الفصل الحادي عشر

الفصل الحادي عشر

20 0

"الصراع الداخلي"

ضوء القمر البارد يتسلل من خلال النافذة الضيقة، يرسم خطوطًا فضية على أرضية الرخام. سليمان يجلس على حافة سريره الفاخر، ظهره منحني، كتفاه متصلبتان تحت ثقل الأفكار. يداه المتشابكتان تضغطان على بعضهما بقوة، حتى أن عروقه تبرز تحت الجلد.

كان الضيق يأكل سليمان من الداخل:

–الحراس يتبعون كل خطوة.. عيون تترصد كل حركة.. هل أصبحت سجينًا في هذا القصر ؟

ينهض فجأة، خطواته الثقيلة تتردد في الغرفة الفسيحه يصل إلى النافذة، يفتحها بعنف ليدخل نسيم الليل البارد. يتنفس بعمق، كأنه يحاول استنشاق الحرية من الهواء

صوت الملك فهد يتردد في رأسه كصدى بعيد:

–لن تخرج بدون حراسة.. هذه أوامري.

سليمان يضرب بكفه على حجر النافذة حتى يتألم:

–أوامر.. أوامر.. وكأني طفل لا يعرف مصلحته ولكنِ لم ايأس!

تتحول نظراته إلى خزانة الملابس الكبيرة في الزاوية. يقترب منها ببطء، يفتحها ليكشف عن ملابس فلاح بسيطة مخبأة بين أثوابه - قميص خشن ممزق عند الأكمام، سروال واسع من القطن الخام، وحذاء جلدي بالي من كثرة الاستخدام مع وشاح اسود عف عليه الزمن

سليمان يمسك الملابس بكلتا يديه، يبتسم ابتسامة مريرة:

–حان وقت العودة إلى الحرية

"ابتسامة الحرية"

شمس الصباح الدافئة تلمس حبات الندى على أوراق الزيتون، فتحولها إلى جواهر صغيرة تتلألأ. سليمان - الآن في زيّ فلاح متواضع - يمشي بين الأشجار بخطوات متأنية. عيناه تمسحان الأفق بلهفة، تبحثان عن أثر لشخص بعينه.

فجأة، حركة خفيفة بين الأشجار البعيدة. ظل رشيق ينحني بين النباتات. ثم تظهر غفران كشبح جميل، تحمل سلة خوص كبيرة مليئة بالأعشاب الطبية. شعرها الأسود الطويل يتطاير مع الريح، وعيناها الواسعتان تلمعان تحت أشعة الشمس.

تتوقف فجأة حين تراه، كأنها صعقت برؤيته. عيناها تتسعان أكثر، وشفتاها تتراجعان قليلًا في تعبير بين الدهشة والقلق.

غفران بصوت يحمل توبيخًا خفيفًا:

ألم أحذرك من المجيء إلى هنا؟ ألم أقل أن المكان أصبح خطرًا لماذا انت عنيد هكذا؟

سليمان يتكئ على جذع شجرة، يبتسم ابتسامة هادئة ممازحه:

–الخطر صار رفيق دربي يا غفران. بل أصبح كالخبز اليومي بالنسبة لي.

غفران تحدق في ملابسه الجديدة، حاجباها يرتفعان بدهشه:

–وهذا الزي الجديد تظنه يخفيك عن أعين الملك وحراسه؟

سليمان يضحك بخفة يدور حول نفسه ليراها الزي كاملًا:

–الحراس يبحثون عن نصر الدين قائد الجنود .. أما هذا الفلاح المسكين، فلا يلفت الأنظار مطلقا

تغطي غفران فمها كتمًا لضحكة تريد أن تخرج، ثم تقترب منه بخطوات خفيفة. عيناها تلمحان جرحًا طفيفًا على ذراعه.

غفران بنبرة تقل ولكنها تحمل الدعابة :

–وماذا يريد الفلاح المسكين مني اليوم؟ هل جاء ليغير ضماد جراحه أم ليزيد من المتاعب؟

سليمان يتوقف عن الابتسام، ينظر إليها بجدية مفاجئة:

–أريد أن أعرف.. لماذا أنقذت حياتي ذلك اليوم؟ لماذا خاطرتِ بنفسك من أجلي؟"

تتجمد غفران في مكانها، كأن سؤالًا غير متوقع قد طعنها في الصدر. ضحكتها تتبخر، وعيناها تكبران ثم تضيقان في لمح البصر.

"خبر يغضب الملك"

شمس الصباح الذهبية تتسلل عبر النوافذ العالية، تضيء الغرفة الفخمة بضوء دافئ. الملك فهد يجلس خلف مكتبه الضخم المصنوع من خشب الأبنوس، داخل جناحه الملكي يتفقد لفافة من الرسائل المختومة. عيناه السريعتان تلتقطان كل كلمة

فجأة، يطرق الباب طرقًا خفيفًا. يدخل نزار بانحناءة مهذبة، لكن عينيه تحملان شيئًا من القلق.

نزار:

–مولاي.. لدي ما يقلقك.

الملك فهد يرفع رأسه ببطء، عيناه تضيقان:

تكلم يا نزار

نزار يتقدم خطوة، صوته منخفض لكنه واضح:

–مولاي الملك سليمان.. لم يخرج من غرفته منذ الفجر. الحراس المكلفون بمراقبته يؤكدون لي هذا ولكن عندما طرقت باب غرفته ودلفت إلي الداخل لم اجده مطلقا

الملك فهد يقف فجأة وهو يستوعب ما قاله نزار للتو ليقول بنبره تحمل حده خفيفه:

ماذا؟! أين اختفى إذن؟

نزار ينزل عينيه للحظة، ثم يرفعهما بشجاعة):

أخشى أنه قد وجد طريقة للتخلص من الحراسة..

الملك فهد يضرب الطاولة بقبضته حتى تسقط الأوراق وتتبعثر :

–لن يخالف أوامري بهذه السهولة! ابحثوا عنه في كل زاوية من المدينة! في كل حقل وكل طريق! أنا اخاف عليه يا نزار

نزار :

–اعلم ذلك جيدا، أمرك يا مولاي.

عندما غادر نزار وقف الملك فهد عند النافذة، عيناه تحدقان في الأفق البعيد. قبضته تنقبض على حافة النافذة حتى يتغير لونها.

الملك فهد يهمس لنفسه بصوت أجش:

لماذا لا تفهم يا سليمان.. أن كل هذه الأقفاص ماهي الأ لحمايتك، لا لتقيدك

"سوق المدينة"

سليمان - لا يزال متنكرًا بزي الفلاح - يتجول بين أكشاك السوق المزدحمة. يتظاهر بالاهتمام بالبضائع المعروضة، لكن أذنيه تصغيان باهتمام لكل همسة حوله. بجانبه كانت تسير غفران وهي تنظر له من حين لأخر...

عند كشك بيع السمك، يقف متظاهرًا بفحص إحدى الأسماك الكبيرة. البائع العجوز يتحدث مع زميله بصوت منخفض، لكنه مسموع لمن يصغي جيدًا.

بائع السمك هامسة لزميله:

–سمعتُ من ابن أخي الذي يعمل جندي عند القائد القديم راجح أنه عاد فجأة من سفره الذي دام لثلاث ليالي.. كان من المفترض أن يبقى أشهرًا أخرى.

الزميل بحذر:

–وهل تعرف سبب عودته المفاجئة؟

البائع ينظر حوله بعينين حذرة:

يشاع بين الناس أنه يخطط لشيء كبير.. شيء قد يغير مصير المملكة يمكن ان يكن ضد الملك فهد

سليمان يتجمد للحظة، عيناه تومضان بفهم مفاجئ. يبتعد ببطء عن الكشك، ذهنه يعمل بسرعة لربط الخيوط.

سليمان يهمس لنفسه:

راجح.. عدت في هذا التوقيت بالذات؟ هذه ليست مصادفة لم اسمح لك بأن تؤذي فهد سا اتصدي لك بكل ما لي من قوة، كنت اعلم انك أنت خلف ما حدث لي ولكن اليوم تأكدت

"داخل كوخ راجح القديم"

غرفة شبه مظلمة، فقط بعض أشعة الشمس تتسلل من خلال الستائر الثقيلة. راجح يجلس على كرسي فاخر، يقرأ رسالة بخط يد أنيق. عيناه الخضراوان تضيئان في الظلام كعيني قط مفترس.

راجح يضحك ضحكة عاليه تدوي في ارجاء الكوخ بالكامل:

–إذا.. سليمان ملك اليمامه المنقلب ذلك المتخفي خلف عباءة نصر الدين قائد الجنود الآن، يختبئ مثل فأر خائف.. فهذا يعني أن خطتنا تسير كما ينبغي...اصبحت الصورة اوضح لي الآن.. اخفاه فهد خلف هذا اللقب ليحمي من بطش بلال.. حسنا، اللعبة سارت أمتع.

يمد يده نحو شمعة كبيرة على الطاولة، يحرق الرسالة ببطء، يراقب الورق وهو يتحول إلى رماد.

راجح يتكئ على ظهر الكرسي، عيناه تحدقان في السقف:

–كل القطع بدأت تسقط في مكانها.. لم يبقَ إلا قطعه واحده متبقيه وهي فهد .

"حقل الزيتون"

أشعة الشمس الذهبية الأخيرة تلون الحقول بلون العسل. سليمان وغفران يجلسان تحت شجرة زيتون عتيقة، يتشاركان بعض التمر والخبز البسيط.

غفران تلتقط حبة تمر، تتأملها قبل أن تأكلها:

–لماذا تخاطر بهذا كله؟ لماذا لا تبقى داخل القصر المحصن حيث الأمان؟

سليمان ينظر إلى الأفق البعيد، عيناه تعكسان أشعة الشمس:

–لأن تلك الجدران الفاخرة صارت أقفاصًا ذهبية.. ولأن هناك أشياء خارجها تستحق كل المخاطرة.

غفران تحدق فيه، عيناها تبحثان عن إجابة):

مثل ماذا؟"

فجأة، يضع سليمان يده على يدها برقة. عيناه تلتقيان بعينيها في نظرة صادقة.

سليمان بصوت هادئ ودافئ لكنه ثابت):

–مثلك.

تتجمد غفران في مكانها، كأنها صعقت. ثم تسحب يدها فجأة وكأنها لامست جمرًا، تقف بسرعة، عيناها تعكسان ذهولًا مخيفًا.

غفران صوتها يرتجف قليلًا:

–لا.. لا تقل هذا.. لا تقل هذه الكلمات مجددا يانصر الدين ارجوك.

سليمان يقف أيضًا، يحاول فهم رد فعلها:

–غفران.. ما الذي أخافك هكذا؟

بدون كلمة أخرى، تدير ظهرها وتفر بخطوات سريعة، تختفي بين أشجار الزيتون الكثيفة

سليمان يبقى واقفًا وحيدًا، نظراته تتبعها حتى تختفي. يداه تنقبضان ثم تتراخيان، وكأنه يحاول الإمساك بالهواء.

سليمان يهمس لنفسه:

–ما الذي يخيفكِ مني يا غفران؟ وما الذي تخفينه عني؟!

"مواجهة حاده"

غرفة سليمان مضاءة بضي شموع فقط، تخلق ظلالاً متحركة على الجدران. سليمان يعود إلى غرفته بعد يوم طويل، يخلع ملابس الفلاح المتسخة ويضعها في مكان مخفي.

فجأة، ينفتح الباب بقوة ليدخل الملك فهد وجهه يعكس عاصفة من الغضب المكبوت.

الملك فهد (صوته كالرعد):

–أين كنت طوال اليوم يا نصر الدين؟!

سليمان يواجهه بثبات:

–كنت أبحث عن الحقيقة.. الحقيقة التي يحاول الجميع إخفاءها عنك، التي لم تُكتب حتي في تقاريرك.

الملك فهد يخطو خطوة للأمام، ظله يغطي سليمان:

–الحقيقة؟! الحقيقة أنك خالفت أوامري وكنت ستعرض نفسك للخطر!"

سليمان يرفع صوته لأول مرة:

–أنا لست جنديًا عاديًا تحت أمرك يا فهد وانت تعلم ذلك أنا..

يتوقف فجأة، لكن الملك فهد يلتقط الكلمة:

–أنت ماذا؟ تعتقد أنك فوق الأوامر؟ فوق القوانين؟ لماذا لم تفهم ان كل ما افعله ماهو الا لحمايتك وليس تقيدك انا افهم مملكتي اكثر منك يا سليمان واعرف عنها الكثير

سليمان يتنفس بعمق، يحاول الهدوء:

– اتفهم كل ذلك يا فهد ولكن هذه المراقبة لن تحميني بل العكس.. بل ستجعلني وتجعلك أعمى عن الحقيقة عن المؤامرة التي تُدبر لك في الخفاء أنت في خطر

الملك فهد يهز رأسه، صوته يصبح أخفض لكنه أكثر خطورة:

–أنت لا تفهم.. هناك خيوط تُحاك في الظلام، وشباك تُنسج حولك.

سليمان يتقدم خطوة:

–وحولك أنت إيضا يا فهد انني سمعتُ اليوم أن راجح قد عاد فجأة من سفر دام ثلاث ليالي.. وهذا ليس صدفة.

يتجمد الملك فهد للحظة، عيناه تتسعان ثم تضيقان.

الملك فهد بصوت هادئ لكنه قاتل):

–إذن.. أنت تعرف أن هناك خطر فا لماذا تعاند ايها الملك لماذا تعرض نفسكَ للخطر ولأجل من.

سليمان:

"لأجل أنت! هل نسيت عهدنا منذ الصغر أنت صديق دربي يا فهد ولن اسمح ان يضرك شئ أعرف أن هناك عدو.. وأعرف أنك تخفي عني شيئًا كبيرًا. وصفتي الآن إيضا تجعلني احميك.

ينظر الملك فهد إليه طويلاً ، ثم يربت على كتفه و يخرج من الغرفة بدون كلمة أخرى، لكن سليمان يعرف.. أن الأمور لن تعود كما كانت.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

تاج في الظل

المؤلف Heba Nabil
2026/03/21 مكتملة
قائمة الفصول (33)
الفصل 1: تمهيد
2026/03/21
الفصل 2: الفصل الأول
2026/03/21
الفصل 3: الفصل الثاني
2026/03/21
الفصل 4: الفصل الثالث
2026/03/21
الفصل 5: الفصل الرابع
2026/03/21
الفصل 6: الفصل الخامس
2026/03/21
الفصل 7: الفصل السادس
2026/03/22
الفصل 8: الفصل السابع
2026/03/22
الفصل 9: الفصل الثامن
2026/03/22
الفصل 10: الفصل التاسع
2026/03/22
الفصل 11: الفصل العاشر
2026/03/24
الفصل 12: الفصل الحادي عشر
2026/03/24
الفصل 13: الفصل الثاني عشر
2026/03/24
الفصل 14: الفصل الثالث عشر
2026/03/24
الفصل 15: الفصل الرابع عشر
2026/03/25
الفصل 16: الفصل الخامس عشر
2026/03/25
الفصل 17: الفصل السادس عشر
2026/03/25
الفصل 18: الفصل السابع عشر
2026/03/25
الفصل 19: الفصل الثامن عشر
2026/03/27
الفصل 20: الفصل التاسع عشر
2026/03/27
الفصل 21: الفصل العشرون
2026/03/27
الفصل 22: الفصل الحادي والعشرون
2026/03/27
الفصل 23: الفصل الثاني والعشرون
2026/03/29
الفصل 24: الفصل الثالث والعشرون
2026/03/29
الفصل 25: الفصل الرابع والعشرون
2026/03/29
الفصل 26: الفصل الخامس والعشرون
2026/03/29
الفصل 27: الفصل السادس والعشرون
2026/04/05
الفصل 28: الفصل السابع والعشرون
2026/04/05
الفصل 29: الفصل الثامن والعشرون
2026/04/05
الفصل 30: الفصل التاسع والعشرون
2026/04/05
الفصل 31: الفصل الثلاثون
2026/04/07
الفصل 32: الفصل الحادي والثلاثون
2026/04/08
الفصل 33: الفصل الثاني والثلاثون والأخير
2026/04/08

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة