الليل

الليل

12 0

---

الفصل الأول – نوبة نص الليل

كانت الساعة داخلة على واحدة بعد نص الليل، والمستشفى هادية بشكل يخوف. نور النيون الأبيض بيخلي كل حاجة باهتة، والريحة المعتادة بتاعة الكحول والمطهر ماليه المكان.

في أوضة الملاحظة، الممرضة نهى كانت بتقيس الضغط لست كبيرة اسمها “سعاد عبد الرحيم”، وفجأة الجهاز بيزيِّن، وصوته بيعلى.

نهى اتوترت:

– يا نهار أبيض… النبض بينزل بسرعة!

صوتها جاب آخر الممر، ولسه بتكمل نداءها، الباب اتفتح بسرعة ودخلت د. جنة وهي لابسة البالطو الأبيض ونظرتها كلها تركيز.

– في إيه يا نهى؟

– المريضة النبض اختفى يا دكتورة!

جنة بدأت التحاليل بسرعة، بتحاول تعمل إنعاش، بس بعد دقايق قليلة سكتت، وبصّت على الساعة.

– الساعة واحدة وسبع دقايق… الوفاة.

الهدوء رجع تاني، بس المرة دي في حاجة غلط.

نهى قربت منها بصوت واطي:

– دكتورة… المريضة دي كانت مستقرة من ساعتين، إزاي كده؟

جنة سكتت لحظة، بعدين ردّت بهدوء وهي بتخلع الجوانتي:

– هنكتب التقرير، بس أنا مش مقتنعة إنها وفاة طبيعية.

---

في الصبح، مكتب الضابط محمد بها في القسم كان مليان ملفات على المكتب، وهو بيقلب فيها بعصبية لحد ما رفع عينه على جنة وسامح اللي قاعدين قدامه.

– الحالة دي مش مريحة، ووزارة الصحة طلبت تحقيق خاص.

جنة: “تقصد جريمة قتل يا فندم؟”

محمد بها: “مش هستبق الأحداث، بس في حاجات مش داخلة دماغي. د. سامح، انضملك في التحقيق.”

سامح رفع نظره بهدوء، نبرة صوته واطية بس ثابتة:

– تمام يا فندم، نبدأ منين؟

– من المستشفى. عايز تقرير تفصيلي وتحليل سموم، وكمان تشوفوا الكاميرات.

جنة لمحت سامح، أول مرة تشتغل معاه، راجل رايق على الآخر، بيتكلم قليل بس تحس إن عنده تركيز رهيب.

أما أحمد، زميلها القديم، فكان واقف عند الباب بيتفرج من بعيد، ابتسامة صغيرة على وشه، بس في عينه حاجة مش مفهومة.

---

جنة وسامح خرجوا من القسم بعد ما خلصوا كلامهم مع الضابط محمد بها. الجو برة كان لسه فجر، نسمات البرد بتلسع خفيف، والسكون بتاع الشوارع فاضي غير من شوية عربيات إسعاف معدية على البُعد.

جنة ركبت العربية جنب سامح، وهي لسه شايلة معاها القلق اللي بدأ من لحظة وفاة المريضة.

قالت له وهي بتبص من الشباك:

– انت شُفت التقرير؟ التحاليل الأولية مفيهاش حاجة غريبة.

سامح، بنبرته الهادية المعتادة، قال وهو بيشغل العربية:

– ده اللي مقلقني أكتر، الموتة دي نضيفة زيادة عن اللزوم.

سكتوا شوية، والموسيقى الخفيفة اللي طالعها من الراديو كانت مكسّرة الصمت.

جنة سرحت وهي بتفكر:

هو دايمًا كده؟ هادي بالشكل ده؟

بعدين رجعت لنغمة الجدية:

– أول ما نوصل، نراجع الكاميرات، ونتكلم مع نهى. حسّيت إنها متوترة زيادة.

---

في المستشفى، الممرات بدأت تصحى، تمريض رايح وجاي، وأصوات أجهزة بتصدر صفير خفيف.

نهى كانت واقفة جنب باب أوضة الملاحظة، وشها شاحب.

جنة قربت منها:

– صباح الخير يا نهى، ممكن نراجع اللي حصل من الأول؟

نهى بصوت بيرتعش:

– يا دكتورة، والله المريضة كانت كويسة، ضغطها مظبوط ونبضها طبيعي. بعديها بنص ساعة لقيت الجهاز بيصرّخ فجأة…

سامح قطع كلامها بلُطف:

– حد دخل الأوضة قبل كده؟ زوّار، ممرض، دكتور؟

– لأ يا دكتور، غيري محدش دخل.

سامح بصّ لجنة وقال بهدوء:

– طيب نراجع الكاميرات.

---

دخلوا غرفة الأمن. الراجل المسؤول كان متعاون، فتح اللقطات بتاعة الساعة 12 ونص بالليل. الكاميرا كانت موجهة ناحية الممر، والمشهد واضح:

الممرضة نهى داخلة، بعديها بدقايق ممرضة تانية بتعدي بسرعة… بس مش واضحة ملامحها.

جنة ركّزت وقالت:

– استنى، رجّع اللقطة دي.

الراجل رجّع الفيديو، ووقّف عند لحظة دخول الممرضة التانية.

سامح ميل شوية قدام الشاشة:

– بصّي على الجزمة دي… لونها مش زي الزي بتاع القسم.

جنة ابتسمت بسخرية خفيفة:

– يعني عندنا حد دخل القسم في نص الليل من غير تصريح؟

– واضح كده.

سامح بصّ لها بنظرة فيها تركيز وهدوء في نفس الوقت:

– هنحتاج نعرف مين كانت الممرضة دي… وبسرعة.

---

قبل ما يخرجوا من غرفة الكاميرات، أحمد ظهر فجأة من آخر الممر، لابس البالطو الأبيض ووشه باين عليه سهر.

– صباح الخير يا دكتورة، يا دكتور… سمعت إن في تحقيق في وفاة المريضة؟

جنة: “أيوه، وإنت بتعمل إيه هنا دلوقتي؟ ما كانش عندك شيفت الليل.”

ابتسم ابتسامة غريبة وقال:

– جيت أراجع حاجة نسيتها في المكتب… بس واضح إن الدنيا سخنت.

سامح اكتفى بنظرة طويلة نحوه، ملامحه هادية بس عينه فيها شك خفيف،

وجنة من غير ما تحس قالت جواها:

الليلة دي مش هتعدي على خير…

---

جنة كانت واقفة في الممر، بتراجع تفاصيل وفاة المريضة، وفجأة لمحت سامح واقف بعيد عنها، ساكت، بيراقب كل حاجة حواليه. أول ما بصّت في وشه، حسّت بحاجة غريبة… حاجة مش بس عادية.

شعره الأسود قصير ومرتب، لكن الطريقة اللي بينور بيها من تحت الضوء تخلي كل خصلاته كأنها فيها حياة. عيونه… يا لهوي على عيونه! لونها غامق ونظيف بطريقة غريبة، كأنها بتشوف أكتر من مجرد الممر اللي قدامهم، كأنها بتعدي على الأسرار اللي محدش غيره يعرفها.

جنة رجعت عينيها من عليه، بس قلبها بدأ يخبط بسرعة. حسّت حاجة قوية… إحساس مش مفهوم، حاجة كأنها سحر خفي بيشدك ناحية شخص بدون سبب منطقي.

سامح لمس جهازه المحمول، وبهدوء قال:

– جاهزين نبدأ التحقيق؟

صوت صوته، هادي وثابت، لكن فيه نوع من القوة اللي تخليك تسمع كل كلمة كأنها مهمة. جنة لقيت نفسها مبتسمة لنفسها، وعيونها مش قادرة تفلت منه.

سكتوا شوية، وكل واحد فيهم مركز في المهمة، لكن الجو حواليهم كان تقيل… مش بس من الشغل، ده كمان من الإحساس الغريب اللي سامح سببته من أول دقيقة.

نهى كانت بتحرك ملفات وتقارير على المكتب، وحسّت إن الجو متوتر،

– إيه يا جماعة؟ الجو ده إيه؟

جنة ما ردتش، عيونها مازالت على سامح، حسّت إن في حاجة مش طبيعية، حاجة فيها جذب غريب مش بتقدر تفسره.

سامح بصّ لها بعد شوية، وابتسامة خفيفة ارتسمت على وشه. مبتسمة؟ لأ… حاجة بين الهدوء والاحترام، حاجة بتخلي القلب يخفّ شوية. جنة حسّت فجأة إن كل التعب اللي فيها من الشفتة الأولى بتاعة النهار ده بيبدأ يروح، لكن في نفس الوقت قلبها اتوتر أكتر.

– لازم نراجع الكاميرات – قال سامح وهو يمشي ناحية غرفة الأمن.

جنة اتبعت خطواته، وكل خطوة كانت محسوبة، هادية… كأن كل حركة منه بتقول: “أنا عارف كل حاجة”.

في غرفة الكاميرات، الفيديو بدأ يشتغل، وكل ثانية بتقربهم من الحقيقة، لكن جنة حسّت إن عيون سامح مش بس بتبص على الفيديو… ده كأنه بيقرأ النفوس اللي وراه.

– بصّي هنا – سامح أشار لجزء من الفيديو. – شوف الجزمة دي… لونها مش زي الزي بتاع القسم.

جنة اقتربت، وحست مرة تانية بالإحساس الغريب… كأن سامح عنده قدرة يشوف اللي باقي مش قادرين يشوفوه.

وبينما هم مركزين على الفيديو، أحمد ظهر فجأة، وابتسامته الغريبة ضاعفت إحساس جنة بالضغط الغريب في الجو. سامح لمحة بسيطة له، وعيونه فضلت مركزة على كل حركة في الشاشة، لكن بطريقة هادية جدًا… كأن الجو كله تحت سيطرته، كأن وجوده حواليهم بيحميهم وفي نفس الوقت بيشعل فضولهم على كل حاجة.

جنة لفتت عيونها عليه تاني، وقالت لنفسها:

هو… الراجل ده عادي؟ لأ، فيه حاجة في عيونه وشعره… حاجة تخلي كل حاجة حواليه تتغير… كأن عنده سحر خاص بيه.

في اللحظة دي، قررت جنة في نفسها: مهما حصل، النهاردة مش هتسيب أي خيط من التحقيق يفلت من تحت إيديها… بس في نفس الوقت، حسّت إن التحدي الأكبر مش الجريمة… التحدي الأكبر سامح نفسه.

---

---

جنة لاحظت إن سامح مهما كانت المواقف حرجة أو الضغط عالي، بيحافظ على هدوءه. لكن كان فيه حاجة تانية… حاجة أعمق، حسّت إنها مش مجرد هدوء طبيعي.

بعد ما خلصوا مراجعة الفيديو، جلسوا في الممر على الكراسي، صمت خفيف محيطهم. جنة قررت تكسر الصمت:

– سامح… إنت… ساكت كده… بتحسسني بحاجة.

سامح رفع نظره ببطء، وقال بهدوء:

– مش دايمًا كل حاجة محتاجة كلام، جنة.

جنة ابتسمت بخفة، بس حسّت إن فيه شيء ورا الجملة القصيرة دي… حاجة زي جدار حوالين قلبه.

كانت نظراته بعيدة شوية، كأنه بيسترجع ذكرى معينة، لحظة في حياته خلت قلبه يقفل على نفسه. جنة لاحظت توتر خفيف في يده وهو ماسك دفتر الملاحظات، ولحظت في عيونه لمحة حزن خفية، مش باينة لأي حد.

جنة قالت لنفسها:

واضح إن الراجل ده قلبه اتجرح قبل كده… وعشان كده قفل على نفسه.

سامح كمل بصوته الهادئ:

– اتعلمت… إن لما تحب حد… ممكن تخسر نفسك.

جنة ركزت فيه، حسّت إن كلامه مش مجرد كلمات، ده خبرة حياة، ألم سبق… والحذر اللي هو فيه مش عادي.

– بس أنا… – حاولت جنة تقرب، بس سامح رفع إيده بخفة:

– خلي التركيز دلوقتي على التحقيق. كل حاجة تانية… لما تيجي، هتكون واضحة.

جنة فهمت الرسالة… قلبه مسدود، مش بسهولة هيفتح لأي حد. بس بنفس الوقت، فيه حاجة في حضوره وهدوءه اللي بتشدها. حاجة غريبة… كأن في أمان موجود معاها لما يكون جمبها، حتى لو هو مش قادر يظهر مشاعره.

وفي اللحظة دي، جنة حسّت إن التوتر بتاع التحقيق، الغموض اللي حوالين المريضة، وحتى الغرابة اللي حستها في سامح… كل ده اتجمع مع شعور مختلف، شعور خلاها تعرف إن النهاردة مش مجرد تحقيق… ده بداية حاجة أكبر، علاقة صعبة، لكنها مليانة إحساس خفي بين اتنين قلبهم مش سهل يتفتح.

---

بعد مرور شوية دقايق في الصمت، جنة وسامح رجعوا للممر الرئيسي، كل خطوة محسوبة، والعيون حواليهم بتتلفت من الممرضات والدكاترة اللي لسه شغالين في الشفتة.

أحمد ظهر فجأة من آخر الممر، بابتسامة مش واضحة… حاجة بين التهكم والغموض:

– صباح الخير يا دكتورة… يا دكتور… سمعت إن في تحقيق في وفاة المريضة؟

جنة رفعت حاجبها:

– أيوه… وإنت بتعمل إيه هنا دلوقتي؟ ما كانش عندك شيفت الليل.

أحمد ابتسم ابتسامة غريبة:

– جيت أراجع حاجة نسيتها في المكتب… بس واضح إن الجو سخن أكتر من المتوقع.

سامح اكتفى بنظرة طويلة نحوه، عينه فيها حكم وهدوء، لكن جنة حسّت إن النظرة دي فيها إنذار خفي: أي حركة مش محسوبة ممكن تكشف أسرار.

رجعوا لغرفة الكاميرات، وبدأوا يراجعوا اللقطات بدقة شديدة. كل حركة في الفيديو كانت مكشوفة للنظرة الحادة لسامح، وكأنه بيقرأ أكثر من مجرد المشهد… بيقرأ نوايا الناس.

– بصّي هنا – قال سامح، وهو بيشير لجزمة الممرضة الغريبة. – لونها مش زي الزي بتاع القسم.

جنة اقتربت، وحست مرة تانية بالإحساس الغريب اللي حست به من أول ما شافت عيونه… إحساس قوي، فيه جذب وسحر هادي، حاجة تخلي قلبك متعلق باللي قدامك رغم إن عقلك بيقولك ركزي على المهمة.

سكتوا شوية، وكل واحد فيهم مركز على الفيديو، لكن الجو كله اتقلب. جنة لاحظت إحساس سامح الغريب، حذره وهدوءه اللي مش طبيعي… كأن خبرة حياته كلها موجودة في كل حركة بيعملها.

– هنحتاج نعرف مين كانت الممرضة دي… وبسرعة – قال سامح، صوته هادي لكنه مليان حزم.

جنة شعرت بحاجه غريبة… قلبها بيخفق بسرعة، مش بس من الغموض اللي حواليهم، لكن كمان من شعور غريب سامح بيولده من غير ما يحاول.

---

وبينما هم خارجين من غرفة الكاميرات، فجأة وصلهم اتصال من وزارة الصحة… الطلب كان صريح: التحقيق محتاج يتوسع، وفي دلائل بتشير لحاجة أكبر من مجرد وفاة طبيعية.

سامح جالسه يفكر:

– جنة، في احتمال كبير إن الحالة دي لها امتداد برة مصر… في كوريا.

جنة اندهشت:

– كوريا؟! وإزاي؟

سامح هز راسه:

– التفاصيل هتوضح هناك… لازم نسافر ونتأكد بنفسنا.

جنة ابتسمت لنفسها، شعور مختلط بين التوتر والفضول، وبنفس الوقت حست إن الرحلة دي مش بس تحقيق… كأنها بداية لمغامرة جديدة، غريبة، ومليانة إحساس مش معتاد… خصوصًا مع سامح جمبها.

أحمد ظهر مرة تانية قبل ما يغادروا المستشفى، وقال بابتسامة غريبة:

– الرحلة دي… مش هتكون سهلة.

جنة شعرت بالقشعريرة، سامح اكتفى بنظرة هادية، لكن جنة عرفت… إن أي خطوة هياخدوها دلوقتي هتغير حياتهم كلها.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

غموض ❤️

المؤلف lee byung-hun ❤️
2025/11/10 مكتملة
قائمة الفصول (8)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة