نبوءة الراهب

نبوءة الراهب

13 0

في معبدٍ مرتفعٍ بين الجبال البيضاء، جلس الراهب تامور وسط دوائر من النور الخافت. كانت الرياح تعوي خلف النوافذ الحجرية، وكأنها تنذر بشيءٍ لا يُرى.

وقف أمامه تلميذه أرفان، يحمل في يده لفائف عديدة.

قال تامور وهو يغمض عينيه:

“كم رسالة وصلت اليوم؟”

“ثلاث يا مولاي... واحدة من مملكة النار، وأخرى من النهرين، والثالثة... بلا ختم واضح.”

فتح تامور عينيه، حدّق في الرسائل، ثم أشار إلى الثالثة:

“اقرأها.”

فتح أرفان اللفافة بحذر، وبدأ يقرأ:

> “إلى الراهب الأعظم... لقد بدأ الخداع من بين الظلال. من يهمس في آذان الملوك ليس بشرًا، بل من يعيش في العتمة.”

رفع تامور رأسه ببطء، وكأن شيئًا استيقظ داخله.

“الوطواط...” تمتم بصوتٍ خافت.

ثم قال:

“هذه ليست لغة الملوك، بل لغة الخفاء. هناك يد خفية تحرك الجميع.”

اقترب أرفان بخوف:

“أتظن أن الحرب دُبّرت يا مولاي؟”

أجاب تامور بصوتٍ ثقيل:

“أجل، لقد أشعلوا النار بغير نارهم، وسكبوا الزيت في الماء، والآن سيُغرقنا الدخان جميعًا.”

---

في مملكة الأشاوس، كان الملك درغان يقف وسط ساحة التدريب، وصوت السيوف يملأ الأجواء.

جاءه أحد فرسانه وقال:

“مولاي، وصلت أنباء بأن النار والنهرين في طريقهما للاشتباك. هل نتدخل؟”

درغان نظر إلى السماء وقال بحدة:

“من يحكم هذا العالم؟ مجانين يتراشقون بالاتهامات! إن سقط أحدهم، سيتحوّل الآخر إلى طاغية. لن ننتظر حتى يطرق الموت أبوابنا.”

اقترب منه قائد الجيش، وقال:

“هل تأمر بالتحرك؟”

أجابه درغان:

“ليس بعد. ننتظر كلمة من الراهب. إن قال إنها حرب الظلال، فسنقاتل العتمة لا الممالك.”

---

في تلك الأثناء، كانت النار تشتعل فعلاً.

قرب الحدود، وقف القائد راغوس يصرخ في جنوده:

“ارفعوا الرايات! لا أحد يعبر النهر إلا على جثثنا!”

ومن الضفة المقابلة، ردّ عليهم جنود النهرين بالصراخ ذاته،

وأصوات الطبول تصمّ الآذان.

لكن بين الجيشين... وقف فارس مجهول، يرتدي درعًا أسود لا يحمل أي شعار.

صرخ أحد الجنود:

“من أنت؟!”

ردّ الفارس بصوتٍ غليظ:

“أنا من أتى بالنبوءة.”

لم يفهم أحد ما قاله، حتى رفع رمحه وغمسه في الماء،

فاشتعل النهر بالنار.

ارتجّت الأرض، وتصاعد البخار، وبدأت الحرب فعلاً.

---

في تلك اللحظة، في معبد الراهب، سقطت الكؤوس الزجاجية أرضًا وحدها.

أمسك تامور رأسه، وصرخ بصوتٍ عميق:

“بدأت اللعنة... الدم سيجري في الأنهار، والنار ستُطفأ بالدم لا بالماء!”

أرفان ركض نحوه:

“مولاي! ما الذي رأيته؟”

“رأيت الخيانة تبتسم، ورأيت سافير يقف في الظل يضحك. إنه ليس مجرد ملك... إنه من يكتب مصير الملوك.”

ثم قال بنبرةٍ حازمة:

“ارسلوا رسائل إلى كل الممالك:

من لا يقف مع النور... سيُبتلع في الظلام.”

---

في تلك الليلة، كان سافير في برج الوطواط، يراقب السماء التي احمرّت بالنار من بعيد.

جاءه أحد رجاله وقال:

“مولاي، الحرب بدأت فعلاً.”

ابتسم سافير وقال بهدوءٍ شيطاني:

“نعم... والآن سيُستدعى الراهب ليطفئ النار. لكنه لا يعلم أن الظلام لا يُطفأ... بل يبتلع النور.”

اقترب منه الرجل وقال بخوف:

“وماذا بعد يا مولاي؟”

سافير أجابه وهو يدير ظهره نحو الأفق:

“بعد؟ الآن يبدأ الجزء الثاني من لعبتنا. حين تنهكهم الحرب، سندخل نحن كمنقذين... ونحكم الجميع.”

---

وفي مكانٍ بعيد، على أطراف الصحراء، أضاءت السماء فجأة بوميضٍ غامض.

كان تامور واقفًا هناك، يرفع عصاه نحو الضوء.

“يا ربّ النور، امنحنا القوة لمواجهة من يكتب مصيرنا بالظلال.”

وهكذا، بينما تتقاتل الممالك بالنار والماء،

كانت حربٌ أخرى قد بدأت — حرب الخفاء.

لا رايات فيها... ولا جيش،

بل عقول، وأسرار، وخداع يسير كالدخان بين العروش.

---

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

المماليك الخمسه

المؤلف الأجهر
2025/10/24 مستمرة
قائمة الفصول (8)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة