شغّل محرك السيارة وهو يقود باتجاه الشركة، لكن ابتسامته لم تختفِ عن وجهه منذ خرج من المقهى
كان يعيد لفظ اسمها على لسانه بين حين وآخر، بصوت خافت لا يكاد يُسمع، وكأنّها أغنية مستحبّة
اسمها بدا وكأنه يملك موسيقى خاصة لا تشبه أي اسمٍ آخر
ركن سيارته بهدوء في موقف السيارات الخاص بالشركة
أطفأ المحرك، واستراح للحظة في مقعده، يستعيد تفاصيل تلك الابتسامة الخفيفة، وضحكتها التي لا تشبه ضحكات الآخرين
مدّ يده إلى المفاتيح، أدارها بين أصابعه ببطء، والابتسامة على شفتيه كانت تنمو بهدوء
كأنها من الأعراض الجانبية لدواء جديد... دواء اسمه "إيلينا"
ترجّل من السيارة بخفة غير معتادة
خطواته كانت أخف
كتفيه أقل توترًا
وجهه أكثر هدوءًا... بل وربما سعادة
"كيف حالك، مارك؟"
قالها وهو يناول مفاتيح السيارة للحارس المعتاد عند البوابة
لكن الحارس تجمد مكانه، مذهولًا من النبرة الهادئة، والابتسامة غير المألوفة على وجه رئيسه
"ب-بخير سيدي"
أجابه بارتباك وهو يراقب ظهره يبتعد
لم يكن وحده من لاحظ التغير
كل من رأى داميان صباح هذا اليوم شعر أن هناك شيئًا مختلفًا
شيئًا لا يُشرح بسهولة
داميان، رئيسهم الصارم، الذي لا يُظهر أي مشاعر، والذي يشتهر بنظرته الحادة وتعليقاته الجافة...
اليوم، كان مختلفًا
لم يوبّخ أحدًا
لم يطلب القهوة بلهجة ضجرة
لم يُلقِ بنظراته المتفحصة فوق الأوراق ليكتشف خطأً تافهًا يُعاتب عليه الموظف أمام الجميع
ولم يُدلّك جبينه بتعبه المعتاد
بل جلس... يعمل... يوقّع... ويُصغي
كأنه رجل اكتشف لأول مرة أن الحياة ليست فقط أوراقًا ومحاضر اجتماعات
مساعده الشخصي، الذي يعرف تقلبات مزاجه جيدًا، لاحظ أيضًا
لكنه كان أكثر جرأة من غيره
فكر سريعًا أن اليوم هو فرصته الوحيدة ليطرح فكرة ظلّ يهرب من قولها منذ أسابيع
بينما كان يجمع بعض الأوراق ويعدّ الملفات، اقترب وقال بهدوء:
"سيد داميان؟"
رفع الأخير رأسه قليلًا وهو يوقع على ورقة أمامه:
"نعم؟"
صوته لم يكن حادًا
بل بدا طبيعيًا
هادئًا... كما لم يسمعه منذ مدة
شجّعه هذا، فقال:
"في الواقع... بشأن الكافيتيريا، الموظفون بدأوا يشتكون مؤخرًا أن أقرب مقهى أو مطعم للاستراحة بعيد جدًا عن الشركة
وهذا يتسبب بتأخرهم، أو تراجع طاقتهم خلال العمل
فكرت لو أننا... نستغل جزءًا من الحديقة الجانبية ونبني فيها كافيتيريا داخلية؟"
انتهى من جملته، وساد صمت لثوانٍ ثقيلة
راقب مساعده نظرات رئيسه وهي تهبط ببطء على القلم ثم لاحظ شدّه عليه
وتوترت أطرافه فورًا
يا للمصيبة... لماذا قال ذلك؟
فكّر بسرعة أنه قد يُخصم من راتبه أو يُوبّخ علنًا
لكن داميان قال ببرود، وهو لا يزال يحدق في الورقة:
"أنا لا أدفع لهم كي يتذمروا
منذ بدأوا العمل هنا، كانوا يعرفون الوضع"
صمت مساعده... تمامًا
ابتلع ريقه، وهمّ بالانسحاب دون قول شيء آخر
لكنه تفاجأ بداميان يتنهد، ثم يضع القلم جانبًا ويتحدث من جديد
"هناك مقهى قريب من هنا
مقهى بسيط... لكنه جيد جدًا
القهوة فيه ممتازة... وهادئ
أخبرهم أن بإمكانهم الذهاب إليه"
رفع مساعده رأسه بدهشة
داميان... يرشّح مكانًا للاستراحة؟
لكنّه لم يسأل المزيد
لم يرد أن يُفسد هذا المزاج النادر
أومأ برأسه وقال:
"سأبلغهم حالًا، سيدي"
ثم غادر المكتب... بينما ظلّ داميان صامتًا للحظة
ثم همس بصوت بالكاد يُسمع:
"إيلينا..."
وابتسم
خرج مساعده وهو يسير بين المكاتب لجمع الأوراق، متجهًا نحو غرفة العمليات والتخطيط، حيث يعمل الفريق المسؤول عن جداول العمل ومتابعة المشاريع الجارية
بمجرد أن فتح الباب، لاحظ التعب مرسومًا على وجوه الموظفين، أكواب القهوة الفارغة منتشرة، والأوراق مكدسة على الطاولات
"هيه، ستيفان! هل قال المدير شيئًا عن موضوع الكافيتيريا؟"
سأل أحد الموظفين وهو يُدلك صدغيه بتعب
"أوه، بشأن هذا الموضوع... قال إن هناك مقهى قريب، ممتاز جدًا، رشحه بنفسه"
رد ستيفان وهو يفتح لوحه ويخرج الأوراق المطلوبة
أسند أحدهم رأسه على الطاولة، تنهيدة طويلة خرجت منه:
"ولماذا لا نفتتح مقهى هنا وانتهينا؟"
"لا أعلم، لكنه قال إن المكان مريح، والقهوة ممتازة، كما أنه قريب جدًا من الشركة"
أجاب ستيفان
"أين يقع هذا المقهى بالضبط؟"
سأل موظف آخر وهو يرفع رأسه باهتمام
تردد ستيفان قليلاً، لكن قبل أن يجيب، قاطعه موظف يجلس قرب النافذة:
"أوه! أعتقد أنني أعرفه! إنه المقهى الصغير عند تقاطع شارع هيلروز خلف موقف السيارات الخلفي"
"إن كنت تعرف بوجوده، فلمَ لم تخبرنا من قبل؟!"
صاح أحدهم مستنكرًا
"لأنني لم أدخله قط، كنت فقط أمرّ من هناك وأراها تفتتح المكان"
قالها مدافعًا عن نفسه وهو يرفع يديه
"تراها؟ من؟"
سأل أحدهم باستغراب
"الفتاة التي تديره... تدير المكان لوحدها، جميلة جدًا"
قالها بابتسامة خفيفة
"قلت فتاة جميلة؟"
كرر الموظف الجملة وهو يرفع حاجبه
"أجل، جميلة جدًا"
أومأ له
عندها، ابتسم أحدهم بخبث وقال:
"إذًا... برأيك، هل المدير رشّح لنا المقهى أم الفتاة؟"
انفجرت الضحكات، لكن ستيفان ضربه على رأسه بخفة وقال:
"احترم نفسك يا آدم"
قاطعتهم همهمة أحدهم وهو يتمتم:
"لكن... غريب فعلًا، هذا ليس من عادة المدير. لم يرشّح لنا شيئًا من قبل"
"بالفعل، وبدا... مشرقًا جدًا عندما عاد من استراحته اليوم"
قال أحدهم وهو يتذكر ابتسامته النادرة
"من المستحيل أن يُعجب المدير بأحد!"
قال موظف آخر بثقة
"ولمَ لا؟ أليس بشرًا مثلنا؟"
"بلى... لكنه المدير"
قالها الأخير بنبرة تأكيدية
أومأ الجميع بصمت تام، كما لو أن الكلمة بحد ذاتها كانت جوابًا كافيًا
ثم قال ستيفان وهو يجمع الملفات:
"كفى تحليلًا، أعطوني الأوراق المنتهية حتى أسلمها قبل أن أتأخر"
"أوه، تفضل... لكني متحمس جدًا لاستراحة الغد، سأذهب إلى المقهى وأتعرف على الفتاة"
قالها أحدهم بحماس
"حسنًا، أخبروا باقي الزملاء، وسأمر أنا على الأقسام الأخرى أثناء جولتي"
أجاب ستيفان وهو يغادر
دخل ستيفان بعد أن طاف بين المكاتب وجمع كل الأوراق، ثم وضعها بعناية على مكتب داميان الذي كان يجلس خلف مكتبه منهمكًا في كتابة تقرير على حاسوبه المحمول
رفع داميان عينيه دون أن يوقف ما يكتبه، ثم أعاد النظر إلى الشاشة وهو يتمتم:
"أنت أسرع من المعتاد اليوم..."
وقف ستيفان بثبات، يضع يديه خلف ظهره كعادته حين يتحدث بشكل رسمي
قال بنبرة مهنية:
"سيدي، لدينا اجتماع خلال نصف ساعة مع ممثلي شركة أوكتافا للاستثمار العقاري، بخصوص مراجعة العرض المُقترح حول مشروع الشراكة الجديد... الذي طلبتم مراجعته قبل توقيع الاتفاق الأولي"
توقف داميان عن الكتابة للحظة، وضع القلم جانبًا وأغلق الملف على الشاشة، ثم قال بنبرة ثابتة:
"أوه، ممتاز... لقد انتهيت من التقرير الآن"
ثم أشار إلى الأوراق التي جلبها ستيفان:
"ضع هذه في ملف 'قسم التطوير'، واطلب من المحاسبة تجهيز تقريرهم حول التكاليف النهائية للمشروع السابق، أريده على مكتبي بعد الاجتماع مباشرة"
أومأ ستيفان دون تردد:
"حاضر سيدي، سأتأكد من ذلك فورًا"
ثم ألقى نظرة سريعة على ساعة الحائط، وأضاف:
"الوقت مناسب تمامًا... هل نذهب؟"
نهض داميان من خلف مكتبه، سحب سترته من الكرسي ووضعها على كتفيه برشاقة
قال بنبرة تحمل بعض الحزم المعتادة:
"نعم... ولنأمل أن لا يضيعوا وقتي بتكرار التفاصيل من جديد"
ابتسم ستيفان بخفة دون أن يُظهرها بوضوح، ثم فتح له الباب قائلًا:
"كما تحب سيدي، وسأتأكد من تنسيق الجلسة القادمة دون وجود أي تكرار"
غادر الاثنان المكتب بخطوات ثابتة، داميان يُعدّل أزرار سترته بهدوء، وستيفان خلفه يدون ملاحظات سريعة على جهازه اللوحي، استعدادًا لاجتماع آخر في يوم لا يتوقف
"مساء الخير جميعًا"
قالها داميان بصوته الهادئ والواثق، بينما كان يسحب الكرسي في رأس الطاولة ويجلس
جلس مساعده إلى جانبه مباشرة، يفتح جهازه اللوحي ليتابع نقاط الاجتماع، وعيناه لا تفارق وجه مديره ترقّبًا لأي تغيّر في مزاجه
ألقى داميان نظرة فاحصة على الطاولة، ثم شبك أصابعه تحت ذقنه وقال بنبرة باردة لكن دقيقة:
"يبدو أننا نفتقد أحد الحاضرين"
ساد صمت قصير قبل أن يتحدث أحد ممثلي شركة أوكتافا، رجل في منتصف العمر ذو صوت رخيم وابتسامة معتذرة:
"آه... نعم، إنه السيد فريدريك، مدير قسم العمليات لدينا... في الواقع، هذه عادته"
تبادل البعض النظرات بتوتر خفي، بينما شعر ستيفان، مساعد داميان، بشيء من التوتر يتسلل إلى صدره يعرف جيدًا أن هذه الجملة وحدها قد تكون كافية لإشعال فتيل استياء رئيسه. التفت إليه بحذر، متوقّعًا تعبيرًا صارمًا أو تعليقًا لاذعًا. لكنه فوجئ بوجه داميان... هادئ، جامد، لا يُقرأ منه شيء
ثم تحدث داميان أخيرًا بنبرة هادئة لكنها تحمل وقعًا ثقيلًا:
"في المرة القادمة... أخبروه ألا يعتاد على التأخير في اجتماعاتي"
لم تكن نبرة غضب، بل أقرب إلى إنذار مغطى باللباقة. لكنها وصلت بوضوح
سقط الصمت على الغرفة بعد كلماته. خمس دقائق مرت ببطء شديد، بدت أطول من المعتاد، والمناخ مشدود كوتر مشحون
وأخيرًا، فُتح الباب بسرعة خفيفة، ودخل رجل خمسيني يبدو عليه الارتباك، يخلع معطفه بيد ويعدّل نظارته بالأخرى، وهو يقول بنبرة شبه هامسة:
"أعتذر عن التأخير، كان هناك ازدحام مفاجئ على الطريق"
رفع داميان عينيه إليه، لكن لم ينبس بكلمة، فقط أشار له بيده ليجلس
ثم أخذ نفسًا خفيفًا، فتح الملف الجلدي أمامه، وقال بهدوءٍ محسوب:
"حسنًا... لنبدأ الاجتماع"
نظرة سريعة إلى الأوراق، ثم إلى ممثلي شركة أوكتافا الجالسين بترتيب أنيق
تكلم أحدهم، كان يرتدي بذلة رمادية ويضع نظارة سميكة:
"كما تعلمون، نحن متحمسون لهذا المشروع... ووفق العرض الجديد، اقترحنا شراكة بنسبة 50/50 بين شركتينا، مع التزام أوكتافا بتمويل 70% من تكاليف البنية التحتية، ومشاركة الأرباح بشكل متساوٍ"
أومأ أحد الجالسين بجانبه دعمًا، بينما كانت أعين داميان تتحرك بهدوء بين الوجوه، ثم عاد بنظره إلى الورق
رفع رأسه وتحدث بنبرة هادئة لكنها حادة:
"من الناحية النظرية، العرض يبدو متوازنًا... لكن عندما نظرتُ إلى التفاصيل، وجدت شيئًا آخر"
سحب ورقة ورفعها بيده:
"أنتم تموّلون 70%؟ نعم... لكن وفق ما ورد هنا، 40% من هذه النسبة ستُسترجع من أرباح السنوات الثلاث الأولى. بمعنى آخر، أنتم تستثمرون الآن... لكن تستعيدون أموالكم أولاً، قبل أن نحصل نحن على أي ربح فعلي"
صمت لحظة، ثم أكمل:
"هذا ليس تمويلًا، هذا سُلفة... ونحن لسنا هنا لنستدين منكم"
تحرّك بعض ممثلي أوكتافا في مقاعدهم بقلق، لكن المتحدث الرئيسي ابتسم بثقة وقال:
"سيد داميان، نحن نعتقد أن هذه خطة ذكية لضمان استقرار الأرباح للطرفين، خصوصًا في سنوات التشغيل الأولى"
أجابه داميان مباشرة:
"الخطة ذكية، نعم... لكن لصالحكم فقط. نحن من نملك الأرض، التصميم، وطاقم الإدارة. أنتم تُموّلون وتستعيدون رأس مالكم أولًا، ثم تأخذون نصف الأرباح..."
توقف لحظة، ثم انحنى للأمام وقال بوضوح:
"أين العدالة هنا؟"
سادت لحظة صمت، ففتح مساعده الحاسوب أمامه وعرض على الشاشة مقارنة بين ثلاثة عروض مختلفة لشراكات مشابهة قامت بها الشركة في السنوات الماضية
"كما ترون، في كل مشاريعنا السابقة، التمويل يتناسب مع الأرباح. الطرف الذي يتحمل المخاطرة الأكبر، يحصل على النسبة الأكبر. هذا ما نُسميه شراكة عادلة"
قالها وهو ينقل بصره بينهم
ثم أضاف:
"الآن... لدي اقتراح، بسيط وواضح: 60% من الأرباح لشركتي، 40% لكم، مع جدول استرداد تمويل لا يؤثر على أرباحنا الأساسية خلال أول سنتين"
تحرك أحد الممثلين ليعترض، لكن داميان سبقه:
"لسنا في مزاد، ولا لديّ وقت لمناورات. هذا العرض بين أيديكم. لديكم حتى صباح الاثنين لإعادة النظر... أو سيُعرض المشروع على شركة أخرى"
ثم أغلق الملف بهدوء، ونهض واقفًا:
"شكرًا لحضوركم"
وقف مساعده فورًا، بينما وقف ممثلو أوكتافا أيضًا، بعضهم متوتر، وبعضهم محبط
خرج داميان من القاعة دون أن يلتفت، وحين أغلق الباب خلفه، نظر مساعده نحوه وقال بخفة:
"هل تحب دائمًا إخافتهم بهذه الطريقة؟"
رد داميان وهو يضع يديه في جيب معطفه:
"أنا فقط أُخبرهم بما لا يحبون سماعه... بأدب"
"سأسألك شيئاً لكن لا تغضب"
قال ستيفان فرمقه داميان بنظرة تعني 'قل'
"أنت عادة لا تتصرف بادب"
صمت داميان قليلا ثم ابتسم بشرود وقال بصوت منخفض:
"ربما لأنني تذوقت القهوة"
رمقه ستيفان بتعجب وقبل أن يستفسر كان داميان يمشي
"مالذي لدينا الآن يا ستيفان"
.
.
.
.
.
خرجت إيلينا من المقهى وهي تمسك بطرف المئزر بين أصابعها، تودّع آخر الزبائن بابتسامة هادئة، ثم تُطفئ الأضواء وتُقفل الباب خلفها
كان المساء قد بدأ يُلقي بظلاله على الشارع الهادئ، والبرد تسلل إلى أطرافها كعادته. وضعت المفتاح في جيبها وأخرجت هاتفها لتتفقد رسالة وصلت لتوها
رسالة من زوجة عمها. كالعادة، لا كلمة شكر، فقط أوامر. قائمة طويلة من الطلبات، وعبارة ختامية تقول:
"سيأتينا ضيوف هذا المساء، لا تتأخري"
زفرت بهدوء، وأعادت الهاتف إلى جيبها، ثم سارت بسرعة نحو المنزل القريب في الزاوية. كانت خطواتها خفيفة، لكنها متعبة
طرقت الباب الخشبي بلطف، وما لبث أن فُتح ليطل منه رجل مسنّ بشعر أبيض وابتسامة دافئة
"مساء الخير، سيد أليكس"
قالتها بنبرة مشرقة تحاول أن تُخفي بها إنهاك يومها. رد عليها بابتسامة صادقة:
"مساء النور، إيلي... أنتِ مبكرة اليوم"
ثم حرّك الباب قليلاً وكأنه يفسح لها المجال للدخول، لكنه لاحظ أنها بقيت واقفة على العتبة، لا تنوي الدخول
"أجل... زوجة عمي أرسلت لي رسالة، تريدني أن أحضر بعض الأشياء قبل وصول ضيوفها"
قالتها وهي تُخرج من جيبها حفنة من الأوراق النقدية التي جمعتها من الزبائن خلال اليوم، رتبتها بعناية وهي تمدها نحوه:
"هذا ما جمعته اليوم... تفضل، عمي"
نظر إلى النقود بين أصابعها، ثم إليها، لم يتناول المال مباشرة.
"لن تدخلي قليلاً؟ حضّرت بعض البسكويت الطازج، وطعمه أفضل عندما يكون دافئًا"
قالها بابتسامة شبه رجاء، وكأنه يشعر أنها بحاجة لشيء بسيط مثل كوب شاي وحديث قصير
لكنها هزّت رأسها بأسف خفيف:
"صدقني أود ذلك... لكن كما قلت لك، زوجة عمي تنتظرني، وإن تأخرت، تعرف ما قد يحدث"
لم يُعلّق، بل تنهد فقط، يأخذ المال بهدوء من يدها، يعدّه سريعًا، ثم يستخرج جزءًا منه ويعيده إليها:
"تفضلي... هذا حقك، وشكرًا على تعبك اليوم، إيلي"
نظرت إليه بتردد، لكنها لم تجادله. ابتسمت برقة، وضعت النقود في جيبها مجددًا، ثم لوّحت له:
"إلى اللقاء، عمي... أراك غدًا"
"كوني حذرة في طريق العودة، ولا تنسي ارتداء وشاحك، الجو يزداد برودة"
ابتسمت، ولوّحت له مرة أخرى وهي تبتعد بخطوات سريعة، والهواء يحرك أطراف شعرها وهي تعود إلى عالمها الآخر... البيت الذي لا تجد فيه دفء هذا الباب الخشبي ولا وجه العجوز الهادئ
.
.
.
.
دخلت إلى السوبر ماركت، فتحت هاتفها بسرعة، تتفقد الرسالة الطويلة التي أرسلتها لها زوجة عمها بلائحة لا تنتهي من الطلبات
نظرت إلى الشاشة بتنهيدة طويلة، تتمنى فقط أن تجد كل شيء هنا، ولا تضطر للذهاب إلى مكانٍ آخر
كانت أصابعها تمسك الهاتف بإحكام، بينما عيناها تتحركان بين الرفوف بحذر، لا تبحث فقط عن الأشياء... بل عن الأرخص بينها
أخذت تسحب السلع واحدة تلو الأخرى، تتوقف عند كل سعر، تحسب في عقلها، تُخفض السلعة أحيانًا ثم تعود وتأخذها على مضض
وجهها بدأ يكتسي بالقلق... لأن المبلغ الذي جنته اليوم بالكاد سيكفي
اليوم... ليس جيدًا
اليوم كل شيء باهظ، كل شيء ضاغط
بلعت ريقها وهي تضع علبة الحليب الأخيرة في السلة، ثم نظرت نحو القائمة مجددًا على شاشة هاتفها، تتأكد
تفقدتها مرتين، ثم ثالثة، تمشي بعينين مرهقتين، حتى تأكدت أن كل شيء هناك... أو على الأقل كل ما يمكنها تحمّله
توجهت إلى الصف القصير للمحاسبة، وكان طابورًا لا بأس به، وقفت تنتظر، والسلة ثقيلة بيديها
كانت تظن أنها انتهت من الضغط لهذا اليوم، لكن لم تكن تعلم أن لحظة صغيرة ستكسرها
شعرت بشيء خلفها
جسمٌ اصطدم بظهرها فجأة
ارتجف جسدها بقوة
رعشة حادة سرت من أسفل عمودها الفقري حتى رقبتها
شهقت بصوت مكتوم، وكأنها تخاف أن تُصدر ضجة
يدها بدأت ترتجف، والسلة التي كانت تمسكها تزحزحت قليلاً
الفك بدأ يرتجف دون إرادتها
تعرّق خفيف ظهر على جبهتها
كل الأصوات من حولها أصبحت ضوضاء مشوشة
ضوء السوبر ماركت بدا وكأنه أشرس من المعتاد
وضعت يدها على رأسها
تحاول أن تركز، أن تستعيد توازنها، أن لا تنهار هنا
كلمات تتردد في عقلها:
اهدئي
اهدئي
كل شيء بخير
أنتِ فقط في السوق، لا أحد سيؤذيك
ثم...
يد خفيفة توضع على كتفها من الخلف
شهقة أخرى تسللت من صدرها
تجمدت
بلعت دمعتها، ثم رفعت رأسها
"هل أنتِ بخير يا آنسة؟"
سألها رجل بصوت قلق وهو ينظر لعينيها اللامعتين من الدموع
تجمّدت دمعة بعينها
هزّت رأسها ببطء
"أجل... شكرًا لك"
قالتها بصوت منخفض ومهزوز، ثم انحنت تجمع الأغراض التي سقطت منها على الأرض
الرجل تراجع بلطف، وأفسح لها المساحة
جمعت كل شيء، رتّبت نفسها، وحاولت رسم ابتسامة باهتة على شفتيها قبل أن تتقدم خطوة أخرى للأمام في الصف
دفعت ثمن الأغراض، ولحسن حظها... زاد معها مبلغ بسيط
كان انتصارًا صغيرًا، لكنه يعني الكثير لها الآن
خرجت من السوبر ماركت تحمل الأكياس الثقيلة
كتفاها يؤلمانها، والبرد يخترق أطراف أصابعها رغم المعطف الرقيق
الطريق للمنزل كان أطول من المعتاد، ربما لأن التعب صار ثقيلًا
دخلت إلى المنزل من الباب الجانبي
ومن حسن حظها، أن زوجة عمها وابنتها كانتا مشغولتين جدًا بتعديل مظهرهما
لا صراخ... لا أوامر مباشرة
الهدوء الآن... فرصة
وضعت الأكياس على طاولة المطبخ
ثم خلعَت معطفها المتعب، وعلّقته على المشجب الصغير في غرفتها
غسلت يديها بالماء البارد
ثم بدأت تُخرج الحاجيات
بهدوء
بترتيب
بوجع مخفي خلف عينيها
أخرجت الخضار، العلب، الأواني
ثم بدأت الطبخ
عدة أصناف طلبتها زوجة عمها لحفلة الليلة
أطباق ثقيلة... تحتاج وقتًا ومهارة
وهي... رغم التعب... تعرف جيدًا ماذا تفعل
وبينما القدور على النار، أمسكت بقطعة قماش واتجهت لغرفة الجلوس
نظفت الأرض
ثم الأرائك
ثم الطاولة
ثم المزهريات
كل شيء صار يلمع تحت يديها
عادت للمطبخ، راقبت الطعام، قلبت المكونات، أغلقت الغطاء
ثم بدأت جولة جديدة من التنظيف، كل ركن وكل زاوية في المنزل
حتى بدت يدها كأنها آلة تعمل بلا توقف
وأخيرًا...
وقفت وسط المطبخ ترتّب آخر الصحون
عندما خرجت زوجة عمها، بكامل أناقتها، وشعرها المصقول، وعطرها الفاخر
نظرت إليها بتعجّب
"ألم تنتهي بعد؟ الضيوف على وشك الوصول!"
رفعت إيلينا رأسها بهدوء وقالت:
"لقد انتهيت من كل شيء... بقي فقط المطبخ"
نظرت إليها المرأة بعين ضيقة
"إذا... انتهي بسرعة واذهبي للاستحمام وتغيير ملابسك"
أومأت إيلينا برأسها
ثم عادت بصمت لتجمع الصحون المتسخة
ووضعت يديها في الماء مجددًا
تكمل الغسيل...
وكأن التعب لم يكن كافيًا بعد
لكنها تعلم أن أحدًا لن يقدر
لذا، هي لم تعد تنتظر التقدير أصلًا... فقط تريد انتهاء اليوم
.
.
.
.
عاد داميان إلى المنزل في الموعد الذي أخبره به والده صباحًا، فاليوم كان مُقررًا أن يزوروا عائلة خطيبة شقيقه ليام
وما إن دخل عبر الباب الرئيسي حتى استقبله مشهد يعجّ بالفوضى
الخدم يسرعون بين الغرف، يحملون صناديق مغلّفة بأناقة وعربات صغيرة مليئة بعلب هدايا فاخرة
رائحة العطر المختلط بالورد تملأ المكان، وكأن المنزل يستعد لاستقبال ملك لا عائلة عادية
تنهد داميان ببطء
رفع يده يفك أول زر من قميصه وهو يخطو نحو الدرج
كل هذه الأجواء المبالغ فيها... كل هذا التوتر والتزيين... كل شيء بدا له مسرحيًا أكثر مما يجب
فتح باب غرفته بهدوء، خلع معطفه الثقيل وألقاه على ظهر الكرسي دون اهتمام
فك أزرار قميصه الواحد تلو الآخر، ثم توجه إلى الحمام حيث أخذ حمامًا دافئًا خفف من ضغط رأسه
خرج يلف المنشفة حول خصره، قطرات الماء تنزلق من شعره على كتفيه
فتح خزانته، سحب واحدة من بدلات السهرة الغامقة دون أن يتفحصها كثيرًا، فقط اختار ما بدا أنيقًا وكافيًا
بدأ بارتداءها بتثاقل، وحين وصل إلى ربطة العنق توقف
جلس على طرف السرير وهو يحاول أن يربطها، لكنه لم يجد الصبر الكافي لذلك
حينها... سُمع طرق خفيف على الباب
دون أن يلتفت، قال بهدوء
"ادخلي"
دخلت والدته، أنيقة كما العادة، ترتدي فستانًا رماديًا داكنًا تلمع حوافه بخيوط فضية، وعينيها تتفحصانه فورًا
"هل انتهيت؟"
نظر إليها بصمت، ثم أشار إلى ربطة العنق غير المكتملة
"تقريبًا"
اقتربت منه، بدأت تربطها له بعناية وخفة معتادة، لم تتحدث إلا بعد أن شدّت العقدة وقالت
"هل أحضرت معك هدية مناسبة؟ أم أُعطيك واحدة من التي اخترناها لليام؟"
تنهّد داميان ونفخ الهواء من أنفه بضيق
"أحضرت واحدة"
"حسنًا... جيد جدًا"
قالتها بهدوء، ثم وقفت خطوة إلى الخلف تتفقد مظهره كما لو كانت تُقيّمه
وبعد أن أوْمأت برضا، خرجت من الغرفة دون أن تضيف شيئًا
أخذ داميان زجاجة العطر، رش القليل على عنقه ومعصميه، ثم مشط شعره إلى الخلف بانضباط
ارتدى ساعته، تأكد من أن أزرار سترته مغلقة، ثم نزل عبر الدرج بخطى واثقة
في الأسفل، بدا المنزل بأكمله متأهبًا
والده واقف يتحدث بهاتفه بجانب الطاولة التي صُفّت عليها الهدايا بعناية
الخدم يرتبون التفاصيل الأخيرة
أما ليام فكان يقف بالقرب من الباب بابتسامة لا تكاد تفارقه
كان يرتدي بدلة زرقاء داكنة، ويحمل باقة ورد كبيرة بيده اليمنى، وعلبة هدايا مزينة بشريط فضي بيده الأخرى
كان ليام على النقيض تمامًا من شقيقه
حين وُلد، كانت شركات والدهما تمر بفترة انتعاش، وكان المنزل مليئًا بالفرح والاستقرار
أحاطته العناية والحنان، وكان طفلًا لطيفًا محبوبًا من الجميع
أما داميان، فقد وُلد في زمن مختلف... زمن يضج بالأزمات، واضطرابات الأعمال، ومشاريع تكاد تنهار
تربى في بيئة تطلبت منه أن يكون صلبًا منذ صغره، أن يحلّ محل الراشدين قبل أوانه
لكن رغم الاختلافات، لم يشعر داميان يومًا بالغيرة
بل كان ليام هو شخصه المفضل في الحياة
كان يراه نقيًا... لا يحمل في قلبه إلا الطيبة
ولو لم يكن كذلك، لما وافق على حضور هذا العشاء السخيف الليلة
اقترب داميان وقال بصوت منخفض:
"أنا جاهز"
رد عليه والده وهو يغلق الهاتف:
"جيد، لنذهب"
تحرك الجميع نحو الباب
والدة داميان تمسك بحقيبتها الأنيقة، الخدم يسبقونهم ببعض الأكياس الصغيرة، وليام واقف كأنه لا يطيق الانتظار
لكن قبل أن يخطو داميان خارجًا، شعر بيد تُوضع على كتفه من الخلف
التفت بهدوء ليجد ليام يبتسم له
"شكرًا، داميان... على حضورك"
نظر إليه شقيقه الأكبر للحظة، ثم ابتسم ابتسامة صغيرة، لكنها صادقة تمامًا
"لا عليك ليام... أنت أخي، بعد كل شيء"