الفصل الثالث

الفصل الثالث

19 0

وصلت السيارة إلى بوابة الميتم الرئيسيه... ترجل الإثنان منها و هما يتجهان إليها بخطوات لم تخلو من الهيبة...

كان يامن يرتدي بزة رسمية باللون الرمادي عكست ذوقه الكلاسيكي الأنيق...في حين أن خالد قد اكتفى بطقم من الكاجوال الانيق و الذي اظهر جسده بشكل جذاب للغاية...

حيا الحارس بأدب و مضيا إلى المكتب...

قابلتهما سالي بابتسامة رسمية و هي تحييهما بأدب و طلبت منهما الدخول لأن السيدة هالة بنتظارهما...

طرقا الباب و دخلا و سرعان ما شقت ابتسامة عريضة يامن وهو يهتف بمرح و يرفع ذراعيه لأمه و

كأنه طفل صغير لم يرها منذ زمن مع انهما يعيشان في نفس المنزل قائلاً:

امي الجميلة .... اشتقت اليك..

ضحكت هالة عليه و اتجهت اليه و احتضنته اليها بحب و هي تضرب كتفه و تقول بابتسامة مازحه:

الى متى ستتصرف هكذا يا ولد ..   لقد اصبحت شاباً الآن..

اعقل قليلاً....

ابتسم لهما خالد و هو يراهما يتجادلان بمودة هكذا...

فكر انهما مثال رائع لعلاقة الأم بابنها...

كان شاردا بهما و لم ينتبه إلى عمته التي اقتربت منه و احتضنته و قالت بصوت حاولت جعله متماسكاً:

لقد إشتقت إليك كثيراً يا بني...

شعر خالد بغصة في حلقه من نبرتها تلك و إحساس بالحنين قد غمره... ازاحها ليربت على كتفها بهدوء:

اهدئي عمتي... انا أيضاً اشتقت اليك...

قالت بعتب و هي ترفع عينيها له و تقول :

اذا كنت قد اشتقت الي فلماذا لم تأتي لزيارتي لأكثر من سنه ؟  على الرغم من أننا في نفس المدينة إلا أنك لم تأتي لتراني ابداً ...

ابتسم بهدوء و قال :

اعتذر لاني لم ازركِ ... كنت منشغلا بالعمل كثيراً

ابتسمت له بحب امومي و هي تضع يدها على خده و قالت بصوت حانٍ:

لا بأس...طالما أنك هنا الآن فلا بأس...

ثم تابعت وهي تقول له :

انظر الى نفسك لقد اصبحت طويلاً و ملئ بالعضلات الكثيرة

اظن انك ستهزم عمك هذه المرة أن خضتما نزالاً ...

ضحكا هما الاثنان بمرح .... تنهد يامن و هو ينظر اليهما و اقترب من امه و لف ذراعيه حولها و قال بمزاح جاد :

أمي...الا تلاحظين انك نسيتني عندما أتى السيد خالد المبجل ؟ اعلم انك تحبينه أكثر مني...راعي مشاعري قليلاً...انا إبنك و ليس هو ...

ضربته على ذراعه بخفة و هي تقول له بغيظ :

انت في كل دقيقة أراك امامي ايها الجاحد...

أما هو فلم اره لمده طويله ثم إنني عمته...هل نسيت ؟

لف وجهه وهو يمثل انه قد حزن من كلماتها...الا انه تلقى ضربه من خالد ...

شهق بدراما و هو ينظر إلى امه و يقول :

هل رأيتي ؟

انت تدللينه كثيراً...

امي انظري أراهن أن ضربته قد كسرت احدى عظام كتفي الآن....

ضحكت والدته عليه وهي تهز رأسها بيأس منه...

دعتهما للجلوس ريثما تحضر سالي بعض الشاي و المقبلات...

بعض مضي عدة دقائق قضوها بالحديث طرقت سالي الباب و دخلت و بين يديها صينيه من الكعك المحلى و البسكوت و ابريق الشاي بالحليب... شكرتها هالة ..  و عادت إلى عملها ... صبت لهم هالة الشاي و قدمته اليهما و هي تخبرهما أن ياكلا و عاودوا الأحاديث عن العمل و العائلة ....

و في خضم الحديث رفع خالد كوب الشاي و هو يتنفس رائحته باسترخاء و ارتشف منه قليلاً ليتذوقه...

توقف لوهلة عندما زاره ذاك الطعم على لسانه و عاد له ذاك الاحساس الغريب....

ذاك الاحساس نفسه الذي يزوره كثيراً و يجعل قلبه يطرق بقوة كما يحدث الآن...بدا شاردا ً بشدة ... شعر بلمسة على كتفه اعادته إلى الواقع..

نظر إلى عمته و سمعها تسأله بقلق بعد أن لاحظت شروده في كوب الشاي:

ما الأمر بني ؟ هل انت بخير ؟

اجابها بابتسامة باهته:

انا بخير ... شردت قليلاً..

سألته وهي لاتزال قلقه من ملامحه الباهته:

ألم يعجبك الشاي ؟ لقد طلبته خصيصاً لك

رفع عينيه و قابل ملامحها و أردف بتساؤل:

لم طلبته من اجلي ؟

ابتسمت بحزن و قد رقت تعابيرها و قالت :

ربما لا تتذكر لكنك قبل أن تفقد ذاكرتك كنت تحب شاي الحليب بالقرفة كثيراً.... حتى عندما تأتي و تزورني كنت تطلب مني إعداده لك دائماً...و بعد أن تتذوقه تتباهى بأن زوجتك تعد أطيب منه...

ثم ضحكت و كأنها تتذكر و تابعت:

وفي كل مرة نتشاجر معاً على ذلك .. 

ابتسم بعينيه و قال و هو يحدق بعمته:

حقاً !! هل كنت هكذا ؟

تابعت و هي لا تزال تحتفظ بتلك التعابير و تلك الابتسامة:

بل أكثر من ذلك .... كنت تتباهى بها في كل مرة تتحدث عنها... حتى أن المدة بين خطبتك و عقد قرانك اسبوعين فقط ....

ابتسم يامن و هو يرتشف من كوب الشاي خاصته و قال وهو يتابع حديث امه:

لا تملك أدنى فكرة عن  كم  صدعت رؤوسنا بها حتى ..

ضحك خالد بخفوت و سأل يامن قائلاً:

لماذا ؟ هل تباهيت بها في المقر أيضاً ؟

حينها ضحك يامن بقوة و قال :

هل تمزح معي ؟ أنت لم تجعلنا نلمحها حتى ...  كنت تغار عليها بشدة .. لم تكن تسمح لنا حتى بجلب سيرتها ولو كان على سبيل المزاح ...يا إلهي كنت مرعباً عندما يتعلق الأمر بها ...

التفت يامن إلى امه و هو يتابع بحماس و قال :

ألا تتذكرين يا أمي...انه قد منع جميع الجنود من أن يأتون إلى حفل قرآنه و  منع جميع رجال العائلة أن يأتوا حتى أنا....و ذلك حتى لا نرى زوجته...

ثم التفت اليه و قال بنبرة حادة :

اليها الغيور ...

ضحكت والدته وهي تتذكر ما حدث و قالت :

بالتأكيد اتذكر... و بصراحه يحق له ذلك... فأنا لم ارى بمثل رقتها أبداً ناهيك عن جمالها الهادئ.. رغم اني لمحتها من بعيد فقط...

و بينما هم في غُمرة احاديثهم تلك ...

شعر بخافقه يضرب صدره بشدة و ابتسامه تزين ثغره بدون وعي منه ...

كم تمنى بشدة لو أنه يملك ولو صورة واحدة لها...لكن عندما تعافى و أتى إلى المنزل وجد والدته قد تخلصت من كل اغراضه القديمة بما في ذلك صورها و رسائلها مع إنه غضب بشدة حينها إلا أنها بررت له أن صحته لا تسمح بأي انتكاسة ومع أنه ابتلع غضبه إلا أنه ظل حانقاً على تصرفها هذا

و تساءل بينه و بين نفسه إلا يحق له رؤية صورة لزوجته الميته ؟ ... و على الرغم من محاولات الذين حوله الا انه لم يخلع خاتم زواجه أبدا...و كأنه يراه بأنه هو السبيل الوحيد ليتذكرها....

صحيح أنه يراها في أحلامه لكنه لم يرى وجهها بوضوح تام ... حتى أنه عندما يسأل امه و اخواته عنها يقولون له بأنها عاديه و لا شي يميزها و ينصحونه بالزواج فهناك الكثير منها و في كل مرة ينهرهم بغضب و يغادر على الفور ...

لم يخبره أحدٌ بهذه التفاصيل أبدا...

كان يعلم أن يامن و عمته يعرفان عنها لكنه كان خائفاً من السؤال ولا يعلم لما ... و حتى الطبيب قد حذره من كثرة التفكير و ارهاق عقله لأنه قد يودي به إلى انتكاسة حاده و ربما إنهيار عصبي أو غيبوبة...

لذلك كان يعالج الامر بالتمرينات الشاقة ..

جولات طويلة من الركض...تمارين الضغط و رفع الأثقال....الملاكمة أو نزالات مع جنوده.....كان يفعل ذلك مراراً و تكراراً حتى يرهق جسده و يسقط نائماً بدون تفكير...

لذلك بعد أن استعاد صحته بعد الحادث توقف عن سؤال الجميع عنها و بدأ بممارسة التمارين بكثافة شديدة حتى في منتصف الليل أو مع برد الشتاء... و ذلك ما اكسبه بنية جسمية رهيبة و قوية ...

قاطع شروده رنين هاتفه...اخرجه من جيب سترته ليجد أن أحد القادة من المقر يتصلون به... استاذن عمته و خرج من المكتب ليتلقى المكالمة ...

بعد انهى مكالمته خطى عائداً إلى مكتب عمته

لكنه توقف للحظة وقد تذكر أمرا ما... اتجه إلى مكتب السكرتيرة ووقف امامها.. لاحظت سالي قدومه فوقف من فورها وهي تقول له :

مرحباً سيدي كيف استطيع خدمتك ؟

سألها بثبات و قال :

هل يمكنك إخباري من اعد الشاي ؟

استغربت وهي تجيبه برسمية:

بالتأكيد ...انها احدى عاملات الميتم ..

سأل و قد ظهر الإهتمام على ملامحه قائلاً:

هل تعرفين ما اسمها ؟

قالت بهدوء :

اسمها ريم سيدي ... العاملة البكماء الوحيده في الميتم ..

تصلب جسده وهو يستمع إلى كلماتها...ريم و بكماء ؟

ابتلع ريقه بتوتر و سأل:

هل تعرفين أين أجدها الآن ؟

حدقت به باستغراب و سأل و هي تقول :

اعتذر على تطفلي سيدي لكن هلا أخبرتني لما تسأل عنها؟

هل هناك خطب ما بالشاي ؟

توقف لثوانٍ وهو يحدق بها... اغمض عينيه و هو ياخذ نفسا..

عدل صوته ليخرج ثابتاً و قال بهدوء :

لا يوجد خطب به ... فقط اردت سؤالها عن شئ ما

مع أن سالي لم تقتنع إلا أنها إجابته و قالت :

هل ترى تلك الشجرة الكبيرة في الزاوية التفت يساراً ستجدها تنشر بعض الغسيل هناك...

خطى بتردد وهو لا يعلم مالذي يأمله من محاولة رؤيتها و لا يفهم السبب خلف رغبته هذه و كأن هناك شئ قوي يدفعه إلى لقائها... وصل إلى الشجرة الكبيرة التي اشارت لها سالي. 

اخذ نفسا عميقا ليهدأ خافقه قبل أن يلتفت إلى اليسار كما أخبرته ...

رأى أن هناك شخصاً ما يقوم بنشر الأغطية على الحبال المعلقة لا يظهر منها شيء سوى طرف ثوبها و قدميها من الأسفل و من الأعلى كفيها التي تعدل بها الأغطية التي تنشرها...

اقترب بهدوء و لم يصدر أي صوت .. ظل يراقبها بصمت.. و عندما انتهت اخذت سلة الغسيل الفارغة لتاخذها إلى مكانها...

لاحظ نحول جسدها و قصر قامتها مقارنة به.. و شعرها المربوط باحكام خلفها..

خطت لتغادر ...و حينها انطلق صوته و هو يناديها بنبرة خرجت عالية اثر تردده:

ريم ...

توقفت خطواتها على الفور عندما سمعت من يناديها...

التفتت لتقابله و عندما وقعت عينيه على عينيها و ملامحها و شعر غرتها الذي تطاير اثر نسمة الهواء الذي مرت..

هوى قلبه على الفور وهو لم يعد يشعر بخافقه من كثر قوة نبضه... هاجمه ذاك الصداع العنيف و كأن مئات الذكريات تومض داخل عقله فجأة و تختفي. 

و على الرغم من ما يحدث داخله لم يزح عينيه عنها..

رفع كفه ليضغط على جانب رأسه ليهدأ  بينما عينيه مثبتتان عليها...

أيقن انه يعرفها و يعرف هذه الملامح التي امامه...

لكن لِمَ يخفق قلبه بجنون هكذا...

لِم تنساب دموعه من عينيه الآن...

لِم يرغب بالاقتراب منها كثيراً...

لِم لديه تلك الرغبه المستميته في اخذها بين ذراعيه بقوة ...

اقترب بخطوات واسعه منها ومع أنها تتراجع الا أنه لم يتوقف عن الاقتراب...

لكنه توقف فجأة بعد أن ارتفعت حده الألم و فاق احتماله كثيراً...اخذ يلهث بصوت مسموع و كأنه يحاول أن يتماسك...

رفع ذراعه و كأنه يحاول أن يختصر المسافة و يلمسها بطرف اصابعه... لكنه شعر انه على حافة فقدان وعيه..

همس باسمها بصوت خافت و تهادى جسده أمامها...

شهقت بصمت و هي تراه ينهار أمامها و بدون وعي منها تقدمت لتمسكه قبل أن يلامس جسده الأرض...

و فقد آخر لحظة من وعيه وهو يشعر بنفسه بأنه بين يديها...

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

رحيق اليأس

المؤلف Naya Shadi
2025/09/30 مستمرة
قائمة الفصول (36)
الفصل 0: المقدمة
2025/09/30
الفصل 1: الفصل الاول
2025/09/30
الفصل 2: الفصل الثاني
2025/09/30
الفصل 3: الفصل الثالث
2025/09/30
الفصل 4: الفصل الرابع
2025/09/30
الفصل 5: الفصل الخامس
2025/09/30
الفصل 6: الفصل السادس
2025/10/03
الفصل 7: الفصل السابع
2025/10/03
الفصل 8: الفصل الثامن
2025/10/05
الفصل 9: الفصل التاسع
2025/10/07
الفصل 10: الفصل العاشر
2025/10/08
الفصل 11: الحادي عشر
2025/10/08
الفصل 12: الفصل الثاني عشر
2025/10/16
الفصل 13: الفصل الثالث عشر
2025/10/23
الفصل 14: الفصل الرابع عشر
2025/10/30
الفصل 15: الفصل الخامس عشر
2025/11/06
الفصل 16: الفصل السادس عشر
2025/11/13
الفصل 17: الفصل السابع عشر
2025/11/20
الفصل 18: الفصل الثامن عشر
2025/11/29
الفصل 19: الفصل التاسع عشر
2025/12/07
الفصل 20: الفصل العشرون
2025/12/14
الفصل 21: الفصل الحادي والعشرون
2025/12/20
الفصل 22: الفصل الثاني و العشرون
2026/01/04
الفصل 23: الفصل الثالث و العشرون
2026/01/12
الفصل 24: الفصل الرابع و العشرون
2026/01/18
الفصل 25: الفصل الخامس و العشرون
2026/01/26
الفصل 26: الفصل السادس و العشرون
2026/02/16
الفصل 27: الفصل السابع و العشرون
2026/03/21
الفصل 28: الفصل الثامن و العشرون
2026/05/06
الفصل 29: الفصل التاسع و العشرون
2026/05/06
الفصل 30: الفصل الثلاثون
2026/06/08
الفصل 31: الفصل الواحد و الثلاثون
2026/06/20
الفصل 32: الفصل الثاني و الثلاثون
2026/07/01
الفصل 33: الفصل الثالث و الثلاثون
2026/07/13
الفصل 34: الفصل الرابع و الثلاثون
2026/07/29
الفصل 35: الفصل الخامس و الثلاثون
2026/08/23

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة