حين ابتسمت كأنها تعرفني

حين ابتسمت كأنها تعرفني

38 0

كان الوقت عصرًا.

خرج من منزله منذ الثامنة صباحًا، ولم يجد وقتًا يستحق أن يُسمى استراحة.

كل ما يريده الآن: كوب قهوة، أغنية كلاسيكية هادئة، ومكان لا يعرفه فيه أحد

هذا فقط

ركن سيارته أمام مقهى صغير بدا فارغًا. خطوات قليلة نحو الباب، لكنّه توقف حين رأى اللوحة:

"مغلق"

تنهد بهدوء، وربما استسلام

لا بأس… سيكمل اليوم بلا استراحة، كما تعوّد

لكنه لم يكن يتوقّع أن يشعر بيدٍ خفيفة تُربّت على ظهره

استدار فورًا

كانت فتاة… مظهرها بسيط جدًا

شعر مربوط بعشوائية، سترة صوفية رقيقة لا تليق بهذا البرد، وبنطال جينز خفيف

ابتسمت له بلطافة، ثم فتحت الباب دون أن تقول شيئًا

فقط نظرة، وإشارة بالدخول

تبعها، بخطى مترددة

"آسفة إن انتظرت"

قالتها وهي تخلع معطفها وتتجه للمطبخ

أجاب بخفة:

"لا بأس، وصلت قبل أن تفتحي بلحظات"

خرجت بعد دقيقة، ترتدي مئزرًا أبيض قديمًا

وقفت أمامه بابتسامة خفيفة

"ماذا تحب أن تشرب؟"

"قهوة سوداء"

نظرت إليه باستغراب بسيط ثم همست:

"كما تشاء…"

اختفت من أمامه

وفي أثناء انتظاره، راقب المكان

هادئ، دافئ بشكلٍ غريب، ورائحة الكاكاو والخبز تملأ الهواء

بعد دقائق عادت

وضعت أمامه كوب القهوة، وبجانبه طبق صغير يحوي قطعتين من البسكويت المنزلي

فتح فمه ليعترض، لكنها سبقته:

"لا تقلق، إنها مجانية"

همّ بالرد، لكنها تابعَت وهي تبتسم:

"ولا تقلق أيضًا، لا يوجد بها ذرة سكر، ومفيدة للمرهقين… ذقها، هي من يدي"

رفع حاجبه قليلاً، ثم أخذ قطعة

كانت دافئة… وهشة… ولذيذة جدًا

ابتسامة صغيرة تسللت إلى شفتيه دون وعي

لكنّها ضحكت بخفة

ضحكة قصيرة… لكنها كانت حقيقية

رفع عينيه إليها

شرد قليلًا

كانت ضحكتها ناعمة، صادقة، لم يسمع مثلها منذ زمن

لكنّه تنبّه فجأة حين لاحظ ارتباكها واحمرار خديها

قالت بخجل:

"آسفة… لكنك تملك ابتسامة جميلة. آمل أنها أعجبتك"

رد بابتسامة قصيرة وهو يتنحنح:

"هي لذيذة فعلًا… لكن ليكن بعلمك، سأدفع ثمنها"

"لكنِّي قلت إنها على حسابي... كما أنني وضعتها على طاولتك دون أن تطلب، لذا... اعتبرها ضيافة المحل"

قالتها بلطافة قبل أن تتراجع بخفة لتحيي أحد الزبائن الذين دخلوا، ثم توجهت إلى المطبخ

تأخرت قليلاً

وخلال تلك الدقائق، كان قد أنهى كوب قهوته

كان بودّه أن ينتظر... فقط دقيقة أخرى

لكنه رجل يلاحقه الوقت، وفي تلك اللحظة تحديدًا، تلقى ثلاث مكالمات متتالية

فتنهّد، ودفع مبلغًا ظنّه مناسبًا، ثم خرج بهدوء

سلّمت إيلينا الطلب للزبون الجديد، ثم التفتت بنظرة عابرة إلى الطاولة التي جلس عليها ذلك الزبون الغريب

لكنها تجمدت للحظة

الطاولة كانت فارغة

نظرت نحوها مرة أخرى... ثم اتسعت عيناها دهشة

"هـ... هذا كثير..."

فكّرت بذلك وهي تحدّق في رزمة النقود الموضوعة بعناية، ثم التقطت الورقة الصغيرة المطوية بجانبها

لقد تأخرتِ، ولديّ عمل

لذا دفعت الحساب مسبقًا، وآمل أن يكون كافيًا

بالمناسبة... البسكويت لذيذ جدًا

داميان

"إذًا... اسمه داميان"

همست لنفسها، والابتسامة تتسلل إلى شفتيها

ثم شدّت قبضتها على الورقة وهمست بخفة:

"حسنًا يا داميان... في المرة القادمة، سأتأكد من إعادة نقودك إليك"

نزل من السيارة وسلّم مفاتيحها بهدوء لأحد الحراس

"ضعها في موقف كبار الزوار، وسجل وقت الوصول"

قالها باختصار وهو يدخل بخطوات واثقة، صعد المصعد الزجاجي وسط نظرات الموظفين

ليس من عادته التأخر... أو الخروج من الشركة أصلًا في منتصف النهار

لم يقل شيئًا

أخرج يده من جيبه وهو يصل إلى طابق الإدارة التنفيذية وفتح باب مكتبه بخفة

"أهلًا أستاذ داميان!"

قالها مساعده بسرعة وهو يلحق به للداخل حاملاً اللوح الإلكتروني

"أعتذر عن تكرار الاتصالات، لكن لديك اجتماع بعد عشر دقائق مع وفد المستثمرين من مجموعة [Alveron Capital]، يرافقهم المدير المالي الإقليمي"

بدأ بقراءة سريع:

- "بعده عرض تقديمي للمشروع العقاري الجديد في الجهة الشرقية"

- "توقيع العقود المبدئية لشراكة التوريد مع الشركة الكورية"

- "فحص تقرير الأداء الشهري للأفرع الأوروبية"

- "اجتماع لجنة الموارد البشرية بخصوص سياسة التوظيف الجديدة"

- "ومساءً، عشاء عمل مغلق مع مجلس الإدارة التنفيذي في فندق روزمونت"

توقّف داميان لحظة، ثم تنهد بخفوت

جلس على مقعده، وفتح أحد الملفات بصمت

"حسنًا..."

قالها ببرود، دون أن ينظر لمساعده

"سنبدأ..."

.

.

.

.

.

كان الوقت قد تجاوز العاشرة مساءً عندما خرج من عشاء العمل، خطواته هادئة، ووجهه خالٍ من أي تعبير

كان يرتدي معطفًا رسميًا سميكًا، وضع يديه في جيبيه يدفئهما وهو ينزل على درجات المطعم الفاخر نحو سيارته السوداء

السماء ملبدة، والهواء بارد، لكنه لم يرفع ياقة معطفه، فقط ترك وجهه يتعرض للبرد كمن يبحث عن صحوة

ركب السيارة بصمت

شغّل المحرك، ثم فعّل التدفئة، وأسند رأسه إلى المقعد بتعب

لم يكن يشعر بالشبع

ذلك العشاء... مليء بالأضواء، والضحكات المتكلفة، والمجاملات الخالية من الطعم

كان مجرد عرض... طقوس لا يتذوق فيها أحد شيئًا حقيقيًا

حتى الطعام، بالكاد لمسه

أغمض عينيه للحظة، ثم خطر في باله:

ذلك المقهى الصغير

"مكان هادئ، لا أحد من دائرتي قد يمر به، ولن يعرفني أحد... أتناول شيئًا بسيطًا وأعود"

لم يقل لنفسه أنه يفكر بابتسامتها

ولم يعترف أن في داخله فضولًا لرؤيتها مجددًا

فقط قال إن المكان هادئ، والطعام بسيط

دعس على دواسة الوقود وتحرك

وصل بعد دقائق

أوقف السيارة أمام المقهى مباشرة

كانت الأضواء ما تزال مشتعلة، مما أعطاه أملًا صغيرًا... لكنه تلاشى في لحظة

الأنوار انطفأت

وخرجت هي

كانت ترتدي معطفها الصوفي الخفيف، نفس ذاك الذي لا يناسب برد هذه الليلة

تحركت بخفة وهي تنفخ في يديها الصغيرة لتدفئهما

شعر بأنفاسها وهي تتكثف في الهواء البارد

مدّ يده إلى مقبض باب السيارة... همّ بالنزول

لكنّه توقّف

رآها ترتجف قليلًا، ثم بدأت تركض بخفة، كما لو أنها تعرف أن البرد سيسحقها لو تأخرت

"الجو بارد جدًا... وهي تلبس شيئًا لا يكفي حتى للخريف"

فكر بذلك بصمت

راقبها بعينيه حتى ابتعدت عن مرمى نظره

كان يشعر، رغمًا عنه، بالقلق

أراد أن يعرف:

أين تسكن؟

هل مشوارها طويل؟

لماذا تعمل في هذا المكان بهذا الوقت؟

ومن يهتم لأمرها إن مرضت؟

لكنه لم يتحرك

هو لا يعرف شيئًا عنها بعد

فقط اسمها الأول، ربما... أو حتى لا

أدار محرك السيارة من جديد، وغمغم بخفوت:

"مطعم آخر إذًا..."

لكنه لم يكن جائعًا فعلًا

كان فقط... فارغًا

.

.

.

.

.

عاد داميان إلى المنزل في النهاية دون أن يتناول شيئًا

ركن سيارته في الكراج الكبير، إلى جانب بقية سيارات العائلة

كانت الأضواء خافتة، والهواء مشبع برائحة البنزين والمعادن

ضغط زر إغلاق البوابة خلفه، ثم سحب معطفه ببطء، وكأن حتى الحركة صارت ثقيلة

دخل عبر الباب الجانبي المؤدي إلى القصر

كل شيء هادئ

الردهة الفاخرة والممرات المزينة بصور العائلة العريقة... كلها بدت فارغة أكثر من المعتاد

برودة وحشة خفيفة استقبلته، رغم التدفئة المركزية التي تنبعث من الأرض والجدران

لكنها لم تصل إلى داخله

مرّت إحدى الخادمات أمامه بنعاس واضح

كانت تسير بخطوات شبه متعثرة، تحمل منشفة بيدها وكأنها أنهت عملها للتو

حين رأته، وقفت فورًا وانحنت باحترام

كان على وشك أن يطلب منها إعداد شيء له

لكنه نظر إلى وجهها... عيناها نصف مغمضتين، وكتفاها مائلان من التعب

هي تستيقظ من الخامسة صباحًا، وربما لم ترتح اليوم

تنهد بخفة وقال بهدوء:

"اذهبي... ارتاحي"

انحنت مرة أخرى، ثم غابت خلف أحد الأروقة

دخل إلى المطبخ

فتح أحد الأدراج بحثًا عن شيء بسيط، فوقع نظره على علبة معكرونة سريعة التحضير

سحبها، أفرغ محتواها في قدر صغير، وبدأ بملئه بالماء

صوت الغليان كان الصوت الوحيد في ذلك المطبخ الواسع

جلس على أحد المقاعد العالية عند الطاولة

تناول المعكرونة دون تركيز، طعمها لم يكن سيئًا، لكنه لم يميّزه أصلًا

هو لم يكن يتناول العشاء... كان فقط يملأ شيئًا فارغًا داخله

صعد إلى جناحه

فتح الخزانة بصمت، اختار منها ملابس نوم قطنية داكنة، ثم دخل إلى الحمام

فتح الماء الساخن، وتركه ينساب بغزارة

وقف تحته طويلًا

أغمض عينيه، وأسند يديه إلى الجدار

شعر بالماء يهدئ عضلاته المشدودة، لكنه لم ينجح في تهدئة أفكاره

كانت لحظة صامتة... لكنها مثقلة بكل شيء

بالتقارير، بالعشاء الرسمي، بابتسامة تلك الفتاة

بصوتها، حين قالت: "ذقها، هي من يدي"

ضغط على عينيه تحت الماء، وكأنه يحاول محو كل الصور من ذهنه

لكنه لم ينجح

خرج من الحمام بعد وقت لا يعرف مدته

منشفة على رأسه، وجسده يرتجف قليلًا من تغير الحرارة

ارتدى ملابسه ببطء

جفف شعره وهو يسير نحو السرير

ثم رمى نفسه عليه، كما لو أنه سقط لا استلقى

عتمة الغرفة كانت شبه كاملة

أغلق عينيه... لكنه لم يشعر بالراحة

تقلّب على جنبه الأيسر، ثم الأيمن، ثم عاد ليستلقي على ظهره

السرير واسع... أكثر مما يحتاج

الغرفة صامتة... أكثر مما يحتمل

أغمض عينيه من جديد

فكر لحظة، ثم همس لنفسه:

"في المرة القادمة... سأطلب اسمها"

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

كما أنتِ...

المؤلف ghaakta
2025/11/09 مستمرة
قائمة الفصول (7)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة