أنانِيّ،
تَرغب في الخَير لنَفسك،
الحب لك، النجاح لك، الخِيرةُ لك، الأصدقاء لك، الثروة لك، النجاة لك.. المرتبة الثانية قد تَضمن والدتك، أو الأقرب مَهما يكُن،
لكنه الواقِع، لا أحدَ يُبدي آخرين على نفسِه، أنا أَولى.. أنا أحَق.
أنتَ.. شَعرتَ بِها سابقًا، الغيرة، الحَسد، الكُره، لِماذا هو يمتلك هذا وَأنا لا؟
حتى لو كانت لحظة عابِرة على مضيّ حياتك،
لكنها موجودة،
حتى لو أشهرتَ لها سكاكينك وَصرخت وصرخت إلى أن تتفجر حنجرتك،
لا تزال موجودة..
إنها تَنتظر احتكاكًا لتشتعل، عود ثقابٍ وَكبريت، الأمر لَيس صعبًا، توقف عَن النظر لما تَمتلكه وأبرِز محجريك كالجحيم نَحو الآخرين، اترُك الأمَل والنقاء للملائكة، وتَزَيّن بمَكر ودناءةِ الشياطين.
مبدأٌ لا أسوَأ مِنه، منبعٌ لنوعٍ من الشرور، ألا يُعَد البَشر شرًّا؟ أليسا متشابهين؟
مُحاوَلةٌ سَخيفة أخرى لأبدو مُتَفلسِفًا، هل أنا أحمَق؟
لا أدري، قد أكون كذلك، وربما مَجنون أيضًا، فقدتُ عقلي داخل رَحِم أمّي، ربما أكلته قبل أن تسحبني يد الطبيب..
وَاللعنة على كُل شيء، ما عُدت أهتم، حتى بتلك العاهِرة.
_«أخيرًا»
تَمتمتُ أحتكر سيجارتي بينَ شفتَيّ وأستنشقها بشراهة، متى كانت آخر مرةٍ حَصلتُ على واحِدة؟ لا أذكُر
صاحِبي المُهَندَم يَمنعها عني، علينا أن نَكون متشابهَين، علينا أن نكون أنا، وأنا لا يُدَخّن لذا... ليس من المفترَض أن أدخن!
لكنني أفعل.
مَبدأنا اختراق القوانين بأسنانِ سيوفنا يا صاح، فما المشكلة مَع السيجارة؟!
ارتخيتُ داخل المِقعَد أكثَر، وفِرقة الحدادين تَلعب من جهاز الكاسيت خَلفي،
يوجد ضوء لا ينطفئ أبداً..
خذني للخارج الليلة..
حيث الموسيقى والناس..
وهُم شباب وأحياء
أقود سيارتك..
لا أريد أبداً، أبداً العودة للبيت..
لأنه لم يعد لدي منزل..
خذني للخارج الليلة
لأني أريد أن أرى الناس وأنا..
أدرك أنني على قيد الحياة..
وإذا اصطدمت بنا حافلة بطابقين..
وصدمت بنا
أن أموت بجانبك
هو أسلوب سماوي للموت
لَو أمكنني الاختباء داخل الأريكة لَفعلت، لكنني لستُ شبحًا للأسَف، أنا هُو.
شابَ تسلسُل الموسيقى الجذّاب هديرٌ مَشبوه، تلاقَى الحديد مَع بعضِه وصدحَت نغمةٌ رنّانة، اضطررتُ لتحريكِ جِفنَيّ كَي أراه، يقِف عند المَدخل بوجهِ الحَزم الخاص بِه، وفي إصبعه يعَلّق حلقة المفاتيح.
أُطفئ السيجارة، أعتدَل، أمسَح أنفي، أحشرِج صوتي، أحاول إغلاق الكاسيت، أفشَل، نُعاوِد التحديق في بعضنا البعض وموريسّي يتحدث.
وإذا اصطدمت بنا شاحنة وزنها عشر أطنان..
وقتلنا معاً..
أن أموت بجانبك..
حسنًا، المتعة والشرف لي..
رغبةٌ في حَكّ وِجنتي اليُمنى تراودني، لكنّ أصابعي أجبَن مِن الصعود، فاعتدلتُ في جَلستي، أُقوّم ظَهري وأنشر الجمود فوقَ وَجهي.
لكن بعد ذلك سيطر عليّ خوف غريب..
ولم أستطع أن أطلب..
خذني للخارج الليلة..
خذني إلى أي مكان، لا يهمني..
لا يهمني،
لا يهمني،
لا يهمني
سَكَت الرجل عَن الغناء بضغطةِ زِر، لَم يفتَح فمّه بَعد، لكِن شيءٌ غير مَرئي يجثُم فوق صَدري، وُجوده بحَد ذاتِه.. مَهيب.
دَفع النافِذة بكلتا يديهِ يُهَرّب الدخان قبلَ أن يضر برئتيه، فضرَبت ركبتي أحاوِل إبقاءها ثابِتة، لَيست ترتَجف رعبًا، لكن بقايا الموسيقى عالقة داخل ذِهني، وَلَن يزيد هذا الطين إلا بَلة!
مَسحتُ جِفني بجانِب يدي ومقلتاي تتبعانِ حركته المنتظمة نَحوي، كُل خطوةٍ تُشبه السابقة، يَحسِب عدد السنتيمترات التي يفرّق بينهما.
اندهَس الإسفَنج أسفل ثِقله، يجلس أمامي وتحدّق مقلتاه بالسيجارة التي لَم أستطع إنهاء نصفها حتى،
الآن.. أشعر برغبةٍ في الإبتسام
_«أخبرني، هَل يغادر فمي رائحة حريق؟»
سأَل يوجه بندقيّتيه نَحوَ وجهي، لم أُبدِ رَدّ فعل قد يُتَّخَذ ضِدي، تاركًا إياه يسأل عمّا يعرِف إجابته.
_«لماذا فعلت ذلك؟»
كنتُ أحتاج لها، لِثانيةٍ من الفراغ، أو أكثَر.. ربما ساعة، ساعتين، ثلاث،
أحتاج للصمتِ، لا يكُف هذا العقل الخَرِب عَن الثرثرة والثرثرة حتى أكاد أحطم جمجمتي بأقرَب جدار، أنّى لي إخراصه؟!
كما أنها.. مُجَرّد سيجارة!
.
.
_«ستُعاقَب»
.
.
اكتُب مِئةً وَخمسونَ سَطرًا، بِخَطّي أنا..
كَرّر بها تِلك الجُملة
لا يخشى الناس القوانين بقدرِ ما يخشونَ مُخترقِيه
كررها، كررها، كررها
.
.

شهقت وقالت نحنُ قَتلة!
فضحكت أجيب
بل جلادون،
جلادون يا عزيزتي
_____________________________
.
.
.
.
_«تخلى عَنّي، سعى لإنقاذها هي وتركني، لقد دَفعني، قام بدفعي لأسفَل!»
_«كيفَ نجوتِ إذن؟»
_«لا أذكُر ما حَدث بعدها، لكن عندما رفعتُ جفنَيّ، كانَت أمي بالقرب، تُمرر يدها الدافئة فوقَ رأسي»
_«هَل رأيتِه وهو يقوم بدَفعك؟»
_« لم.. لم أستطع الرؤية بشكل جيد، لكنني شعرتُ به، أنا واثقة مِن ذَلك، لم يكُن أبي يطيق وجودي على أي حال، لرُبما عَلِم بأمر العاصفة مُسبقًا واستغل ذلك ليتخلص مني، كان.. كان ردّ فعله غريبًا للغاية، ابنتاه تصرخان من الرعب وهو يحاول سحب السنارة والفوز بسمَكة؟ هَل كان أبي مريضًا عَقليًّا؟»
_« لا أظن أن السيد عَوني عَاني من خلل ما، فلَو كان ذلك حقيقيًّا لتصرّفت السيدة كاثرين»
_«أنتَ لا تفهم ما أعنيه، أنتَ لم تكُن موجودًا»
.
.
راضٍ أنتَ الآن؟
كِدت أبصقها في وَجه مينا الذي أصر على الذهاب للطبيب في المَوعد، لا تُجدي هذه الجلسات أية نواتِج، حماقة.. مجرد فَضفضة لا تُغني من جوع.
أومَأ وكأنّه سَمِع سَخطي، فتَبعتُه نغادر هذا المكان المشؤوم والهواء يعود لرئتيّ أخيرًا.
حَاولت إبقاء مينا كمِحور بصري، لكنّ بؤبؤَيّ العاصيين طارَدا المَعالِم المألوفة،
هُنا كَانت الممرضة المَليحة تَقضي وقتها في الغَيبةِ مَع العجوز أثناء تنظيفها للأرضية البيضاء، رجُل الصيانة كانَ يرمقنا باشمئزاز، والممرض الأشقَر كأمير الصحاري يتحسّس الأجساد التي هَاجرت عقولها لعُطارَد بحُجة تَهدئتهن، إنه يحتويهُن.. ياله من نُبل!
مَرّت من جوارِنا جُثة ضَخمة، يسير بِبطء يخفي عَرجه ويداه الخشنتان مختبئة داخل جيوب سرواله، خصاله الفضّية لَم تزِد كثيرًا عَن آخر مرة كنتُ فيها هنا، ومقلتاه البارزتان كالخطاطيف لانتشال روحك لا تزال في محجريهما.
أفسحت له مُسرعةً قبلَ أن يصطدم بكَتفي، إنه الجَلاد، الطبيب الذي يَقِف فوقَ رأسك وَيدغدغ جسدك بالكهرباء، يُدَغدغ؟ تعبير لطيف.. كانَ هذا كابوسنا المتحرك.
حفرتُ أظافري في ذراعِ مينا ودَفعته لنغادر هذا المكان، الهواء خانِق، لا يهتم بالطقس، وكأنّنا في الصيفِ وعلى النيران صواني المَحشي تحترِق، يهتزّ الغطاء وكأنّك وضعتُه فوقَ بركانٍ والطعام يَحترِق.. يحترق.. يحترق
الويل لي!
نوبةُ صَرع، أحتاج للمثلّجات، ماذا عَن أمي؟ بخير؟ رائع، مُبهِج، بديع للغاية، بديع جدًا، هيا فلنعد للمنزل، غرفتي البشعة تفتقدِني.. الأثاث وورق الجدار الممزق قبيح اللون، صحيح، اشتريتُ نَبتةً حقيقية البارحة، لم أنسَ أن أسقيها قبل مغادرَتي، جميل، جميل..
أنا شخصٌ جميل! أرغب في الضحك، الضحك بجنون؟
بلهفةٍ أثارَت تعجّبه صعدت السيارة أربط الحزام حولي، ساقي تَهتزّ، وأسناني تضغط على لحمِ وجنتي النيء، ركب ولم يرتدِ حزامَ الأمان، يده تدفع العصا وحذاؤه يضغط على الدواسة.
_«هل أنتِ بخير؟»
سأل فضَحكت، وأومأت..
حُرّيتي المُقَيّدة، أوشكتُ أن أبلغك!
.
.
هديرُ راحة غادرني، أدفن وجهي في الوسادة بقوّة وأحلّق فوقَ الفراش، قلبي يرتجِف، معصماي منهكان، ومنتصف ظهري يؤلمني، عجوز وَردِية، الوردي هنا مشتق من الأحمَر.. القتل والإغراء، أي الخطيئة.
تنفستُ الصعداء ألتف حول الوسادة، الحَسنة الوحيدة في هذه الحُجرة، ويمكنني سماع مذيعة الأخبار تُبَقبِق من شاشة التلفاز في الخارج،
لا يأبه مينا للأخبار عادةً..
نهضتُ دون خلع فردةِ شرابي اليمنى لأراه مضطجعًا على الأريكة وجهاز التحكم يصعد ويهبط فوقَ بطنِه.
_«.. ارتفاع معدل الجرائم الحاد خاصة في مدينة القاهِرة، وظهر اشتباه بكَون الفاعل هو شخص واحِد، بدايةً من فتى حِلوان انتهاء بالحريق المُلحَق في إحدى البنايات الفارهة في حَي المعادي، وَقد أكّد الشهود الواصلون لمَوقع الجريمة بالعثور على عِلكة سَليمة مَضغوطة فوقَ مرآة الحمام...»
اقتربتُ أكثَر أتمَحّص في وَجه المرأةِ المغطّى بالمساحيق وفمها يتحرك دون توقف.
_«منذُ مَتى وأنتَ تهتم بهذا؟»
هدرتُ فوقَ رأسِ النائم فرفع جفنيه يحدق بي لثانيتين ثم ينقلب على جانبه متجاهلًا إياي وجهاز التحكم الذي سقط أرضًا.
_«.. لم توجد أي بصمات، حتى في العِلكة..»
.
.
.
مَضى بقية اليومِ وفي نهايته كانَت أذرع الأجهزة تُحَرر عن أمي، التي استَيقَظت أخيرًا وشيءٌ من عافيتها قَد رُد.
كَانت ميدونا هناك، تتشبث بيدها بحُجة إسنادها، لكن الحقيقة غيرُ ذَلك، إنها تهمس في أذنيها بخَبيثِ الكلام.
أنا ابنتُك، أنا مَن تعتني بكِ، أنا من كان هنا عندما سَقطتِ، أنا من يأبه لكِ، أنا دمُّك الحقيقيّ الطاهِر، أما تِلك؟ فهي الدنَس.. أما تِلك؟ فمَن تجاهلت الإتصالات وادعت الانشغال، أما تِلك؟ فهي خطيئتُك، لعنتُك، بصقةُ الحياةِ فوقَ وجهك..
كتمتُ ضحكتي في ابتسامةٍ خافتة ظنها مينا السعادة بعودتها حَيّة، لكنني لا أشعر بشيء، كما سَقطت كما نهضت، لا يغير من ذلك شيء، لا زلت كما أنا.
الذي يُتبَع؟
الكثير والكثير من الدماء،
أنا أغرق حَقَّا، ما عادت أمي هناك لتقف فوقَ رأسي لأينَ أنتِ ذاهبة ومتى ستعودين؟ مينا؟ شُغِلَ في دراسَته، ميدونا.. إنها تتشاجر مَع زوجها السمين، لولا.. أفتقِد تلك الصغيرة، تُرَى أمازالت تلهو مع الغرباء؟
أصبَح من السهل التسلل لداخل البناية بعد منتصف الليل خاصة عندما تتمكن من الحصول على نسخةٍ من المفاتيح كامِلة، السيد إدريس بوابُنا العزيز لَم يكتَشف سرقَتي لمفاتيحِه لمدة ثلاث ساعات، حتى بدأَت بوادر الشك تدُب في صدره كنتُ هناك، بنسختي الإحتياطية المَخفية بينَ طيات حقيبتي أدّعي عثوري على المفاتيح جوارِ سلّةِ قمامة عند إحدى الشقق،
الأخرَق ظن أنه أسقطها أثناء نزوله من عند سيدةِ الطابق العاشر التي لا أعرف اسمها، أيًّا يكُن.. أصبَحتُ المالكة غير الشرعية لهذه الطوب والخراسنة والحديد، أليسَ رائعا؟
آريز لم يمدحني بَعد، لكنني أتخيله يفعلها، وربما يفاجئني بأن يهمِس لي باسمه الحقيقي..
قَشعريرة!
لَقد بدأ الخريف يودّعنا، والشتاء تحملق من أسفل الباب تنتظر أن يفتحه لها أحدهم، لا أحدَ يحب الشتاء سوى الحَمقى، قال آريز أن الشتاء سيّء، يزعج مزاجه ولا يؤدي عمَله بالشكل المَطلوب، كما أنّ الليل قصير وهادئ للغاية، للحد الذي عليكَ فيه استخدام الرصاص والتخلي عن المتعة بالتعذيب والتنكيل،
ليلُ الشتاء قَصير؟
هل كانَ قصيرا؟ لا أتذكر، لكني أثِق في قَول آريز.
بالنسبةِ إليّ.. أكره الفصول الأربَعة، لو أحببتُ فَصلًا سأفضل تسميته بآريز، لا آخر.. ولو أن اسمه الحقيقي ربما يكون شاعِريًّا!
هذا سَخيف، سخيف للغاية، أعتقد أن غرفتي الوردية بدأت تُؤثّر على مَعدتي، أظن ذَلك..
لكِن كيفَ عليّ التعامُل مَع صوتِه؟
عَينيه التي تشعرني بالجنة؟
شعره؟!
أسلوبه في القتل؟ أفكاره الغريبة والمثيرة؟ إطار جَسده! إنه النبيذ الخاص بي!
دفعت الدفتر بينَ كلتا يدي أغلقه وابتسامةٌ تشق وَجهي.
_«مُذَكراتي العَزيزة، رَجاءً لا تجعلي الشرطةَ تَعثُر عليكِ، سأبدو قاتلةً سَخيفة للغاية..»
تمتمتُ أغلق الصندوق عليها بعد تركها تتدفأ جِوار القلم الدموي ورداء المَشفى الأبيض.
.
.
.
وُلِدتَ صغيرًا، كنتَ بين أقرانِك، مرحتم وتشاجرتم، كبُرت أكثَر، اصطحبك والدك للمدرسة، اكتشفتَ أن الصداقة لا تقتصر على أبناء الجيران، كبُرتَ أكثَر، وقعتَ في الحُب، تبادَلت الرسائل المُعَطرةَ مع محبوبك، والليالي التي تشاجَر فيها والديك كنت تتسلل خِلسةً بالهاتف لتختبئ أسفَل الدثار، لا أحد يعرف المواضيع التي دارَت عداكما، أصبَحت عشرينيا، فقدتَ حُبك الأول، تزوجت، أنجبت، لَقد شابت رأسُك، نَمت عظام أطفالِك، وكل واحد انزوى في ركنه الخاص، لا شيء يجمعنا كبقية العائلات.
هذه الكلمات المتفرقة تُلخص حياة أمي، يمكنني رؤيةَ التعب يزحَف على بشرتها الشاحبة، ليسَ جسديا بقَدر ما هو شعور التجاهل، لقد مضيت الكثير على هذه الأرض، لكن قُربَ خط النهاية، وجدت جميع من كان حولك في يومٍ ما يتلاشى وجوده ببطء، يتحولون لبقايا ذكريات مخلوطة، وأنتَ.. مُجبرٌ على المتابعة وحدك.
_«فلنَتحدّث»
كان سؤالَها لي خافتًا، مترددًا، خَجِلًا، نِصف جسدها يتكئ على إطار باب حجرتها ويدها تمتد لإلتقاط معصَمي سريعًا قبلَ أن أتمكن من التبخر، كِدتُ أخبرها بشأن حاجتي للمغادرة، الظرف المختوم بعِلكة القَذِر آريز مَطوِي في قبضتي، لكنني عضضتُ لساني أسمَح لها بسحبي نحو الفراش.
_«هذه أنتِ عندما وُلِدتِ»
أشارَت لفتاةٍ سمينة صلعاء وعينيها السوداء شبه مغمضين كالسكارى، فقلبتُ الصفحة لنرى صورةً أخرى.
_«أماه، دعينا نتخطى هذه الأشياء المحرجة»
تمتمتُ لتَضحك، ارتجف إبهامها تشير لواحدة بدوتُ فيها أكبَر سِنًّا.
_«كنتِ ممتلئة الجَسد، أذكر يديك وكتفيكِ أثناء الاستحمام»
ضحكَت كثيرا فابتسمتُ لَها لكنني لم أتمكن من استنساخ نفس ابتسامة الصورة.
_«كنا في فرنسا، عندما جاءت لوالدك فرصة العَمَل لصالح شركةٍ صغيرة»
_«لماذا سافرنا؟ ألم يُتَح لأبي عملٌ هنا؟»
_« كانت الأوضاع سيئة فلم يتردد عندما وجد الفرصةَ هناك، فليرحمهُ الرب»
_«ليرحمه الرب»
كررتُ خلفها ومِن بعدِ ذلك كانَت تقف عند كل صورة لتتذكر المَشهد التي تحويه، ميدونا لم تنظف وجهها ذلك اليوم، مينا دونَ أسنان لكنه يبتسم بشدة، أنا أسمَن أكثَر وأكثر حتى توقفت عن التقاط الصور، ومِن بعد ذلك فقدتُ المزيد من الوزن حتى تحولت لفزاعةٍ طَويلة.
لا أذكُر ما بَعد ذلك،
ربما أظلَم المكان.. غفوت، قبضتي تركَت توقيعها الأحمَر على وجنتي، لا زالت متشبثةً بالرسالةِ الفارغة، دلكت عيناي أنظر حَولي
أمي لَيست هنا.
نهضتُ بتثاقُل والهدوء يخَيّم على جدران مَنزلنا، ظننتُها قد تكون أمامَ التلفاز تصنع الزهور على المناديل المفضلة لديها، لكِن الأريكة بارِدة والخيط حيثُ كانَ البارحة.
أفزَعني صوتُ ارتطام شيء ما على الأرض، فنقلتُ بَصري لممر الغُرَف وسُرعانَ ما كُنت أخطو حيثُ مكاني الخاص، البابُ شبهُ مفتوح وفي الداخل تَقِف أمي وعلى بُعد قدمين الصندوق الحَديديّ مقلوبٌ فوقَ وَجهِه.
.
.
الملل والوحدة يفعلان أشياء سيئة للغاية، وأظنني وأمي خيرُ مِثالين على هذه المُعضِلة، كُل ما أدركه الآن.. أنني سأدخل في الجدار خَلفي لشدة التصاقي به، هناك كتلة رَطبة فوق وجهي،
ذقني، رقبتي، ملابسي.. كل شيء متسخ!
رؤيتي ترتعِش.. أرفَع يديّ ببطء فأجدُ الصبغةَ الحمراء تغمرها وفي الأخرى دفتري.
كيفَ وَقعت هذه السكين المدماةَ في يدي فجأة؟ ما هذا الشيء؟ ألوان؟
أعادَ مينا؟
أينَ أمي؟
_«أمي.. ؟»
تمتمت أحدّق في باب حجرتي المُغلَق، وعليه آثار حمراء عشوائية..
ترددت ساقاي في التحرك، خيالٌ شفّاف يقف بيننا، يدفعني للخلف كلما حاولتُ التقدم، وفي خَضمِ النزاع دفعتُه بذراعي لينفتِح الباب على مصرعه.
هناك فوقَ البساط، كانت مُضَرّجةٌ
بدمائها.
.
مساحة لآراءكم عن الرواية
Alogin