ليلٌ ثقيل خيّم على سماء مملكة النار. سكنت الرياح، ولم يبقَ سوى صوت اللهيب يهمس في جدران القصر كأنه يروي أسرارًا لا يسمعها أحد.
في القاعة نفسها التي شهدت اجتماع المماليك، جلس الملك أردان وحيدًا أمام الخريطة العظمى، خطوطها المرسومة بالنار تُظهر كل مملكة بوهجٍ خاص. كان يحدّق في حدود النهرين، حيث تتوهج الأنهار باللون الأزرق كأنها تتحداه.
دخل عليه القائد راغوس، أحد أكثر رجاله إخلاصًا، وانحنى قائلاً:
“مولاي، الأخبار من الحدود ليست مطمئنة. جواسيسنا يؤكدون أن النهرين تحشد رجالها قرب ضفة الشمال.”
رفع أردان رأسه ببطء، وابتسامة غامضة ارتسمت على وجهه:
“قلتُ لك يا راغوس، لم أُخطئ في نيروان. السلام بالنسبة له كلمة يزين بها طمعه.”
اقترب راغوس بخوف:
“لكن مولاي، المعاهدة ما زالت قائمة. إن بدأنا الحرب، قد نقف وحدنا أمام تحالف المماليك الثلاثة الأخرى.”
ضحك أردان بخفةٍ شريرة وقال:
“وهل تظن الوطواط أو الأشاوس سيقفون مع النهرين؟ كل منهم ينتظر الفرصة ليكسر العهد بطريقته. فقط نحتاج إلى الشرارة الأولى.”
في تلك اللحظة، تسللت خادمة شابة من بابٍ جانبي، تحمل إبريقًا من الخمر. كانت ترتجف وهي تقترب، لكن عينيها تخفيان شيئًا غامضًا. حين وضعت الكأس أمام أردان، سقطت من بين أصابعها ورقة صغيرة ملفوفة.
نظر إليها القائد راغوس، لكن الملك أشار له بالصمت، ثم فتح الورقة خلسة.
كانت الرسالة قصيرة:
> “الراهب يعلم... لا تثق بأحد من الشرق.”
تغير وجه أردان، وبدأ يتمتم:
“تامور... ذلك الكاهن العجوز، هل يجرؤ على اللعب بالنار؟”
---
في الجانب الآخر، في مملكة النهرين، كان الملك نيروان يسير في حدائق قصره الهادئة. رائحة الطين والماء تعبق في الأجواء، وأصوات العصافير تخفف من توتر الأيام الماضية.
اقترب منه مستشاره العجوز كادن، وقال بصوتٍ مبحوح:
“مولاي، بعد اجتماع النار، وصلتنا إشارات بأن الأشاوس يضاعفون تدريباتهم العسكرية.”
ابتسم نيروان وقال:
“الملوك مثل الأطفال يا كادن، يخافون أن يخسروا ألعابهم. لكن، إن أشعل أردان الحرب، فلن نكون وحدنا.”
سأله كادن:
“أتعني أن الراهب سيكون معنا؟”
رد نيروان بثقة:
“تامور لا يريد الحرب، لكنه يؤمن بالنبوءة. سيحاول تهدئة الجميع، لكن حين تسقط أول قطرة دم، لن يبقى صوتٌ للسلام.”
---
في مملكة الوطواط، كان الملك سافير جالسًا في برجٍ مظلم، تحيط به طيور ضخمة سوداء العيون. قال لحارسه:
“أردان غبي. يظن أنه من يُشعل النار، لكننا نحن من نكتب الظلال.”
رد الحارس بخفوت:
“هل نرسل الجواسيس إلى النهرين كما أمرت؟”
ابتسم سافير:
“أجل، ولكن هذه المرة... اجعلوا واحدًا منهم يحمل ختم مملكة النار. حين يكتشفه النهرين، سيظنون أن أردان خانهم أولاً.”
---
وفي معبد الراهب الأعظم، جلس تامور في دائرةٍ من الضوء، يحيط به الكهنة.
قال أحدهم:
“مولانا، هل نُرسل تحذيرنا للملوك؟”
فتح تامور عينيه ببطء، وقال بصوتٍ هادئ عميق:
“لقد كُتِب ما سيحدث. النار ستبتلع الماء، والظلال ستغدر بالنور. كل ما نستطيع فعله... هو الصلاة أن لا تكون نهايتهم... نهايتنا أيضًا.”
---
وفي فجر اليوم التالي، اهتزت الأرض بين النهرين والنار.
صرخة واحدة من جنديٍ ميت قرب الحدود أشعلت الغضب،
والدم الأول الذي سُفك، كان كافياً ليوقظ وحش الحروب القديمة.
وهكذا بدأت حرب المماليك الخمسة...
حرب لم يكن فيها بريء، ولا منتصر.
---