=============
لأول مرة منذ فترة طويلة تشعر برغبة عارمة في عدم الاستيقاظ ، الدفء و الراحه المحيطين بها جعل الخمول المحبب يتمكن منها ، مع أنها أرادت أن تستيقظ عندما سمعت صوتاً خافتا في الغرفة لكن النوم تمكن منها مجدداً ...
و ربما في حلمها ذاك شعرت بشفتيه تقبل جبينها بنعومة ، فتحت عينيها و النعاس يسيطر عليها ، رأت وجهه الباسم قريب منها ، إحدى يديه تمسح على رأسها بحنان ، لم تستطع سوى أن تبتسم ما جعل ابتسامه الآخر تتسع وهو يرى إشراقة وجهها ...
همس لها بنبرة عذبة قائلاً :
آسف لأني ايقظتكِ حبيبتي
هزت راسها له بنفي و لا تزال تجاهد لتفتح عينيها و تنظر إلى محياه المبتسم ...
جاهد نفسه لكي لا يقرص خديها ، بدى شكلها ظريفا وهي تحاول أن تبقى مستيقظة ، لم يمنع نفسه من الإقتراب و تقبيل خدها برقه هامسا مجدداً :
تم استدعائي لأمر طارىء ... لم ارد أن أذهب قبل أن أخبركِ بذلك
و كأن وعيها عاد إليها لتدرك أنها لا تحلم بل هي في واقعها ، تغيرت نظرتها على الفور عندما قال ذلك و تلاشى كل النوم من خلاياها ، ابعدت الغطاء و جلست على السرير ، تحدق به وهو مقرفص قرب الحافه هناك ...
أستغرب من تبدل ملامحها و استشعر بأنه ذاهب الى حرب و ليس إلى إجتماع طارئ ، مد يده و قبض على كفها و قال بنبرة هادئة لتبث السكينه بها :
ريم ... إنه إجتماع فقط ... لا داعي لخوفكِ لستُ ذاهبا إلى معركة أو ما شابه
عدة ساعات و أعود ... هــمــم
رغم أن قلقها قد خف قليلاً عند معرفتها أنه مجرد إجتماع فقط إلا أنها خائفة ، و لا تعلم ما السبب ؟ فقط شعور مبهم سيطر عليها ، دفعها في تلك اللحظة إلى عناقه بقوة جعلته عاجزاً عن الفهم ...
عانقها بالمقابل و أقصى أمانيه أن يُزيل هذا الخوف من تقاسيمها ، رغم أنه بالكاد يتذكر شيئا عنها إلا أن قلبه يفعل
عناقها له بالأمس و اليوم رغم أنه صامت لكنه يحمل زوبعه أفكارها الخائفة ، و قد فهم ما تريد قوله بدون إشارة منها ، هي قلقه و مرعوبة من فكرة تخليه عنها ، و كما هو يريد حمايتها من كل شئ هي أيضاً تفعل بطريقتها ...
تحدث في خضم عناقهما و قال بنبرة مازحة لها :
من الآن فصاعداً سأخبرك أني ذاهب إلى مهمه كل يوم لتعانقيني بقوة هكذا ...
اطلق ضحكة خافته وهو يشعر بها تحاول الخروج من حضنه ، لكمته على ظهره عندما فشلت في التغلب على قوة ذراعيه ، عبست ملامحها أكثر وهي تستمع إلى صوت ضحكه المكتوم و لكن عينيها سكنت قليلاً عندما فاه بحنان قائلاً :
سأكون بخير و سآتي إليكِ قبل أن تشعري بغيابي حتى ...
و عندما أعود أرغب بالنوم معانقا إياكِ كالبارحة ...
اتفقنا ... ؟
غزى الخجل خديها و قبضت على قميصه بقوة و هزت راسها موافقه له ، رغم أن كل ما حدث هو مجرد حضن فقط إلا أن شعور الراحه الذي غمرهما كان كفيلاً بمحو اي تعب ، ودعته بعدها و لاحظت أن نور الصباح قد بدأ يغزو السماء ماحيا ظلمة الليل
استمعت إلى صوت سيارته و راقبتها من الشرفة و هي تذهب ، استنشقت اكثر قدر من اكسجين الصباح المحمل برائحة الندى مقررة أن تتناسى شعور السوء الذي يغمرها و تعيشها يومها و تنتظر عودته ...
============
تحركت بخطوات رشيقه في المطبخ لتعد الفطور ، بعد ان ارتدت تنورة طويلة باللون البنفسجي و قميصا ابيض طويل ذو ياقه لتخبئة ندبة رقبتها ، و شعرها الذي كانت تربطه بإحكام للخلف لكي لا ينسدل و يزعجها ، و هناك ابتسامه ناعمة على شفتيها ترتسم بغير وعي منها
غافلة تماماً عن نظرات سماهر و قيس لها وهما يراقبانها من الخلف ، فمنذ أن استيقظت سماهر مبكراً كعادتها و أتت لإعداد الفطور تفاجئت بوجود ريم بالداخل تعده
بقيت شاردة بها حتى أتى قيس المبتسم وهو يلاحظ عيون زوجته الدامعه ، ضمها قليلاً و قال بصوت خافت لكي لا يصل إلى ريم :
رأيتِ ... أخبرتكِ أنهما سيكونان بخير ...
لأنه مهما اشتدت العاصفة فستهدأ في النهاية ...
بتأكيد هزت راسها فهي كانت قلقة عليهما حقاً ، و حتى قيس رغم أنه لا يظهر قلقه إلا أنه هو الآخر تمنى أن تتحسن الأمور بينهما و تعود المياه إلى مجاريها
بعد تناول الفطور في جو عائلي جميل ، انصرف الجميع إلى أعمالهم ، قيس خرج لشراء بعض أغراض المنزل بعد سلسلة من التوبيخ المتواصل من سماهر ، و أضطرت هذه الأخيرة أن ترافقه بسبب أنه لا يعرف كيف يشتري ، حاولت ريم كتم ابتسامتها و هي تعاين ملامح قيس العابسة و سماهر الغاضبه و خرجا بعد أن وعداها بأن يعودا بسرعه
ودعتهما و اتجهت بعد ذلك لري الزهور كما علمها قيس ، و بعد أن انتهت من معاينه الحديقة قررت أن تعد بعد الكعك و الحلويات ، و لأنها كانت منهمكة في فعل ذلك لم تلاحظ الشخص الزائر الذي أتى ....
==============
وصلت بالسيارة هي و اختها أمام موقع الفيلا الخاصه بابنها ، تنهدت قليلاً فهي و أخيرا قد وصلت بعد أن قررت أن تزوره كونه لم يعد يزورهم منذ ذلك اليوم الذي صارحته بأمر تزوير التوكيل ...
فتحت صندوق السيارة لتخرج منها بعض الاكياس التي وضعت بها بعض الطعام الذي اعدته مسبقاً لابنها ، رغم معرفتها بوجود سماهر لكنها ترغب بأن يأكل خالد شيئاً من اطباقها
وقفت أمام البوابة الشاهقة و استغربت كمية الجنود الكثيرة التي تحيط بالمكان ، رفضوا أن يدخلوها الا بعد التحقق من بطاقاتهم هي و أختها سماح ، أخرجت أنفاسها براحه بعد أن فتحوا لهما البوابة و دخلوا منها ...
رغم اسئلة سماح عن سبب حراسه الفيلا المكثفه لكن جليلة اسكتتها بجوابها القاطع أن منصب ابنها مهم و انتهى النقاش هنا ، تلفتت جليلة قليلاً علها تلمح قيس أو سماهر لكنها لم ترى أحدا لذا شرعت بالدخول نحو صالة الرئيسيه
وضعت الأكياس على الطاولة الكبيرة بالمنتصف ، ثم تناها إلى مسامعها صوت قادم من المطبخ ، قادتها خطواتها إلى هناك و قبل أن تصل تيبست قدميها في الارض و هي ترى الجسد الذي خرج للتو
رفعت ريم انظارها بتلقائية لأنها ظنت أن العم قيس و الخالة سماهر قد أتوا لكن عينيها اصطدمت بآخر شخص ترغب برؤيته وهي والدة خالد ـ جليلة ـ
خفقه صاخبة أصابت قلبها و تجمدت حواسها و كأنها ترغب بعدم تصديق ما تراه أمامها ، تسرب الوجع إليها و هي تستذكر كلماتها الجارحه و هي تلقي بورقة الطلاق عليها و كف يدها الذي طبعته بقوة على خدها في ذلك الوقت كختام كلماتها ...
اما جليلة كانت نظراتها مشمئزة كارهة و كأن من أمامها لم تكن زوجة لابنها ذات يوم لذا اكتفت برمقها بتعالٍ و كأنها تخاطب حشرة و ليس شخصيا أمامها و قالت لها بحدة :
ما الذي تفعلينه هنا ؟
اطبقت ريم على شفتيها و اخفضت رأسها قليلاً ، ليس و كأنها ستجيبها على اي حال ، لم تملك أي حيلة سوا أنها رفعت يديها و أشارت لها
( انا هنا لأنني زوجة خالد ... )
و صمت فقط ... نظرة جليلة الجامدة هي كل ما استطاعت إظهاره لتلك الواقفه أمامها ، بقيت مصدومة لثوان حتى استمعت إلى شهقة اختها من الخلف بعد أن لاحظت تأخرها و أبصرت ما يحدث
رفعت إصبعها و هي تشير إلى ريم و قالت و هي تتلعثم برعب :
جـ...ـليـ....ـلة ... أليست هذه ... زوجة ابنكِ ...المـ..ـيتة ؟
كيف ... كيف ... هي لا تزال .. على قيد الحياة ؟
وكأن صوت أختها قد جعلها تستفيق من صدمتها تقدمت خطوتين سرعتين و .... صوت صـفـعـة تردد في الانحاء
إلتف وجه ريم بقوة نحو اليمين إثر الكف الذي تعرضت له ، عينيها مفتوحتين على اتساع خافت ، تنفسي فقط ريم و اهدئي ... هذا طبيعي ... إنها والدته ليس و كأنها مخطئة ، رددت داخل عقلها تلك الكلمات حتى تخفف من وجع ما يحدث
تصاعدت انفاس جليلة بغضب و تفوهت بصوت قوي كاره:
كيف تجرؤين على تسمية نفسكِ زوجته بعد كل ما حدث ؟
ابتلعت ريم عبرتها و ارتفعت أصابعها نحو خدها المتألم ، لم ترد هذه المرة تعلم أنها مهما قالت فهي لن تفعل شيئاً سوى اهانتها أكثر ، لكن جليلة لم تكتفي بل نطقت بنفس حاد و قالت:
أنتِ طليقته ... فهمتي ؟
وماذا عن موتكِ اذن ؟
هل كذب شامل على الكل و أخبر الجميع أن ابنته قد ماتت و أقام جنازة لها و هي حية ؟
أم أنه فشل في دفن عاره و لم يجرؤ على قتلكِ ....
اجيبي.... !!
صرختها بآخر كلمة رجت أنحاء المكان ، تجمعت الدموع بعيني ريم و لم تجرؤ حتى على رفع وجهها ، أجل هذه هي الحقيقة ... حقيقتها هي ، لكن كيف تخبرها بأن والدها لم يفشل بل قتلها حقاً ... اذاقها كل أنواع التعذيب و في النهاية رماها في جرف الوادي لتموت ....
و في غمرة ما يحصل صدح ذلك الصوت الرجولي بقوة هادرا :
جــلــيــلــة ... ابـتــعــدي عــنــها في الحــال
استدارت نحو الخلف لترى قيس و من خلفه سماهر يقتربان بسرعه حتى وقفا أمام ريم الصامته ، احتضنتها سماهر بحنان و هي ترمق جليلة بحدة و لم تختلف نظرة قيس عنها
صدح صوت سماهر و قالت بغضب :
هل جننتي جليلة ؟ كيف تصفعينها هكذا ؟
تعالا صوت جليلة الصارخ و قالت بكره بينما تحاول اختها أن تهدأها :
اضربها و اكسر عظامها كذلك ...
كيف تجرؤن انتم على السماح بتواجدها هنا في منزل ابني ؟
لقد اعتبركم عائلته الأخرى و تكآفئونه بفعل هذا ...
لكن قيس أجابها و قال بصوت قوي :
أولا ... اخفضي صوتكِ عندما تتكلمين
و ثانياً ... ريم هي زوجة ابنكِ و طبيعي أن تتواجد هنا
انتفض جسدها بين يدي اختها وهي تقول بغضب:
طليقته... هي طليقته و ليس زوجته...
هل فهمت ذلك ؟
قطب قيس حاجبيه و قال بصوت مستنكر :
ما خطبكِ يا امراءة ؟ هل تكذبين الكذبة و تصدقينها ؟
أنتِ من طلقتها بتوكيل مزور و ليس هو ...
و بموجب القانون فهي لا تزال زوجته .. كما أنه هو من أحضرها بنفسه إلى هنا ... افهمي الوضع أولا
شهقت سماح وهي تستمع إلى كلام قيس ، و دار بعقل جليلة اخر حوار بينها و بين ابنها ، اغمضت عينيها بقوة و هي تتذكر الآن أن سبب اسئلته في ذلك الوقت أنه اكتشف أن زوجته لا تزال حية و لابد أنها اخبرته شخصياً بأنه قد طلقها لذلك أتى إليها ليسألها ...
و لكنها رفضت أن تستسلم و أن تكون هي المخطئة بالأمر لذا مجدداً رمقت تلك الجامدة التي لا تزال سماهر تحتضنها و بعدها ارتفع نظرها حيث قيس الواقف و قالت له بحدة وهي تشير بسبابتها تجاه ريم :
وماذا عن خدعة موتها ؟
كيف تجرأ والدها ـ شامل ـ على قول أن ابنته ماتت و هي لا تزال حية ؟
بسببها تعرض خالد لذلك الحادث العنيف لأن شخصاً ما أخبره بأن زوجته مخطوفة...
اتسعت عينا ريم بقليل من البهوت عند سماعها لذلك ، خالد علم أنها اختطفت و كان قادماً إليها لكنه تعرض لحادث ؟ هل هذا ما حدث ، وقتها هي لم تفكر كونه سيعلم بما جرى و كانت شاكرة أنه في مهمة و لن يرى ما حل بها ...
لم يتردد قيس في حديثه و نطق عازما على كشف الحقيقة و قال لها :
تقصدين بأنكِ من دفعه لمحاولة قتل ابنته عندما سلمته أوراق طلاقها ... ألست محقاً جليلة ؟
تجمدت نظرات كل من جليلة و سماح عليه ، رمشت سماهر بتفاجؤ من حديث زوجها و هي تحاول أن تستوعب ما يتحدث عنه قيس ، و لأنهما لم تنطقان بشئ تابع حديثه و قال :
كفي عن ادعاء البراءة جليلة ...
تعرفين جيدا من يكون شامل وأنني كنت صديقه ذات يوم
و تعرفين أيضاً أنه كان ذلك النوع القاسي على ابنته خاصة
استغليتي ما حدث و وضعتي البنزين عليه متمثلاً في ورقة طلاق ابنته ...
و علمتِ جيداً ماذا سيفعل بها
رغم أنكِ تعلمين أنها كانت ضحية خطف و اعتداء فقط
كــثــيــر ... ما تسمعه الآن كثير عليها للغاية ، لم تكن تعلم أن كراهيه والدة زوجها لها قد بلغت هذا الحد ، كل ما تعرضت له من عذاب و غضب إخوتها و والدها كان فقط لأنها تكرهها ؟
لماذا فقط ؟ لماذا يحدث لها هذا ؟ لم لا يحق لها العيش براحه ؟ لم لا يحق لها أن تحب و أن تكون محبوبة في نفس الوقت ؟
كتمت حبه لسنوات كثيرة داخلها ، خافت و قلقت من أن يكتشف أحد ذلك لذا ابقته داخلها ، تزوره في لحظة انهيارها لتتخيله معها و يهديها اعذب كلمات الهدوء و الامان
و عندما صار الأمر حقيقياً انقلب كل شئ بلحظة واحدة ، منذ ساعات فقط قررت ان تعيش ... أن تنتظره...و إن ... تحبه ؟
اكتسى جسدها برد غريب ، تشعر بدمائها اصبحت باردة داخل عروقها ، حتى سماهر القريبه منها شعرت بها تؤلمها كونها دافئة ، ابتعدت عنها قليلاً لتخر على الأرض بقوة اجفلت الجميع ، قلبها يؤلمها بقوة أكثر من قبل ، شعرت بالهواء حولها ينفذ ... لا تستطيع التنفس... و كانت حقاً ... تختنق
غابت عنها أصوات الجميع ، صفير مزعج و عال شوش حواسها ، و قبل أن يغمرها ظلام اللاوعي ، اخترق صوت ما ذلك الصفير ، شعرت بوعيها بالكاد يعود ... هناك أحد ما يحتضنها لصدره ، يده على. خدها ، تسمع صوته لكنها لا تفهم ما يقول ، لكنها شعرت برئتيها تتنفس من جديد ومعها تلك الرائحة التي كانت له .... أجل رائحته حولها
و حينها اتضح صوته ، استمعت إلى ندائه و رفعت نظرها بضعف له ، كان هو من يحتضنها اذن ، متى أتى ؟ لا يهم فقط لتموت هكذا الآن لم تعد ترغب بالعيش و لا بأي شيء آخر ، رأته الآن وهذا وحده يكفيها
كانت بصدد أن تنام لولا يده التي ضربتها بخفة على خدها لتفيق ، تهادها صوته القوي الذي حمل قلقاً عليها قائلاً:
ريم ... لا تنامي ... تركيزكِ هنا ...
عيناكِ علي ... هيا
ارتفعت رموشها كاشفة عن عينيها بضعف و حدقت به ، ابتسامه مرتجفه غمرته عندما تلاقت نظراتهما ، بسط يده على خدها لكي يحافظ على تركيزها و قال بنبرة هادئة :
هيا جميلتي ..
خذي نفساً عميقاً و أنتِ تنظرين إلي ... هــمـم
لا تعلم حتى كيف استجاب جسدها لصوته و بدأت تتنفس ببطء شديد ، لكنه كان كافياً له ليلاحظ انسحاب زرقة أطرافها بعد مدة ، شعر بوعيها يعود إليها اثر دموعها التي بدأت بالتدفق ، كانت نظرتها وحدها تكفيه ليعلم ما تشعر به ، و لأنه تأكد الآن من أنها تعدت مرحلة الخطر ضغط باصبعيه خلف أذنها هامسا لها قبل أن تفقد الوعي:
لن اترككِ أبدا .... نامي الآن
و كان هذا اخر ما استمعت إليه قبل أن تغرق في نومها القسري ....
================
الجميع ثابت بمكانه يشاهدون ما يجري بصمت مقلق ، بعد كلمات قيس التي وجهها نحو جليلة ساد ذلك الصمت الذي مكنهم من سماع خطوات مسرعه نحوهم ، كان هو .. لكن منذ متى كان يستمع لحديثهم... لا احد يعلم ..!!
لم يتحدث إلى أحد بل خر على الارض قرب جسد الريم الشبه منهار ، احاطها بيديه بقوة وهو يلاحظ شحوبها و بداية ازرقاق أطرافها ، كانت على بعد شعرة من الإصابة بنوبة قلبية ، ناداها كثيراً حتى استجابت له ، و لم يكن يريدها أن تدخل في نوبه هلع أو صرع أخرى ، لذا أفقدها الوعي ليتسنى لها الراحه المؤقته
حملها بين ذراعيه واضعاً رأسها على كتفه و تخطى الجميع صاعدا نحو الأعلى ، لكن صوت جليلة وهي تناديه قاطع خطواته ، توقف لكنه لم يلتفت بجسده بل ادار وجهه قليلاً نحو الجانب قائلاً بنبرة ثابته:
سأضعها على السرير و أعود ... و حينها اريد سماع بقية الحكايه
لم يجرؤ أحد على قول شي اخر بعد ذلك ، تابع صعوده حتى وصل ، وضعها برفق على السرير ، أسدل الستائر ليعم المكان بعض الظلام حتى يتسنى لها اخذ قيلولة طويلة ، غطاها جيداً لكي يغمرها الدفء ، أنار إضاءة الغرفة الخافته ، و تأملها قليلاً و مسح دموعها
شعر ببركان يشتعل بداخله ، فقط ما نوع الهراء الذي سمعه قبل قليل ؟
أن كان حقيقيا فعندها فليأخذ كل شخص نصيبه مقابل الوجع الذي الحقوه بها ، بالأمس فقط اكتشف أنها تعرضت لاعتداء و اليوم يكتشف أن والدها قد أراد قتلها ؟
بالكاد سحب نفسه من الغرفة و هبط إلى الأسفل ، توقفت خطواته في مكان وقوف الجميع ، سحب نفساً عميقاً وهو يخاطب قيس قائلاً :
عمي قيس ... هل يمكنك إعادة حديثك رجاءا ؟
من اللحظة التي قلت بها أنك صديق شامل والد ريم ...
التقت انظارهما للحظة قصيرة ، فقيس لم يرد أن يستمع خالد له وهو يهدد والدته و يفضحها أمامه ، لم يكن يدرك أن هذه اللحظة كانت ستأتي سواء الآن أو لاحقاً ، لذا زفر انفاسه و قال :
كما سمعت ...
كنت صديق شامل في الماضي و أعلم جيداً طباعه و تشدده في تربيته خصوصاً على ريم لأنها الكبرى ...
ووالدتك أرادت ابعاد ريم عنك للأبد لذلك فعلت ما فعلته لتجعل والدها يحاول قتلها ...
صمت قيس و اشاحت جليلة بعينيها بعيداً ، لكن خالد سأل مجدداً و قال :
كيف فعل ؟
رفع قيس أنظاره و رأى خالد يحدق بها ينتظر أجابه على سؤاله ، ابتلع ريقه ليس خوفاً بل من ثقل الحقيقة و قال بصوت خافت وصل للجميع:
رماها من فوق جرف الوادي ...
رمى رأسه للخلف لثوان طويلة زافراً بصوت مسموع ، و قال بنبرة جادة غاضبه مخاطباً والدته :
و بعدها ماذا حدث امي ؟
نظرت إليه قليلاً و لم تتحدث بل اجابته خالته سماح وهي تقول :
تأدب عندما تتحدث مع امك يا ولد ... امك كانت تريد لك الخير لذلك ابعدتها عنك و هكذا تكافؤها ؟
ارتفع طرف شفتيه في ابتسامة باردة و قال بتهكم ناظراً لخالته:
تريد لي الخير ؟
ماذا فعلت ريم لها ؟ .... آه خانتني صحيح خالتي
قالت إنها خانتني لاكتشف الآن فقط أنها خطفت و تم الاعتداء عليها .... اين الخيانه في الأمر افهميني خالتي ؟
اغمضت عينيها بقوة و أيقنت أنه قد اكتشف كذبتها ، لكنها رغم ذلك تحدثت و قالت :
لو لم تكن هي من اغوتهم لما كانوا قد اختطفوها و اعتدوا عليها ....
لكن صوت خالد الغاضب و العالي بشدة افزعهم عندما قال :
مــــن ؟ ... مــــن تجــرأ و فــعـل ذلــك ؟
أقسم بالله أنني سأذيقهم عقاباً لا يخطر على بال احد ...
لذا اخبروني من هم ؟
انتفض قيس و لم يستطع البقاء صامتاً و حط بيده على كتف خالد قائلاً :
اهدأ خالد ... أعرف أن الأمر صعب عليك
لكن لا أحد منا يعرف من كانوا ....
استدار بجسده ليقابلهم بظهره ، يحاول أن يهدأ و أن يجمع أفكاره قليلاً ، لم على الحقائق أن تأتي جميعها دفعه واحدة هكذا ، تنفس بقوة عله يصل إلى حل ما ، لم يرد أن ينتهي الوضع هكذا لذا سأل الجميع قائلاً :
اخبروني الآن هل بقي شيء لا أعلمه لأنه إن بقي هناك سر واحد صدقوني لا أضمن نفسي مجدداً ...
صمت الجميع ربما لأنهم لم يعودوا يمتلكون شيئاً لقوله بعد كشف الحقيقة بهذا الشكل ، و لم تفته نظرات كل من امه و خالته المتوترة ، لذا كان موقنا أنه لا يزال هناك أسرار مخبئة في مكان ما لا يعلم ماهي ...
===========
هل شعرت يوماً انك لست نائما بل و كأن جسدك يطفو فقط باسترخاء غريب ، كان ذلك ما تشعر به تحديدا منذ استيقاظها و لا تعلم أن كانت نامت فعلاً ام لا بل خدر غريب استولى على أطرافها و تعب جعلها لا تتحرك منذ أن فتحت عينيها
لم تجد أحداً بجوارها في الغرفة ، و لكنها انتبهت إلى لون السماء البرتقالي فعرفت أنه وقت الغروب ولابد من أن الجميع مشغول و قد غابت في النوم لساعات عدة
لسعتها نسمة برد عندما ازاحت غطاء السرير ، تنفست بثقل علها تبعد ذلك الغم عنها ، و بقيت جالسه على السرير شاردة بنقطة وهميه في الفراغ
لطالما شعرت أن والدة زوجها تكرهها ، ظنت اولا أنها لا تحبها لأن خالد قد اختارها هي ، ووالدته كانت تريد تزويجه لابنه خالته حور ، لذا لم تحبها
لم تتخيل أن تكون كراهيتها عدوانيه بهذا الشكل ، لدرجه ان تستعمل كل السبل فقط لقطعها عن خالد ، ووالدها و كأنه و أخيراً وجد سبباً لقتلها فلم يتوانى عن فعل ذلك للحظة ...
اخذت نفساً عميقاً و زفرته بارتجاف ، مهما حاولت أن تتجاهل كل هذا لكنها بالنهاية لا تستطيع ، قبضت على تنورتها بقوة ، لا ترغب بالبكاء لكنها تحترق من الداخل
لطالما تجاهلت تلك المشاعر السيئة ، تجاهل عائلتها لها و قسوتهم و تمييزها عن اختها و اخويها ، كل ذلك حاولت تناسيها و لا تركز بها كثيراً ، لكنها حين تكون وحدها تنهار ، تسمح لتلك الدمعه التي حبستها أمامهم أن تخرج مكسورة لتفرغ بها أحزان يومها
كان الحال هكذا دائماً حتى ترسخت بها فكرة أنها مجرد عبأ فقط ، هي مجرد عائق و ربما عار و كل شي سئ بها ، لم تجد تفسيراً أفضل من ذلك ، لذا حملت هذا الاعتقاد بداخلها منذ كانت طفلة صغيرة
و قد نما ذلك النهج ليكون سبيل حياتها فمهما عملت و تعبت و اجتهدت تبقى هي النقطة السوداء في تاريخهم الأبيض ، حتى خالد لم تصدقه في البداية و قد سدته بكل الطرق
لم تؤمن في حياتها بأنه قد يكون هناك شخص ما قد يحبها ، لكنه أتى و غير هذا الاعتقاد و ظنت أخيراً أنها ستكون بخير معه و ستنسى ماضيها و تعيش على طبيعتها مع شخص يحبها و تحبه
ازدادت دموعها و هطلت بغزارة و لم تعد قادرة على محوها ، امسكت صدرها بإحدى يديها و الأخرى غطت بها فمها ، حتى لا يسمع صوتها أحد ، عليها كتم كل شي وان لا تظهر شيئاً ، لأنها تربت على أن البكاء ضعف فقط
بدت و كأنها تختنق بكتمها لبكائها ، شهقاتها الموجوعه تجبرها على البقاء هناك داخل ثغرها ، قليلاً فقط ستبكي بعدها ستعود كما اعتادت
ومضت جملته داخل رأسها عندما قال لها
لن ابتعد ولن اسمح لك بأن تفعلي ...
من الآن لن تبكِ إلا على صدري أنا ... انا فقط
ابكِ.... اصرخي ... اضربيني... لن امانع
أنا لكِ
لن اترككِ
و كأنها تعرضت لصعقة ما جعلتها تفيق من بكائها ، استقامت بلهفة مندفعه نحو الباب ، فتحته على عجلة و لكنها توقفت فوراً ، مالذي أرادت أن تفعله للتو ؟
هل هي ذاهبه للبحث عنه و البكاء على صدره كما أخبرها ؟
من هي لتفعل ذلك ؟
لا هي حتى لا تستحقه فكيف ستذهب إليه بكل وقاحه
أجل هي بالنهاية فتاة قذرة و لم تعد حتى مناسبة لمسمى الزوجة ذاك
و بيأس خانق سيطر على كل خلاياها تراجعت من حيث أتت و بذبول تام تمددت على السرير مرة أخرى ، حتى دموعها توقفت و كأنه لم يعد هناك شئ يدفعها لذلك و أطبقت جفنيها بصمت تام متمنيه أن يأخذها النوم بعيداً عن كل هذا العالم
=============
و كعادته عندما يغضب ، كان يفرغ كل ما به في كيس الرمل المعلق على الخطاف ، يكلمه بكل غل و كأن الضربات موجه إلى شخص ما بحد ذاته
منذ مغادرة امه و خالته حبس نفسه هناك ، لا يوجد مقياس حتى ليصف درجه الغضب الذي تحتله في هذه اللحظة ، تساءل فقط كيف لأمه فعل هذا ؟ كيف لشخص عاقل أن ينحاز وراء سبب تافه كهذا ؟
بررت فعلتها بأنها لم تكن راضيه عنها من البداية و أنه كان يجب أن يتجوز من حور ابنه خالته ، هل هذا منطقي ؟
ومن هي حور تلك حتى يقبل بها ، يعرفها و يعرف اطباعها جيداً و لو أن الأمر بيده كان قد أفرغ مسدسه فوق رأسها و انتهى الأمر ، ثم أنها قد تزوجت الآن فما شأنه بكل هذا ؟
الشخص الوحيد المتضرر من كل هذا كان هي فقط ، تجمدت انفاسه للحظة و انسدلت يديه بجوار جسده و كأنه وعى لنفسه للتو ، لم يتفقدها منذ أن حبس نفسه الغرفة يمارس الملاكمة ، التقط قميصه و ارتداه على عجل و خرج بعد أن انتبه للتو أن السماء قد اظلمت تماماً
صعد السلم بسرعه حتى وصل فتح الباب بهدوء و لاحظ أنها لا تزال في مكانها نائمة ، تنهد براحه لكونه ظن أنها لم تستفق بعد ، و ليته علم فقط ما حدث قبلها بدقائق ...
اخذته قدماه نحوها ، جلس على حافة السرير قرب جسدها الساكن هناك ، مد يده بعفوية ليلمس خصلات شعرها الهاربة ، لكن اصابعه استشعرت شيئاً غريباً ، وضع ظهر أصابعه على خدها ووجده ... يشتعل!!؟
قطب حاجبيه وهو يلمس وجهها بكلتا يديه ليجدها ساخنه بالفعل ، حتى يديها كانتا دافئتين بشكل كبير ، لم يكن يعلم أن ما يحدث لها الآن شي متوقع بعد كل ما مرت به و أن جسدها ينهار بصمت...
هز جسدها بقليل من القوة لتفيق قليلاً ، نظرت إليه من بين جفونها المتعبة ، حدقت به لثوانٍ بعدها عادت لتغلقها ، لام نفسه على اهماله لها ، ركض نحو حمام الغرفة و أخذ يملأ الحوض بالماء البارد حتى يضعها به
ادرك بعقله أن الصدمة التي تعرضت لها تحولت إلى مرض مفاجئ و ليته علم أن الأمر يفوق ذلك بكثير ...
اتجه إليها مجدداً و هذه المرة ناداها وهو يجلسها مستخدما قوته ، لكنها لم تستجب ، وضعها قليلاً و ذهب لينادي مربيته من الأسفل لتساعده ، كان مشوشا و لكنه حاول أن يوقف كل الأفكار السيئة و يحاول إنقاذها في الوقت الراهن
أتت سماهر قلقه من منادته لها لتراه يحمل ريم أخبرها على عجل أن تحضر ملابس طويلة و دافئة لها كونه سيضعها في الحوض حتى تنخفض حرارتها العالية
لبت طلبه بقلب خائف على ريم ، اخذ نفساً عميقاً و احكم إمساك جسدها جيدا و وضعها في الحوض حتى غمرها الماء البارد
صدحت شهقتها العالية ، مع أن جسده يستولي عليها إلا أنها لم تقاوم و لم تحاول حتى أن تخرج ، بل غرزت يديها بقوة على قميصه حتى شعر بأنه سينقطع ، لذا جعلها تسمع صوته ناداها بعمق هادئ حتى تعلم أنه هنا معها و يفعل ذلك فقط ليخفض الحمى المرتفعه المسيطرة على جسدها...
لكن صوتها خرج متألما جاعلا إياه يبتلع عبرته حين قالت :
خـ...ـالد ... انا اتـ....ـألم .... أخرجـ....ـني من... هنا...
ارجــ.....ـوك
عض على شفتيه بقوة غير قادر على تحمل نبرتها المتألمة ، التفت إلى جانبه ليرى سماهر مكممه فمها و دموعها تسيل بتأثر ، اشار إليها و كأنه عاجز عن الرد ، و هي ترفض أن تفتح عينيها لذا لم ترى أيا مما يحدث
و لا تعلم سماهر أن كان يجب أن تصدم لأنها تكلمت أو تنهار لرؤية خالد عاجز ، لذا مدت يدها نحو خد ريم الغارقة في الحوض و يدي خالد مغمورة معها ، و تحدثت إليها بحنان:
تحملي قليلاً يا ابنتي .... انا مع خالد بجوارك
حرارتك مرتفعه الآن و يجب أن تنخفض...
امسكي بخالد و أن أحسستِ بألم فاضغطي عليها
همممم .... اتفقنا
التقطت الإثنان حركة طفيفه برأسها و كأنها تومأ لهما ، و بالفعل كانت تضغط كل ما شعرت بالبرودة تنغرز بها كمئات الابر ، و بعد دقائق طويلة انتشلها خالد من الحوض غير مهتم بلباسه المبلل ، و على الفور بدلت سماهر لها ملابسها و استبدلتها بأخرى دافئة
ووسط كل هذا لم تفتح ريم عينيها تشعر بهم و تسمع صوتهم لكنها لا تريد رؤيتهم ، و لأن جسدها بالكامل منهار فقد كانت شبه فاقدة للوعي لم يستطع خالد أن يضعها على السرير وحسب بل جلس متكئا عليه جاعلا جسدها يستند على صدره
لف الغطاء حولها بإحكام بعد أن حرص على اغلاق النوافذ و إشعال التدفئة حتى تعود حرارتها ، رغم خوفه و قلقه المفضوح في نظراته المستنجدة بمربيته الا أنها أخبرته بأنها أفضل طريقه لجعل حرارتها تعود
ضمها إليه أكثر بعد أن غادرت سماهر لتمنحه بعض المساحه ، كان يقبل جبينها كل عدة ثوان ، يتفقد نفسها و يتحسس يديها إن كانت دافئة ام لا ، مرعوب عليها .. مسح دمعته التي سالت وسط عتمه مخاوفه
عليه أن يكون قوياً من أجلها ، يعلم أنها الآن متأثرة بما جرى ، فقط لو أنه يستطيع أن يحاسب الجميع في هذه اللحظة لتمنوا لو أنهم لم يولدوا حتى ، حرك وجهها قليلاً لتقابله ، قبل جبينها طويلاً و أراح جبينه عليها بعد ذلك هامسا:
مهما حدث و ما سيحدث...
تذكري فقط ... أنا لكِ و أنتِ لي ...
ولو اضطررت أن احارب الجميع لأجل ذلك
لذا كوني واثقه فقط ....
و تمنى من أعماق قلبه أن تصل مشاعره إليها في هذه اللحظة لكي تهدأ حالها المتعب ...
Naya Shadi