مرّت الأيام بسرعة، وانقضى الشتاء دون أن يشعر به
كان داميان لا يدري متى ينقضي الوقت، ولا كيف، حتى يجد نفسه من جديد داخل مطبخها الصغير
كان السبب واضحًا؛ موظفوه يشغلون المقهى أغلب الوقت، يملأون المكان بأصواتهم وضحكاتهم، ويأخذون الطاولات واحدة تلو الأخرى
كان الأمر مزعجًا أحيانًا… ليس لها، بل له
كان يراها مشغولة دائمًا، تتحرك بخفة بين الطاولات، تدخل المطبخ وتخرج، تحمل الصحون وتعيدها، تبتسم وتعتذر وتعمل بلا توقف
ورغم ذلك، لم تكن ابتسامته تغيب عنه وهو يراها هكذا
كان يلاحظها حين ترفع رأسها فجأة، حين تلتقي عيناها بعيني أحدهم، حين تضحك بخفة ثم تعود إلى عملها
كان يعرف أنها متعبة، لكنه كان يرى شيئًا آخر خلف التعب…
سعادة حقيقية
لم يكن يتوقع أن الأمر سيسعدها إلى هذا الحد
لم يكن يتخيل أن امتلاء مقهاها الصغير ببضع زبائن قد يزرع في قلبها هذا الفرح الهادئ
كانت سعيدة فعلًا...
سعيدة لأن المكان الذي صنعته بيديها لم يعد صامتًا، لأن الكراسي لم تعد فارغة، ولأن رائحة القهوة لم تعد تُهدر بلا شهود
كان يراقبها أحيانًا من بعيد، دون أن تشعر...
يرى كيف تتنفس براحة حين يزدحم المكان، كيف تلمع عيناها وهي تحسب الطلبات، وكيف يبدو المقهى… حيًا
لو كان يعلم منذ البداية أن الأمر بهذه البساطة، لو عرف أن سعادتها تولد من هذا، لكان اشترى لها مقهى كبيرًا في مكان فخم، وزيّنه بأفخم الطاولات، وملأه بأكبر التجار والصناعيين
لكنه يعرفها...
يعرف أنها لن تقبل...
تعرف كيف ترفض الأشياء الكبيرة حين لا تشبهها، وكيف تتمسك بما هو صغير، صادق، ودافئ...
ولهذا… ترك لها مقهاها كما هو، صغيرًا، بسيطًا، وممتلئًا بما يكفي ليجعلها تبتسم
خلال الأشهر الأربعة التي اعتاد فيها عملاؤه القدوم إلى عندها، لم يتوقف الحديث عنها يومًا
كانت الشركة بأكملها تتناقل اسمها، قهوتها الطيبة، وحلواها التي لا تُنسى
أحيانًا كانوا يأتون وحدهم، وأحيانًا يصطحبون عائلاتهم في العطلات وأوقات الفراغ
ولم يكن يلومهم
ما تعدّه بيديها يُسكر اللسان ويقيّده، يجعلك تتباطأ وأنت تتذوق، كأنك لا تريد للنهاية أن تأتي
أما ابتسامتها… فكانت قصة أخرى
كانت تسحر دون جهد
حين تتقوّس عيناها، تلتقي رموشها العلوية بالسفلية في لحظة قصيرة، ويظهر خطّان صغيران عند جانبي عينيها، علامة على كثرة ابتسامها
ثم تطلق ضحكة ناعمة، هادئة، تجبرك على الإنصات، لا لأنها عالية، بل لأنها صادقة
كانت أحيانًا تعضّ على جلد خدّها بخفة، فترتسم ابتسامة أجمل، وترتفع تلك الشامة الصغيرة قليلًا، كأنها تشاركها الفرح
"صباح الخير، داميان"
كان صوتها هو ما اقتلعَه من أفكاره
صوت بسيط، دافئ، لكنه كافٍ ليعيده إلى اللحظة
"صباح النور"
قالها بهدوء، وهو يتجنب النظر نحوها، خجلًا لا من وجودها… بل من أفكاره عنها
أكثر ما أدركه خلال الأشهر الأربعة الماضية، أنه لم يستطع إيقاف أفكاره عنها يومًا
وفي الحقيقة، لم يحاول
ليس لأنه عاجز… بل لأنه لم يكن يريد المحاولة أصلًا
فأفكاره عنها كانت تجلب له نوعًا غريبًا من السعادة، سعادة لا تشبه أي شيء عرفه من قبل
كانت بالنسبة له كالإدمان
ولأول مرة، لم يجد في الكلمة معنىً منفّرًا
صحيح أن الإدمان يضر، لكن الأمر يعتمد على ما أنت مدمن عليه...صحيح؟
فالإدمان، في لحظته الأولى، يمنح صاحبه نشوة، راحة، إحساسًا زائفًا بالاكتمال
وهو يشعر بذلك،لكن ليس مع شيء يضر بل مع إيلينا
الآن فقط فهم لماذا لا يستطيع البعض التخلّي عما يؤذيهم، حتى وهم يعرفون عواقبه
لأن الشعور… أقوى من العقل
وهذا تمامًا ما كان يشعر به
كما يشعر الآن، وهو يراقب إيلينا بشرود، وهي تتحدث معه
يتابع حركة يديها، طريقة ميلان رأسها حين تنصت، ونبرة صوتها الهادئة
لا يسمع الكلمات بقدر ما يشعر بها
لم تكن تفعل شيئًا مميزًا
لكن وجودها وحده كان كافيًا ليجعله ينسى أين هو، ولماذا أتى، وكم من الوقت مرّ
واكتشف بهدوء مقلق…
أنه لا يريد لهذا الشعور أن ينتهي
"—لذلك وضعتُ السكر، لكن صدقني، ليست حلوة جدًا،تذوّقها وأخبرني رأيك"
هو… في الأصل لا يحب الأشياء الحلوة كثيرًا
وهي تعرف ذلك، وتحسب دائمًا حسابه، تظن أنها لا تقدّم له شيئًا حلوًا
لكن ما لا تعلمه أنها، في الحقيقة، تعطيه دائمًا أشياء حلوة
ولا تنتبه
وهو… يأكلها كلها بسعادة
دون اعتراض
دون تردّد
في الواقع، هو غيّر رأيه
أصبح يأكل الطعام الحلو منذ أن تعرّف عليها
وكأن ذائقته نفسها تبدّلت بهدوء، دون أن يشعر
أساسًا… هي بحد ذاتها حلوة
فكيف له ألّا يحب الحلو بعد ذلك؟
لطم نفسه داخليًا على غزله الرخيص، على الفكرة التي أفلتت منه دون حذر، ثم ابتسم لها وقال:
"لذيذة"
كانت تنظر نحوه بعيون لامعة، كأنها انتظرت تلك الكلمة تحديدًا، قبل أن تصفق بسعادة وتقول:
"أرأيت؟ أخبرتك!"
ضحك بخفة، لكنه لم يجب، لأن نظره كان قد علق بها دون إذن منه
كانت تبدو جميلة…
بل رائعة…
بل فاتنة على نحوٍ أربكه...
شعرها مربوط بخفة، لا بعناية متقنة، وبعض الخصل انسلت منه بعناد، متطايرة بفعل العمل والحركة
عيناها تلمعان بحياة صادقة، وخداها مورّدان من جهد الصباح الطويل، من الوقوف، من العطاء، من التعب الذي لا يسرق منها جمالها بل يضيف إليه
أما ابتسامتها…
وتلك الضحكة التي تخرج منها دون تكلف، دون حساب، ضحكة قصيرة لكنها كافية لأن تُربك قلبًا مثله
كانت ساحرة...
ساحرته...
وساحرته له… دون أن تدري
بقي يتأملها وهي تتحدث له بلا توقف، وهو يحتسي قهوته المُرّة —الشيء الوحيد غير الحلو الذي تعدّه له-وعيناه معلّقتان بها دون وعي، إلى أن تجمّد وجهه فجأة، وتوقفت نظرته عند نقطة محددة فيها
كان الوقت قد اقترب من الصيف، وقد خلعت عنها الملابس الشتوية الثقيلة التي كانت تغطي جسدها بالكامل
الملابس الصيفية التي ترتديها الآن كشفت عن عنقها، وبالتحديد عن خط واضح وحاد، كأنه جرح قوي، يمتد من عنقها حتى أول صدرها
توقف الزمن عند تلك اللحظة، وحين أمعن النظر قليلًا، تأكد أن الأمر ليس صدفة، ولا حتى تلك الكدمة الزرقاء في يدها التي أخبرته أنها نتيجة طرقة الباب
لا…
هذا مختلف
إذًا هي تُعنَّف
الفكرة وحدها جعلت فكه يشتد، ويده تنقبض بقوة، وكأنه يتخيل الأمر أمامه، وكأن شخصًا ما يقف هناك
كيف يتجرأ؟
كيف؟
كيف يتجرأ على لمسها؟
هو… الذي لم يسمح لنفسه يومًا بلمس يدها، أو إمساكها، كي لا يدنّس شيئًا يراه نقيًا…
هناك من يضربها؟
ومن ضربها ستُكسر يده التي تجرأت عليها
سيكون سعيدًا بتقطيعها
سيكون مستمتعًا بشويها
وسيكون منتشيًا وهو يطعمه يده التي قطعها له
ولا… لن يكتفي بذلك
لكن لا يجب فعل شيء الآن
هي لم تخبره بعد
وإن فعل، ستخاف منه
لذا سينتظر…
سينتظر حتى تخبره بنفسها
وعندها، لن يصمت
ولن يهدأ له بال…
حتى تنطق اسمًا واحدًا فقط
"هل أنت بخير…؟"
قطعت أفكاره بصوتها من جديد
رفع نظره نحو وجهها، فوجد القلق واضحًا فيه؛ عقدت حاجبيها بتوتر خفيف، فتشكّلت عقدة صغيرة بينهما، بينما كانت رموشها تضرب حاجبيها دون وعي
ذلك المشهد وحده جعل قلبه يقفز مرة، ثم مرة أخرى، ثم أخرى… دون أن يهدأ
"…تبدو شارِدًا جدًا اليوم"
كلماتها سحبتْه من دوّامة أفكاره مرة ثانية
أدار وجهه بعيدًا عنها قليلًا، ورفع فنجان القهوة إلى شفتيه، يرتشف مرارتها علّها تهدّئه… أو على الأقل تهدّئ الأفكار القلقة التي تعصف برأسه
"لا… لا شيء"
قالها بسرعة، ثم أضاف وكأنه يقنع نفسه قبل أن يقنعها:
"لا داعي للقلق، فقط… الأعمال"
توقف لحظة قصيرة، ثم أكمل بصوت أكثر ثباتًا:
"الأعمال في هذا الوقت تكثر"
لكن لا القهوة هدّأته،
ولا الكلمات كانت صادقة بما يكفي ليصدّقها هو قبلها
تنهدت بخفة وقالت:
"فهمت"
نهضت من أمامه بهدوء، وكأنها لا تريد أن تضغط عليه أكثر
اتجهت نحو الفرن، فتحته، ثم أخرجت بعض قطع البسكويت الدافئة، وضعتها بعناية داخل علبة صغيرة، أغلقتها، ثم عادت إليه ومدّت يدها تسلّمه إياها
"ما هذا؟"
سألها وهو يرفع حاجبه قليلًا، نبرته متفاجئة أكثر مما هي مستفهمة
ابتسمت ابتسامة خفيفة، تلك التي تفعلها حين تكون واثقة مما تقول، وقالت:
"بسكويت حلو، يعطي طاقة ويفتح الذهن"
توقفت لحظة قصيرة، وكأنها تراجع ما أضافته، ثم أكملت بنبرة جادة:
"وضعت فيه العسل، والمكسرات، وقليلًا من القرفة… أشياء تساعد على التركيز سيفيدك كثيرًا"
تنهد في داخله
هو لا يحتاجه فعلًا، لا الجوع يزعجه ولا التعب، لكن نظرتها… تلك النظرة الجدية الحريصة، جعلت الرفض مستحيلًا
لم يُرِد أن يجعلها تشعر بالسوء، ولا أن تظن أن اهتمامها في غير محله، ولا أن يخيب تلك العناية البسيطة التي تقدّمها له وكأنها أمر بديهي
مدّ يده وأخذ العلبة بصمت
ليس لأنه يحتاج البسكويت،
بل لأنه لا يستطيع أن يردّ شيئًا يأتي منها
وسأل بهدوء:
"كم الثمن؟"
نظرت إليه باستغراب خفيف، ثم قالت دون تردد:
"لا يوجد ثمن"
عقد حاجبيه وارتسمت ابتسامة ساخرة على شفتيه، ابتسامة لا تحمل اقتناعًا
"كيف لا ثمن؟"
عقدت ذراعيها عند صدرها بعفوية، فاشتدت سترتها قليلًا، وانكشف صدرها، ومعه انكشفت تلك الندبة من جديد
قبض على فكه فورًا، وكأن مشهدها يضغط على أعصابه دون استئذان
قالت بنبرة هادئة لكنها واثقة، وكأنها تحسم الأمر:
"لقد ساعدتني كثيرًا يا داميان، بإحضار كل هؤلاء الزبائن إليّ"
توقفت لحظة، ثم أضافت بابتسامة صغيرة صادقة:
"لذا اعتبره مساعدة لك أيضًا"
عقد حاجبيه باستياء
بمَ تفكر هذه الحمقاء؟ لم يساعدها هي فقط، بل ساعد نفسه قبل كل شيء لقد أصبحت تضحك أكثر، ومع ضحكتها كان يتحسن دون أن يشعر
ابتسامته كانت تولد من ابتسامتها، وضحكتها كانت دواءً خفيًا له، ينساب داخله ويصلح ما أفسدته الأيام
هو لم يفعل ذلك بدافع المساعدة، ولا بدافع الكرم، بل بدافع أناني واضح؛ بدافع حاجته لها، لحضورها، لصوتها وهي تضحك بلا حذر
كان يعرف ذلك جيدًا، ولم يحاول إنكاره
هو لم يأتِ بالزبائن من أجلها وحدها، بل من أجل تلك اللحظات الصغيرة التي يراها فيها أكثر إشراقًا
وهو يعلم، يقينًا لا يقبل الشك، أنه لو طلبت منه نجمة من السماء، وعرف أن الأمر سيسعدها، لفعل دون تردد، دون حساب
لأن رضاها، ببساطة، كان شفاؤه
كان يود قول ذلك لها، كان يود أن يترك الكلمات تخرج كما هي في رأسه، صادقة بلا ترتيب، لكنه كعادته اختار الأسهل، اختار ما لا يفضحه، فقال بدلًا عنه:
"لا تكوني حمقاء، أنتِ من ساعدتِني، وليس أنا"
نظرت نحوه بتساؤل واضح، عيناها تبحثان عن معنى كلماته، فتنهد قليلًا وتابع بصوت أهدأ وأكثر جدية:
"لقد سبق وأخبرتكِ أن موظفيني بدأوا يعملون بطريقة سيئة بسبب عدم امتلاك الشركة كافتيريا للاستراحة، وفي وقت الاستراحة كانوا يعودون إلى بيوتهم، وبيوتهم بعيدة عن الشركة هذا الأمر خفّض الكفاءة كثيرًا، وجودهم هنا غيّر كل شيء، وأنتِ ساعدتِني فعلًا باستقبالهم... شكرًا لكِ"
تورّد خداها بوضوح، وكأن كلماته أثقلت قلبها بلطف، وبدأت تتلعثم وهي تحاول الرد:
"لا، لا داعي للشكر، أ… أنتَ شكرًا… شكرًا لك"
ابتسم ابتسامة خفيفة، تلك التي لا تظهر كثيرًا، ثم قال وهو يرفع حاجبه قليلًا كعادته:
"كم الثمن إذًا؟"
ترددت للحظة قبل أن تخبره بالثمن، وحين فعلت أخرج المال وأعطاها إياه
هو، لو كان الأمر بيده، لما دفع لها شيئًا، لا لأنه لا يريد، بل لأنه كان يراها تصرّ على الرفض، تصرّ على العطاء وكأنه واجب عليها
لكنه يعرف، يعرف جيدًا، كم هي بحاجة إلى المال، ويعرف أن إصرارها على عدم الأخذ لا يعني أنها لا تحتاجه
تأمّلها قليلًا، كأنه يريد أن يحفظ ملامحها قبل أن يغادر، ثم نهض ببطء وقال:
"يجب عليّ العودة الآن، هل تحتاجين شيئًا قبل ذهابي؟"
سألها بنبرة هادئة، فابتسمت له وهي تنفي برأسها نفيًا خفيفًا تنهد بابتسامة صغيرة، تلك التي تظهر دون أن يشعر، واستدار ليخرج
أما هي فبقيت تراقب ظهره وهو يبتعد، تبتسم بلا سبب واضح، ثم استدارت نحو طاولته لتبدأ بتنظيفها كعادتها
وحين جمعت الأكواب انتبهت لشيءٍ جعلها تتوقف فجأة
هاتفه
كان هناك، على الطاولة، منسيًا
اتسعت عيناها قليلًا، أمسكت الهاتف بسرعة واندفعت تركض نحوه، قلبها يخفق وهي تأمل أن تلحق به قبل أن يغادر
خرجت من المقهى فرأته يفتح باب السيارة، يستعد للدخول
هنا نادته، أنفاسها متقطعة:
"داميا—ايي!"
التفت داميان نحو الصوت، مستغربًا، وفي اللحظة التي التقت فيها عيناه بها رآها تركض نحوه… ثم تعثرت
اختل توازنها، وتعثر قدمها بالأرض، وسقطت
وقع قلبه قبل جسدها
لم يحتج لسماع شيء ليعرف أنها تتألم؛ عرف ذلك من عضّها على جلد خدها، من إغلاق عينها اليسرى بقوة، ومن انقباض يدها كأنها تحاول حبس الألم داخلها
ركض نحوها فورًا، القلق يسبق خطواته، وانحنى عندها وهو يقول بسرعة:
"هل أنتِ بخير؟"
سألها بلهفة صادقة، لكنها ابتسمت ابتسامة مرتبكة، رفعت يدها المرتجفة نحوه لتريه الهاتف
كان هاتفه
عبست فجأة، نظرت إليه بقلق ثم نهضت بفزع غير محسوب، كأنها لم تشعر بقدمها أصلًا
"يا إلهي داميان لقد كس… كسر… لم… لم أكن أقصد… أ… آسفة… حقًا آسفة"
كانت كلماتها تتعثر مثل جسدها، تخرج متكسرة، مذعورة، وكأن العالم سيسقط فوق رأسها بسبب هاتف
لكنه لم يكن يصغي
لم يسمع اعتذارًا، ولم يرَ الهاتف
كل ما رآه أنها تقف على قدم واحدة، ملامحها مشدودة من الألم، جسدها يميل قليلًا وكأنها على وشك السقوط مجددًا
وحين اختل توازنها ثانية، مدّ يده فورًا وأسندها دون تفكير
رغم ذلك واصلت اعتذاراتها، صوتها يرتجف، كلماتها تتدافع، وهو يزداد غضبًا…
ليس منها، بل من أنها تهتم بأمرٍ تافه بينما هي تتألم أمامه
أمسك الهاتف من يدها بغضب
"أنا حقًا آسـ—"
لم تُكمل جملتها؛ إذ رمى الهاتف بعيدًا وبقوة، ارتطم بالأرض صوتُه حادًّا
"اللعنة على الهاتف، انظري إلى حالك، لستِ قادرة حتى على الوقوف"
لقد لعن أمامها
"أنا بخير"
قالتها، وهي ليست كذلك
رأى البقعة تتشكل بوضوح على بنطالها الكحلي، تتسع ببطء مزعج
"واللعنة، أنتِ لستِ كذلك"
لعن للمرة الثانية
"اجلسي ودعيني أنظر"
ترددت، خطوة للخلف، إنكار ضعيف، لكنه لم ينتظر
حملها فجأة ودخل بها إلى المقهى، إلى مطبخها الصغير، وضعها على الكرسي بحزم أقل قسوة مما بدا عليه انحنى فورًا وأمسك قدمها لينظر
أبعدتها
أمسكها ثانية
تأوهت بضعف، صوتٌ خافت اخترق صدره، فشد فكه
حاول رفع البنطال قليلًا ليرى موضع الألم، لكنها شدت قدمها من جديد
ثبتها مرة أخرى، وحين حاول مجددًا، أبعدتها مرة ثالثة
حسنًا
يكفي
نفد صبره
"اثبتي، واللعنة"
لعن للمرة الثالثة، وأمامها
كان يعرف، حين يهدأ، حين يصحو من هذا القلق، أنه سيضرب نفسه لأنه لعن أمامها…
لكن الآن، لم يكن هناك متسع لشيء سوى خوفه
فعضّت على شفتها بحزن، وقبضت أظافرها على يدها حتى ابيضّت، وهي تراه يرفع بنطالها بحرص
وهنا تجمّد
بل ذُعر
بل سُحق
ما هذا؟!
لماذا كل هذا الزُراق على قدمها؟
وهل هذه بقعة بنفسجية؟
شدّ على قدمها دون أن يشعر، فتأوهت بخفوت، كأنها تخاف أن يُسمَع صوتها
عندها تنفّس بعمق، ثم سألها بصوت حاول جاهدًا أن يجعله طبيعيًا:
"أين علبة الإسعاف؟"
أشارت له نحو خزانة
ذهب، فتحها، ثم عاد وجلس على الأرض أمام قدمها
بدأ يعالجها بصمت، حركاته دقيقة، حذرة، كأنها شيء هشّ قد ينكسر بين يديه
أنزل بنطالها مرة أخرى بهدوء، دون أن ينظر إلى وجهها، دون أن يقول كلمة واحدة
ثم نهض…
وخرج دون اية كلمة ولا واحدة
كان يحاول أن يهدئ نفسه، أن يسيطر على ذلك الغضب الذي يتصاعد في صدره بلا رحمة
هو لا شأن له… هكذا كان يكرر في داخله، لا شأن له إطلاقًا
ستخاف إن تدخل، ستخاف منه هو بالذات
لا يجب عليه التدخل، ليس الآن على الأقل
حين تثق به ستخبره كل شيء، وحينها فقط… لن يكتفي بقطع يد من فعل هذا وإطعامه إياها، بل سيسحقه، سيضربه بلا رحمة إلى أن تتكسر عظامه، سيحرقه، ويدفنه حيًا، سيغرقه ويهشمه قطعةً قطعة
لكن كل هذا فقط حين تخبره، فقط حين تثق به
لا يمكنه الانتظار، ومع ذلك عليه أن ينتظر
ينتظر كي لا تخاف منه، كي لا تبتعد أكثر
فلينتظر… فلينتظر قليلًا فقط، قليلًا آخر، مهما كان ذلك يقتله من الداخل
ركب السيارة وأغلق الباب بعنف مكتوم، أشعل هاتفه واتصل بمساعده
من دون سلام، ومن دون مقدمات، سأله مباشرة بصوت منخفض لكنه حاد:
"هل تعرف إيلينا؟ الفتاة التي تدير المقهى الذي تذهبون إليه؟"
"أجل، سيدي"
حاول منع نبرة الاستغراب
"أريدك أن تبحث عن كل شيء يخصها
من تكون، من هم أفراد عائلتها، أين تسكن، مع من تعيش…
والأهم من ذلك كله، من يقترب منها"
غير رأيه...هو لن ينتظر