحيانًا يكون العدو ظلًا، لا يُرى إلا حين تسقط الشمس.
غادر المجلس، تاركًا وراءه شعورًا بالشك يتسرب كالدخان في القاعة.
"حانة على حدود المملكة"
في حانة خشبية على تلة تطل على الطريق التجاري، جلس الغريب في هيئة راعٍ غنم عجوز، يرتدي عباءة صوفية سميكة ويحمل عصا طويلة.
كان المسافرون يتحدثون بصوت مرتفع:
– سمعنا أن العاصمة على وشك الانفجار… الناس يتظاهرون، والحراس مترددون بين الولاء للملك أو حماية أنفسهم.
آخر قال:
– إنه وقت الفرصة… إذا سقط الملك، سيكون لكل واحد منا نصيب من الكعكة.
الغريب ظل صامتًا، لكن عينيه ثبتتا على رجل يجلس في الزاوية، يكتب شيئًا على ورقة صغيرة ثم يسلمها لرسول شاب.
عرف الغريب أن تلك الورقة هي خيط جديد، وأن الرسائل لا تنتقل بهذه السرية إلا إذا كانت تحمل نارًا.
"بوادر العاصفة"
في القصر، كانت الأخبار تتوالى: اضطرابات في ثلاث مدن، توقف التجارة في الميناء الجنوبي، تزايد عدد الحراس الذين يطلبون الإجازة بحجج واهية.
الملك، وهو يقف عند الشرفة، قال للقائد نزار:
– أشعر وكأن الأرض تتحرك تحت أقدامي، لكنني لا أرى من يدفعها.
نزار:
– مولاي، لا بد من كشف الخائن… وإلا ستُفتح أبواب القصر بنفسها للعدو.
الملك، بعزم:
– إذن لننتظر… فمن يظن أن الملك نائم، سيقترب أكثر، وعندها نمسك به.
"ليلة الأنقلاب"
حل الليل على العاصمة، لكن لم يكن هدوءه مألوفًا. الشوارع شبه خالية، أبواب المحلات مغلقة قبل أوانها، والريح تحمل رائحة الدخان من جهة الجنوب.
في القصر، كان الملك يستعد لاجتماع عاجل مع وزرائه، حين دوى صوت الأبواق العسكرية من خارج الأسوار.
اندفع القائد نزار إلى الداخل، وجهه شاحب:
– مولاي… البوابة الشرقية سقطت، والحرس هناك انقلبوا مع المهاجمين!
صوت آخر جاء من الممر:
– البوابة الغربية أيضًا، يا مولاي…!
ارتجّت الأرض تحت وقع أقدام الجنود المقتحمين، وسمع الملك هديرهم يقترب من القاعة.
رفع سليمان سيفه، وعيناه تلتمعان بعزم:
– إذن… بدأ اللعب الحقيقي.
وبينما كان القصر يغرق في ضوضاء الحديد والصراخ، أدرك الجميع أن الانقلاب قد بدأ وعندما التفته لم يروا الملك الذي كان يقاتل بسيفه للتو وكأن الأرض قد ابتلعته كان وجه نزار مزيجا بين القلق والأندهاش
Heba Nabil