صمت العهد

صمت العهد

12 0

بعد أن نطق الراهب تامور بنبوءته، خيّم الصمت على القاعة.

كأنّ كلماته كانت لعنة علقت في الهواء، لا تريد أن تُنسى.

ألسنة النار التي تزيّن الجدران خمدت فجأة، وكأنها تسمع هي الأخرى ما قيل.

جلس الملك نيروان، حاكم النهرين، ويداه ترتجفان بخفّة، ثم قال بصوتٍ عميق:

“لقد تعبنا من الحروب، لا أريد أن أعود بعالمي إلى الدم.”

أجابه أردان، ملك النار، وهو يحدّق به بنظرة قاسية:

“الدم لا يعود إلينا يا نيروان... نحن من نذهب إليه.”

تقدّم درغان، ملك الأشاوس، بخطواتٍ ثابتة وقال:

“كفاكم كلمات. إن كانت هناك خيانة، فلنكتشف من أين تبدأ، لا أن نتجادل كالعجزة.”

من الظلال خرج صوتٌ بارد، كان سافير، ملك الوطواط، يقول بنبرةٍ لاذعة:

“الخيانة؟ من يتحدث عنها يعرفها جيدًا. ألم تكن مملكة النهرين أول من بنى سدودًا سرية على حدود النار؟”

ضرب نيروان قبضته على الطاولة الحجرية فاهتزّت الكؤوس:

“كفى أكاذيبك يا سافير! أنت من أرسل الجواسيس ليلاً لسرقة خرائطنا. لا تظنّ أننا لا نعرف.”

ضحك سافير بخفّة وقال:

“الجواسيس؟ ربما. لكنك تعلم يا نيروان... كل ملكٍ يخفي ما لا يريد أن يُقال.”

أشار الراهب تامور بعصاه، فقطع النقاش وقال بصوتٍ غامض:

“لقد رأيت في المنام طيفًا من الظلال يبتلع النور. الممالك تتناحر، لا بسيوفها بل بقلوبها.

من بينكم من سيكسر العهد... لكنه لن يكون من تظنّون.”

ساد الصمت من جديد، ثم قال أردان بغضب:

“كلماتك غامضة كعادتك يا تامور، لكني أسمع التهديد فيها. إن كان بيننا من خان، فسأعرفه بطريقتي.”

نهض من مكانه، والنار تشتعل خلفه، وقال بصوتٍ كالرعد:

“بدءًا من هذه الليلة، كل مملكة تحمي حدودها. من يقترب منها... يُعد عدوًا.”

اعترض نيروان بشدة:

“هذا يعني نهاية العهد!”

أردان أجابه بنظرة نارية:

“بل يعني حمايته من الخونة.”

---

بعد الاجتماع، غادر الملوك القاعة كلٌ إلى مملكته، لكن سافير لم يغادر.

انتظر حتى خلت القاعة من الأصوات، ثم سار نحو العرش ولمس أحد الرموز المنقوشة عليه.

انفتح جدارٌ سريّ، وظهر ممرٌ طويل يقود إلى قبوٍ معتم.

في الداخل، كان ينتظره رجل مغطّى بالوشاح الأسود.

قال له سافير بصوتٍ خافت:

“لقد تم ما أردناه. النار تشكّ في النهرين، والنهرين في النار. قريبًا سيتقاتلون دون أن نرفع سيفًا واحدًا.”

ردّ الرجل المجهول:

“لكن الراهب... كلماته خطيرة، كأنه يرى ما لا يُرى.”

ابتسم سافير وقال بثقة:

“ليحلم كما يشاء. الرؤى لا تغيّر القدر، بل تُبرّره.”

ثم أضاف بصوتٍ بارد:

“حين تسقط النهرين، ستفتح الأرض طريقنا نحو العرش الأعلى... عرش المماليك جميعًا.”

---

في تلك الليلة، وقف الراهب تامور أمام نيرانٍ مقدسة في معبده، يهمس لنفسه:

“النبوءة بدأت... والدخان سيملأ السماء كما رأيت.”

ظهر خادمه العجوز وقال بخوف:

“سيدي، هل ما رأيته سيتحقق؟”

أجابه تامور بعينين زجاجيتين:

“كل نبوءة يمكن كسرها... إلا تلك التي تزرعها القلوب.”

ثم رفع بصره نحو السماء وأكمل بصوتٍ خافت:

“يا خالق النور، إن كانت النار ستشتعل، فاجعل رمادها بداية عهدٍ جديد... لا نهايته.”

وفي الأفق، بدأت غيوم داكنة تتجمع فوق مملكة النهرين، كأن السماء نفسها كانت تستعدّ للحرب القادمة.

---

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

المماليك الخمسه

المؤلف الأجهر
2025/10/24 مستمرة
قائمة الفصول (8)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة