مؤامر الوطواط

مؤامر الوطواط

12 0

في أعماق الجبال السوداء، حيث لا ترى الشمس إلا لحظات معدودة في العام، تمتد مملكة الوطواط مثل كائنٍ حيٍّ من الظلال. شوارعها تحت الأرض، وقصورها تُنحت من الحجر الأسود، وأهلها لا ينامون إلا حين تشرق الشمس. هناك، في قلب العتمة، كان الملك سافير يجتمع بمستشاريه في قاعة تُسمّى كهف الصدى، لأن كل كلمة تُقال فيها تُسمع مرتين... مرة بالحقيقة، ومرة بالوهم.

جلس سافير على عرشه المصنوع من عظام الملوك القدامى، وقال بنبرةٍ حادة:

“لقد بدأت النار تتحرك... والأنهار تغلي بالاستعداد. آن الأوان أن نرسم طريق الدم، لا بالسيوف... بل بالظلال.”

انحنى أحد الجواسيس وقال:

“مولاي، كما أمرت، زرعنا في مملكة النهرين جواسيس يحملون أختام النار. سيظن الملك نيروان أن أردان أرسلهم لاغتياله.”

ابتسم سافير بخبثٍ وهو يرفع كأسًا من النبيذ الأسود:

“عظيم... حين يقرأ أردان خبر سقوط جواسيسه في النهرين، سيقسم أن نيروان هو من نصب له الفخ. وهكذا... سيحارب الاثنان بعضهما ونحن نشاهد من الأعلى.”

ضحك المجلس بخفوت، لكن أحد الوزراء تجرأ وسأل:

“مولاي، وماذا لو انكشف الأمر؟ إن عرفوا أن الوطواط وراء المؤامرة، سنكون هدف الجميع.”

اقترب سافير ببطء، وضع يده على كتف الوزير، ثم همس له بصوتٍ بارد:

“من يعيش في الظلال لا يُكشف يا عزيزي. نحن لا نحارب بالجيش... بل بالسر. والسر هو أقوى سيف في هذا العالم.”

ثم التفت إلى خادمه المقنّع:

“أرسلوا الرسالة إلى مملكة الراهب... قولوا لهم إن النهرين تخطط لغزو النار. اجعلوا الختم بخط يدي أنا.”

تفاجأ الوزير:

“مولاي! لماذا تُخبر الراهب كذبًا؟”

ابتسم سافير وقال:

“لأن الراهب حين يخاف، يُرسل تحذيره إلى الجميع. وهكذا تنتشر الفوضى من دون أن نرفع إصبعًا.”

---

في اليوم التالي، كان الراهب تامور يتسلّم تلك الرسالة المختومة. قرأها مرتين، وعيناه تمتلئان بالقلق.

“النهرين تغزو النار؟!” تمتم لنفسه.

استدعى تلاميذه وقال:

“احملوا هذه النبوءة إلى الممالك، قولوا لهم إن الحرب اقتربت. ربما يردع الخوف ما لا تردعه القوة.”

لكنّ كلماته، بدل أن تُطفئ النار، صبّت عليها الزيت.

---

وفي مملكة النار، وصل الخبر إلى أردان.

ضرب الطاولة بقبضته وقال بغضبٍ عارم:

“كنت أعلم! النهرين لا تعرف سوى الخداع! هذه رسالتهم للعالم بأن العهد انتهى!”

حاول قائده راغوس تهدئته:

“مولاي، ربما الرسالة مجرد إشاعة.”

صرخ أردان:

“كفى! أرسلوا جيشي إلى الحدود. لن ننتظر حتى يُغرقونا بالماء!”

---

في المقابل، تلقى نيروان من النهرين تقريرًا من أحد عملائه بأن جواسيس يحملون ختم النار اعتُقلوا في أرضه.

قال مستشاره كادن بقلق:

“هل هذا إعلان حرب؟”

أجاب نيروان بهدوءٍ قاتم:

“أردان غبي كعادته. لا يعلم أنه يتحرك وفق خيوطٍ لا يراها.”

---

وفي مملكة الوطواط، جلس سافير في ظلام قصره، يراقب الأخبار تصل واحدة تلو الأخرى.

“النار تستعد... النهرين تتسلّح... الراهب يرسل التحذيرات... الأشاوس يراقبون من بعيد.”

ثم أطلق ضحكة خافتة:

“جميل... الآن كل واحد منهم يشك بالآخر. العالم يستعد للحرب... وأنا؟ أنا فقط أطفئ مشعل الضوء الأخير.”

وقف على شرفةٍ عالية تطل على بحرٍ من الضباب، ورفع يده كمن يخاطب السماء:

“حين يشتعل العالم، سيحتاج إلى من يعيش في العتمة لينجو. وساعتها... سيكون حكم الوطواط هو الأبد.”

وساد الصمت...

صمت لم يكن سلامًا، بل الهدوء الذي يسبق العاصفة الكبرى.

---

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

المماليك الخمسه

المؤلف الأجهر
2025/10/24 مستمرة
قائمة الفصول (8)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة