من أنتِ؟

من أنتِ؟

13 0

"أتقول إنني تركتك ثلاثة أيام كاملة… لأعود ولا أجد معلومة واحدة مفيدة؟"

قالها داميان دون أن يرفع عينيه عن شاشة حاسوبه

ابتلع ستيفان ريقه، وشدّ ربطة عنقه بتوتر واضح قبل أن يتكلم أخيرًا:

"في الواقع، يا سيدي… هي من عائلة هيل، ولذلك كان من الصعب—"

لم يُكمل جملته

داميان رفع رأسه فجأة، وحدّق به بحدة

"مهلًا… لحظة"

توقف صوته، ثم قال ببطء قاتل:

"عائلة مَن؟!"

"عائلة هيل، سيدي"

ساد صمت قصير، ثقيل، قبل أن يقول داميان بنبرة منخفضة:

"هل تقصد نفس العائلة التي تملك شركة سياحية… ذات الفروع الثلاثة في البلاد؟"

"نعم، نفسها"

لم يقل داميان شيئًا

أرجع جسده إلى الخلف ببطء، وأسند ظهره إلى الكرسي، ثم رفع يده يدلك صدغيه بإرهاق واضح، كأن المعلومة أثقل مما كان يتوقع

أغمض عينيه للحظة، أنفاسه بطيئة، ثم سأل بصوت منخفض متعب:

"هل أنت متأكد؟"

"أجل، سيدي"

قالها ستيفان بثبات هذه المرة، ثم أضاف:

"بعد حادث وفاة والديها، تولّت عائلة عمّها أمرها تعيش حاليًا مع زوجة عمّها وابنتها، أما العم… فكثير السفر"

ساد صمت قصير

تنهد داميان بعمق، وكأن الأفكار بدأت تتزاحم في رأسه دون استئذا

عائلة هيل…

اسم ثقيل، ثروة معروفة، نفوذ، وشبكة علاقات لا يستهان بها

وإن كانت تنتمي فعلًا إلى تلك العائلة، فلماذا تعمل؟

ولماذا في مقهى صغير، وبذلك الجهد، وبهذا التعب الظاهر؟

العائلات الثرية، حتى حين لا تحب أبناءها، تفتح لهم الأبواب

تمنحهم المال، تحيطهم بالراحة، تضمن لهم حياة بلا حاجة

إذًا… لماذا هي هنا؟

الفكرة المزعجة تسللت إلى ذهنه دون رحمة

إن كانت تُعنَّف، فالأرجح أن عائلة عمّها هي السبب

لكن الأمر لا يتوقف عند العنف فقط…

هي تعمل...

تعمل رغم انتمائها لعائلة قادرة على إغراقها بالمال دون أن ترمش عين

هل تُعنَّف… ولا تأخذ مالًا؟

هل تُحرم من حقها، ثم تُجبر على خدمة من يفترض أنهم عائلتها؟

أم أنها اختارت العمل لتبقى بعيدة… لتنجو بطريقتها؟

فتح عينيه ببطء

الإرهاق لم يكن جسديًا فقط، بل ذهنيًا، ثقيلاً، خانقًا

شيء ما لم يكن منطقيًا

وذلك بالضبط… ما جعله أخطر.

تنهد بضحكة خافتة، ضحكة مكسورة لا تحمل أي مرح، وتمتم بصوت بالكاد يُسمع:

"تأخذ دور سندريلا إذًا…"

كان في نبرته شيء بين السخرية والمرارة، كأن الفكرة تضحكه وتؤلمه في الوقت نفسه

قاطعه صوت ستيفان من أمامه:

"هل قلت شيئًا، سيدي؟"

انتبه داميان لوجوده، حرّك رأسه نفيًا ببطء وقال بنبرة عاد إليها شيء من البرود:

"لا، لا شيء"

ثم أضاف وهو يعود بنظره إلى الشاشة أمامه:

"يمكنك الذهاب ومتابعة عملك"

أومأ ستيفان باحترام وغادر، بينما بقي داميان مكانه، عالقًا مع فكرة واحدة ترفض أن تغادر ذهنه

مضت قرابة ثلاثة أيام منذ تلك اللحظة، منذ أن وقعت عيناه على قدمها المليئة بالكدمات وهو يحاول الا يظهر لها شيء، ومنذ ذلك الوقت لم يهدأ غضبه لحظة واحدة

كان يحترق في صدره ببطء، كجمرٍ لا ينطفئ مهما حاول تجاهله

ثلاثة أيام وهو يستعيد المشهد ذاته، لون الكدمات، صمتها، ارتجافة صوتها

وثلاثة أيام وهو يشعر أن شيئًا ما داخله قد انكسر ولم يعد كما كان

كانت إيلينا بالنسبة له كأشعة شمس دافئة في صباح بارد

كالمطر النقي الذي يغسل الروح دون أن يطلب شيئًا

كالندى الذي يستقر على الأشياء برفق، دون أن يترك أثر أذى

بالنسبة له كانت إيلينا ملساء، خفيفة، شفافة… كالزجاج

نقية إلى حدٍ مخيف

وكأن الفكرة وحدها كانت كافية لتفجير غضبه

كيف… كيف يتجرؤون على إيذائها؟

كيف يستطيعون لمس شيء بهذه الهشاشة دون أن ترتعش أيديهم؟

كيف يمكن لإنسان أن يمد يده على ملاك مثلها؟

كيف يستطيعون إطفاء شعاعها الجميل؟

كيف يملكون الجرأة على جعل هذا الضوء يذبل؟

كان السؤال يصرخ في رأسه بلا إجابة

وكأن الكون كله صامت أمامه، يتركه وحيدًا مع غضبه… ومعها.

شدّ القلم بقوة حتى انكسر بين أصابعه، وتناثرت حوافه المكسورة

ضغطت أطرافه الحادة على راحة يده، لكنه لم يشعر بشيء في البداية، وكأن الألم لم يكن كافيًا ليوقظه

لم ينتبه إلا حين رأى خطًا رفيعًا من الدم يشق طريقه ببطء، ينزلق على جلده حتى بلغ رسغ يده

حينها فقط أدرك ما فعله

رمى القلم بعيدًا بقوة، وكأن غضبه لم يجد سوى ذلك المخرج الصغير ليفلت منه

مدّ يده سريعًا وسحب منديلًا، ضغطه على جرحه دون اهتمام، يجفف الدم عن يديه بحركات قاسية، مشتتة

كان الألم بسيطًا… تافهًا

لا يُقارن بشيء مما كان يحترق

أخرجه من أفكاره طرقٌ خافت على الباب

"تفضل"

قالها بهدوء، رغم أن يده كانت ما تزال تضغط على الجرح

مسح الدم عن رسغه بعناية، حركاته بطيئة، محسوبة، وتأكد بعينٍ سريعة أن القميص لم يتلوث

لا يريد أثرًا… لا دليلًا على ما يحدث داخله

شعر بالألم يزحف إلى يده

ألم واضح، مباشر، جعله يزفر ببطء

تنهد…

إن كان هو يتألم هكذا من جرح صغير، من قلمٍ تكسر بين أصابعه،

فكيف بإيلينا؟

إيلينا…

الفتاة الرقيقة، الهادئة، التي يبدو جسدها أضعف من أن يتحمل القسوة

كيف تحتمل كل تلك الكدمات؟

كيف تبتسم وتعمل وكأن شيئًا لم يحدث؟

كيف تخفي الألم خلف صوت دافئ ونظرة مطمئنة؟

ضغط على المنديل أكثر

وشعر بشيء ينقبض في صدره

إذا كان هذا يؤلمه هكذا…

فكم تتألم هي؟

"أراك مشغولًا"

رفع داميان عينيه، ليجد والده واقفًا عند الباب، وبجانبه ستيفان

"ليس كثيرًا، لدي بعض الأمور أنهيها ثم ينتهي عملي"

اقترب والده وجلس، نبرة صوته هادئة لكنها تحمل معنى آخر

"لم أقصد العمل"

عقد داميان حاجبيه قليلًا

"وماذا قصدت إذًا؟"

سأل وهو يميل للخلف في مقعده

نظر إليه والده بتمعّن

"مشغول بأفكارك… أليس كذلك؟ أخبرني، بما تفكر؟"

اتسعت عينا داميان لوهلة

كان محقًا…

لكن هل يستطيع إخباره؟ بالطبع لا

صمت، لم يجب

فهم والده الصمت، وأكمل وكأنه ينتقل لموضوع آخر

"على ذكر ذلك… لماذا الشركة فارغة؟"

فتح داميان عينيه بانتباه، ثم نظر إلى الساعة

كان وقت استراحة الغداء

"هم الآن في المقهى القريب من هنا، سيد ألكسندر"

أجابه ستيفان بهدوء

التفت الوالد إليه

"أي مقهى؟"

"هناك مقهى قريب من الشركة، وبسبب عدم وجود مكان مخصص للاستراحة، يذهب الموظفون إليه"

تأمل والده الأمر قليلًا ثم قال:

"ولِمَ لم تبنِ كافيتيريا يا بني؟"

تنهد داميان، كأن السؤال أثقل مما يبدو، ثم قال بنبرة بسيطة:

"لا بأس… هكذا أفضل، وأكثر راحة للجميع"

قالها، بينما كان يعلم في داخله أن الأمر لم يعد مجرد راحة موظفين

لكنه لم يقل شيئًا آخر

تنهد ألكسندر وقال:

"لا يوجد مقهى قريب من هنا… من أين وجدتموه؟"

كان ستيفان على وشك الإجابة، لكن داميان سبقه وقال بهدوء مدروس:

"رشّحه لنا ستيفان، قال إنه جيد، كما أن الموظفين أحبّوه، لذا ها نحن ذا"

ضحك ستيفان ضحكة متوترة وهو يؤيد كلام داميان بهزّة رأس

لكن في داخله كانت الشكوك تشتعل

داميان هو من رشّح المقهى

وهو من بدأ بالتحرّي عن صاحبة المقهى

ومع ذلك… يخفي الأمر عن والده

لماذا؟

"إذًا، كيف هي الأعمال يا بني؟"

سأل ألكسندر ابنه وهو يراقبه بعين خبيرة

"جيدة يا أبي، كل شيء يسير كما خططنا له"

أجابه داميان بثبات

أومأ ألكسندر برأسه بتفهم، ثم سأل بعد لحظة قصيرة:

"وماذا عن شركة الشحن؟ هل اتفقتَ معهم؟"

تنهدت إيلينا وهي تنهي تنظيف المكان

كان آخر زبون قد غادر قبل ساعتين، ولا يبدو أن داميان سيظهر اليوم أيضًا

منذ تلك المرة… منذ أن رأى حالة قدمها، لم يقل شيئًا

لم يسأل

لم يعلّق

خرج فقط… ولم يعد يأتي بعدها

كان ذلك جيدًا نسبيًا

على الأقل، لم يضعها في موقف لا تعرف كيف تخرج منه

هي لا تعرف ماذا كانت ستقول لو سألها

وبالتأكيد، لم يكن سيصدقها لو أخبرته أنها وقعت

فهي… كذبت كثيرًا بهذا الشأن

وكذبة أخرى لن تبدو مختلفة عن سابقاتها لكنها لا تعرف لماذا يزعجها الأمر هكذا

لماذا يثقل صدرها بهذه الصورة

هو لم يسأل

لم يبدو وكأنه اهتم أصلًا

بل إنه توقف عن القدوم إلى المقهى بالكامل

هل انزعج لأنها كسرت هاتفه؟

كان يبدو باهظ الثمن… أكثر مما ينبغي أن يُكسر بتعثرٍ أحمق

من السيئ أن يهتم

ومن الجيد أنه لم يعد يأتي

هذا أفضل لها… وله

نعم، أفضل لها أكثر

فهي، ولسبب غريب لا تريد الاعتراف به، بدأت تكنّ له مشاعر

ومثله… رجل مثله

لن تعجبه فتاة مثلها

تنهدت وهي تعيد الأطباق إلى مكانها، تحاول إقناع نفسها بأن الغياب هو الحل

وحين سمعت صوت الباب يُفتح

توقف كل شيء

كان هو

تجمّدت في مكانها، بينما ابتسم لها بهدوء

ابتسامة أربكتها أكثر مما يجب

"مساء الخير"

"م—مساء النور!" أجابته بدهشة واضحة

وبقي جسدها متصلّبًا مكانه

أمال رأسه قليلًا ينظر إليها بنظرة خفيفة العتاب وقال:

"ألن ترحّبي بي؟"

تحرّكت فجأة وكأنها استفاقت، أسرعت وسحبت كرسي المطبخ بعجلة: "بالتأكيد… تفضّل"

ضحك بخفة، تلك الضحكة التي لا تصدر منه كثيرًا، وقال:

"لم أقصد بهذه الطريقة"

توقفت حركتها، ونظرت إليه باستغراب: "ب… بأي طريقة تقصد؟"

لم يُجب فورًا

ابتسم فقط… ثم اقترب خطوة

انصدمت، وتراجعت خطوة إلى الخلف بلا وعي

لكنه تقدّم أكثر...

خطوة أخرى...

ثم أخرى...

وقبل أن تستوعب ما يحدث، كانت بين ذراعيه

ضمّها إلى صدره

لقد… عانقها

اتسعت عيناها، وتجمّدت تمامًا

لم تستطع الحركة

لم تستطع التفكير

كان دافئًا… دافئًا على نحوٍ أربكها

وكأن العالم فجأة صار أصغر، أهدأ، محصورًا بين ذراعيه فقط

يا إلهي…

رائحته عن قرب كانت مختلفة

أطيب...

أعمق...

عطره كان برائحة خشبية دافئة ممزوجة بلمسة من البرغموت والفلفل

رائحة رجولية نظيفة، ثابتة، تشبهه تمامًا

دخلت الرائحة إلى أنفها، إلى صدرها، إلى رأسها

ونسيت…

نسيت أنها يجب أن تدفعه

نسيت أنها يجب أن تبتعد

بدلًا من ذلك، وبلا وعي، أمالت رأسها قليلًا

ووضعته على صدره

كانت تسمع نبضات قلبه

سريعة… قوية

تشبه دقات قلبها تمامًا

دفنت رأسها أكثر

كأنها تبحث عن المزيد من الدفء

من الأمان

من هذا الشعور الذي لم تختبره من قبل

هذا… دافئ

هذا… جميل

هذا الشعور رائع

إلى أن جاء صوته، منخفضًا، قريبًا جدًا، كأنه همس اخترق كل شيء:

"إيلينا… هل تتزوجينني؟"

وتوقّف العالم

"م-ماذا؟"

دفعته بصدمة وابتعدت عنه خطوة

ماذا يقصد؟

تتزوجه؟

يختفي لثلاثة أيام…

ثم يعود ويسألها أن تتزوجه؟!

"تزوجيني إيلينا"

كررها بهدوء، وكأنها جملة عادية

نظرت إليه بذهول، ثم ابتعدت أكثر

عيناها تلمعان وهي تحدق به

لم تفهم

هل هو جاد؟

أم أنها لم تسمع جيدًا؟كانت ستقولها بسرعة

"أوافق!"

ستوافق فعلًا

هي تشعر نحوه بالراحة

وجوده… مريح

طريقته معها كانت مختلفة...

كان يهتم بها...

ويملك كل الصفات التي تحلم بها الفتيات العاديات...

ربما… ربما معه

كانت ستصبح فتاة عادية كأي فتاة أخرى

والأهم…

هو من عرض عليها الزواج

ستوافق

لكن…

لا

شدّت أصابعها بقوة، وكأنها تثبّت نفسها

رفعت نظرها إليه رغم ارتجافها

"أنا أرفض"

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.الفصل انتهى.

اولا، رمضان مبارك للجميع

طبعا ،لا ننسى اخوتنا الذي سيحلّ عليهم رمضان وهم في المخيمات او في الجوع.

نسال الله تعالى، أن يمدهّم من الصحة، والرزق في هذا الشهر المبارك، ويعطيهم مراد قلبهم.

ثانيا، شاركوني آراءكم في الرّواية حتى الان.

وبشان الصورة التي ارفقتها مع الفصل- لا علم لي ان كانت ظاهرة او لا عليكم-، كنت اقلب في تطبيق بينترست ووجدت صورة تشبه أجواء الرواية ،لذا قمت بتجميع هذه الصور ودمجها، وارفقتها مع الفصل.

1

اذا اعجبتكم أخبروني، وساقوم بارفاق الصور دائما مع كل فصل.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

كما أنتِ...

المؤلف ghaakta
2025/11/09 مستمرة
قائمة الفصول (7)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة