يضغَط على قلبي،
وَجهي وجسدي بأكملِه..
يريد نَبذي لِلقاع، ليَبقى السطحُ الجاف مِلكًا له وَحده،
حاولتُ الصعود،
رفستُ بساقاي، ضربتُ بذراعاي
لكنّني لم أُفلِح.
رأيتُه ينحَني،
يمُدّ يدهُ إليّ،
تحرّكت شفتاهُ بشيء لَم أفهمه،
كانَت عيناه مذعورتين،
أخَشِيَ أن أحتَلّ أرضَه؟
أكانَت يده لدَفعي؟
دَفعي بعيدًا؟
.
.
«ماتيلدا..
أمسكِي يدي»
.
.

.
ألمٌ تمدّد يتفَرّع بَين عضلاتِ رقبتي، فرفعتُ نفسي أحاوِل تعديل الوسادةِ،
إنّها الرابِعةُ فَجرًا، المَوعد المقدّس للرطوبةِ كَي تشن حربَها الضارِية على عِظامِي، تنهّدتُ طوَيلًا أضم ركبتاي لصدري، ويدي أخَذت باطِن قدمي تدلكها.
لا زِلت أتحسّر على مَا ضاعَ بفضلِ ذلِكَ البوّاب،
لو تأخّرَ قليلًا لهَربتُ مَعه، لكِنّه اختَفى بسُرعة، وكأنّه لم يكن موجودًا حتى!
تُرى.. هَل اتّخَذ حديثي محمَل الهُراء؟
كيفَ عرف مكاني؟
هدرتُ بأنينٍ كُتِمَ نصفه في الوسادة،
لا شيء يعجبني هنا، مَللت، حتى اللا شيء لا أشعر بِه، إنّما تجتاحُ قلبي موجةً مِن انعدام الراحة، الاطمئنان، مَع دوامِ الخوف.. أحتاج للتحرّر من كل هذا.
وبشكلٍ مُثيرٍ لِلسخرية، انقَضت الساعات تِلوَ الأخرى حتى انتَشَر ضياءُ الصباحِ البارِد في أنحاءٍ مِنَ الحجرة، ولَا تزال عيني يَقِظَة دونَ التفكير بشيء فعليًّا، هَل أنا الوحيدةُ هكذا؟
تمرّغتُ فِي الفراش أهبِط على ركبتيّ وبقيّة جسدي يرفض تركَ الأغطية، ناعِمة المَلمَس ومريحة لكِنّ لونها الزهرِيّ سخيف، ذوقُ الوالِدة.
لَفت عقرب الساعة انتباهي فإذ بِه يشير للثامنة، منذُ دقائِق فقَط كانَت السابِعة والنصف، وفجأةً قَفزت ستّين دقيقةً دُفعةً واحِدة، هناك عطلٌ ما ولَن يكون بي، ربّما الكَون يقصِد إثارة أعصابي، أو قد تكونُ حُجرة زمرّدة هذه هي السبب،
جالَ نظري في أرجائِها المبتهجة بشكلٍ كاذب،
هَل أستبدِل تِلكَ النبتةِ المزَيّفة بواحِدةٍ حقيقية؟
آخر مرةٍ فعلتُ هذا لم تمضِ أسبوعًا وماتت.
استسلمتُ أترُك
تنهُّداتي خلفي أجرّني نحوَ المِرحاض،
رُبّما حمّام منعِش سيُخرِس فَم عَقلي المُقيت هذا.
_
أمرّ بالغُرَف الصامِتة واحدة تلو الأخرى وأضواء الشقّةِ مُطفَأة، فأنرتُها جميعًا بينَ توجّهي إلى المطبَخ،
الجو هادئ للغاية عدا شرخٍ حاد.. فلَو قُمتُ بتشغيل المِذياع سيتفوّق شخير مينا عليهِ، أظن أن علينا أخذه للطبيب.
فرقعتُ فقرات رقبتي وكتفي بينما أُخرج عُلبةَ الزيتِ وآخرُ بيضتين، أشعلتُ أسفل المقلاة وَعندما بدأ أزيز الزيت يتصاعد لَمحتُ نملةً مارّة قرب البيض.
الحَشرات مُضرّة،
ومزعِجة..
أتخيّل قرصَة بني جنسها لي في الصيف، عصياناها الصغيرة تتحرّك فوقَ جلدي، وعندما أثني ذراعي يضيقُ عليها الخناق فتُغرز بي أنيابَها، هذِه وَقاحة نَملِيّة،
أشعلتُ عودَ ثقابٍ آخر وسرت به خَلفها، فحاوطتُها ولم أتركها إلى أن تفحّمت أهمس بغل.
_«عُودوا لجحوركُم.»
تركتُ الزيت يقرقع عائدة إلى الصالة، تشوّشَت إشارةُ التلفاز عندما حاولتُ فَتحه فلكمتُ رأسه بقبضتي ليتبدّد التشوّش وتظهر مَسرحيّةٌ هزليّة عَن ويزلي وأعوانه، رَقص ويزلي على الخشبة وهم خلفه، تصميم قبعته مشابِه للرجل الذي لا أعرف اسمه. فرميتُ جهاز التحكم جانبًا ألتَقط حقيبتي وأغنيّتهم امتزَجت مَع ضجةِ الزيت والشخير في الخلفية.
تركُ أَثر قبلَ المغادَرة عملٌ لطيف، ربما تنال النيران مِن المعدن وتخترقه، ستصبح ألسنتها أطوَل، فيأتي نسيمٌ خَفيف يحرّكها فتُصافِح الخِرقة القديمة المُعَلّقة على الحائط وتلتهم كل شيء.
لو حدَث هذا هل سيتم اعتقالي؟
لمحتُ الصورةَ المعلّقةَ لوالدي بجانِب الردهة، فضاقَت يدي حول مقبض الباب وخَرجت، لا تزال أمي تفتقِد أثَره في الفراش، وهو الذي لَم يهتم وتركنا راحِلًا دونَ رَجعة.. بَعد وِدّ لم تمل كاثرين عن الحديثِ بشأنِه كلما استَحسَنت السّهرة، الورود المُجَفّفة، العِطر الرخيص والنزهات النيلِيّة، وذلِك الشعر الفَصيح والمبتذل كلاهما أشعراها يومًا ما بأنّها أنثى.
الحب كذِبة، كذِبّة يَتلذذ بسماعِها كُل صغير فيقول متى أكبُر لأُحِب وأُحَب، ويمسح بها الكبير على صدرِه المُتصدّع في مُحاولةٍ بائسة نسيان الخذلان، كمَن يُخفي قُبحَ الجدار بورقٍ مُمَزّق.
______
وعَلى قارِعةِ الطريق كُنتُ أحدّق في الفراغِ والسيّارات تمرّ من وقتٍ لآخر أمامي.
لا يزالُ الأغلبيّة في أسِرّتهم، الشوارِع شِبهُ فارِغة وبإعجازِيّة لم تمتلِئ المواصلات بَعد.
ورُغم ذلِك بقيتُ مكاني لا فِكرةَ لديّ عَن هذهِ الحالة من الشرود الغَريب، لكِن رأسيَ فارُغٌ أَجوَف كأنبوب صدِئ، وجسَدي متيبّس مكانه كأنّهُ نَسي كيفَ يتحرّك.
التحرّش بالأسرار، هذا تعبيرٌ فاضِح، لكِنّه واقِعيّ تمامًا،
فمذُ كنت أتفاخَر بمِريَلتي البنّية، وزمزَمِيّة المياه الصغيرة حولَ رقبتي لَطالما أخبرتني أمّي ألّا أحشر أنفي فيما لا يخصّني، ولطالما لَم أفهَم معنى تلك الجُملة،
لا عَجب أن هذا كان العامِل الرئيسيّ لمشاكِل طفولَتي، وحتّى الآن.. لَم أتمكّن مِن قَمع تِلك الرغبة في مَعرفة كُل ما يبدوَ غامِضًا، بدايةً مِن الهَسهَسةِ بينَ بائِعة الجَرجير وَالسمك فِي إحدى أسواقَ بورسعيد نهايةً بالرنينِ الصادِح مِن داخِل كبينة الهاتِف عَن يساري.
ألقيتُ نَظرةً في المُحيط فلم أجِد بالقربِ أحدًا عداي، ترددتُ في التقدّم خاصةً عِند انقطاع الرنين لكنّه هو من قاطعني عندما حاولت العودةَ لأدراجي.
لا بأسَ بفِعل الخَير أحيانًا، رُبّما اتّفق مَع أحدِهم على هذا المَوعِد ولَم يأتِ.
وَلجتُ الصندوق الزجاجِيّ أرفع السماعةَ نَحو أذني.
_« أظن أنّ مَن تريده ليسَ هنا»
تفوهتُ أطرِق بمفاتيحي فوقَ علبة الهاتِف، ظننتُه سيَعتذِر ويغلِق مباشَرةً لَكن صمتًا قصيرًا تَلته تنهيدةً جَعلتني أردف.
_«مرحباً.. سأغلق الخط!»
_« انظري لأسفَل»
وانقَطع صوت أنفاسِه بعدَها، حدّقتُ أمامِيَ بُرهةً من الزمَن أستوعِب ما قالَه قبل أن أُخفِض مُقلتايَ بِبطء، وبَينَ إطار الهاتِف المعلّق والجدار حُشِرَت ورقةٌ مطوِيّة لُصِقَت بِها علكة،
فتجمّدتُ مكانِي دونَ إبعاد الهاتف عن أذناي ولَم أفهَم شيئًا.
أكان يتحدّث إليّ؟
وقفتُ كمَن ينتظر كلمة مُزحَةٍ صاخبة بعد رنينٍ آخر وما شعورُكَ كضحيةِ مَقلبِ التاسِعة كالبلهاء،
حسنًا لم يحدث أيًّا من هذا الهُراء، ولَم تتردد أصابع يدي في جذب الورَقة وتَرك السماعة تسقط دون إغلاقها.
عِلكة..
_«مقزز»
وكأنّها قُذفَت في بركةِ ماء عَكِرة، ودونَ اهتمام قام بنَشرِها فأصبَحت الورقة مكشكَشًة بالِيةَ الأطراف، هذا يذكرني بالفطائِر التي كانَت تخلّفها لولا بعد كل ليلةِ مَبيتٍ قَهريّة داخل حُجرَتي.. فوق فراشي، لَن أتخيّل مجددًا.
يالَك مِن مجرِم،
لَم يتكلّف عناء رَشّها بمعطّرٍ على الأقل! ما هذه الرائِحة!؟
نفختُ باشمئزازٍ وعيناي تتجوّلان فوقَ الكلمات، لم يصِل مُستوَى خَطّه لِلخاص بلولا حتّى.
_" برجِ اللوتَس،
حِينَما صَلّى القسّيس كَي يُقتَل الزنديق"_
برجِ اللوتَس..
أملتُ عنقي أعيد القراءةَ مجددًا علّي أستوعب شيئًا، لكِن.. هَل يوجد مكان في مِصر يُدعى ببرجِ اللوتَس؟
لا أذكر أني سمِعتُ عن هذا.
خدشتُ جبهتي بأظافري والورقة صوب عينيّ،
ما الأبراج الموجودة؟ في العاصمة،
بُرج.. يا إلهي، برج..
برج القاهِرة، هذا واضح للغاية أيتها الغَبيّة.
_«الزهرةُ في القمة مستوحاةٌ مِنه»
هَسهَست أغادِر الكبينة دونَ إبعاد بصري عن حيّز الوَرقة،
مَن يقصِد بالزنديق إذَن؟ لماذا قد يُصَلّى له ليُقتَل؟ ما علاقةُ هذا بالبرج؟
هَل يعني كنيسةً قُربَه؟
لماذا وَضع لي لُغزًا بدلًا مِن الرد؟
عبستُ أضيق حاجباي،
أكانَ عليكَ إزعاجي وتعسير الطريق أكثَر؟
مررتُ بيدي بينَ خصال شعري أعيده للخلف، أرفع بَصري للمباني المقابلة فتجوب عينايَ نوافِذها وأسطحها علّي ألمَح طرفَ مِعطفه أو قبعتِه،
هو يراني، لا أغادِر الأيام كلها في الموعد نفسِه، أي أنه اطّلَع على جَدولي الجامِعي، أي يهتَم بي،
ليسَ عقلي المشغول وَحده، هو أيضًا مِثلي.
لكن.. كيفَ أمكَنه الوصول إلى هذا؟ حتى لو راقَب طريقي فكيف علِمَ بِه..
لا يستطيع الغرباء الدخول للجامعةِ بسهولة.
وقبلَ أن تدهس سيّارةٌ أصابعَ قدميّ تراجعتُ بسُرعةٍ أثني الورقة داخل قبضتي دونَ وعي، ليس من الصائب التفكير الآن،
على ما أظن.
.
.
_____________________________
.
.
لا يُصلّي القسيس لقتل أحد، هناك خطأ ما..
زفرتُ أحني رأسي بينَ ذراعيّ وأمامِي فاطِم تُقلّب صفحات كتابها وتَرتشف مَع كُل سَطرَين رشفةً من القَهوة.
رفعتُ مُقلتايَ أتابِع تحرّكاتِها وأطرق بإصبعي فوق الطاوِلة، لَن تتمكن مِن فك هذه الشفرة، لا أظنّها قد تجيد ذلِك، حلّ اليأس على قلبي مُجددًا فأعدتُ إخفاء وجهي.
فلنُحاوِل مرة أخرى،
قالَ برجُ القاهِرة.. حينما صُلّي لكي يُقتَل الزنديق، مَن هو الزنديق؟ بالتأكيد ارتكَب فعلًا شنيعًا.. كاتِب الرسالةِ قاتِل وأنا أريد الخَوضَ في غمار الجحيم، أيقصد نَفسه؟ أو أنا؟ لَم أرتكِب الخطيئةَ بَعد، هُو إذَن..
لكِنه لا يزال على قيدِ الحياة!
قد يكون المقصِد معنوِيًّا، أجَل لكن ما علاقة كل هذا ببعضه حتى؟
كتمتُ أنينَ الغضب أضيّق قبضتاي فوق رأسي فسَمِعتُ هَمهَمتها.
_« ما بِك؟»
_«لا شيء»
غمغَمتُ بوجوم أعيد ظهري للخلف، فأغلقَت كتابها تُلِحّ عليّ.
_«بل يوجَد، ما الأمر؟»
تمايلتُ برأسي على الجانِبَين أشكو بصمت، لَو طلبتُ مِنها مساعَدةً لن تصمُت عِند الحل وستتطايَر أسئلَتها تلك الشبيهة بـمن صنعه لكِ؟ ولماذا؟ وإلخ، ولا أمتلك كذبةً لطيفة..
ربّما
أعدتُ النظَر لوجهها الدائريّ وقد توقفتُ عن الاهتزاز، لا ضَير مِن التجربة، لا أظنني بذكاء فاطمة، لكنّي أجدتُ الكذِبَ مرارًا.
_« تحدّاني شقيقي في لُغزٍ وأريد مساعَدتِك»
قُلت مع لمسةٍ مِن الرجاء، فأومَأت بحَماس تتّكئ على الطاولة بيننا.
_«هيّا، أنا منصتة»
_«حينَما يصلّي القسّيس كَي يُقتَل الزنديق»
ضغَط صف أسناني فوقَ شفتي السفلِيّة وعيناي تحفظان تعابير وجهها، إذ تتبدّل لِشيء مِن عدَم الفِهم فتُجعّد جبينَها وتَطرف، هَل هو صعب لِلغاية؟
_«هذا فقط؟»
أمأتُ أُأَكّد فتراجَعت قليلًا.
_«لكِن السياق غيرُ مُحَدّد، ما هو السؤال!؟»
_«لستُ أدري، أنتِ تعرفين رأسه المُربّع»
تذمّرتُ آكل فَروةَ أخي بينما هَمهَمت وهي تبدأ في التفكير بعُمق، فيزِلّ لسانها بكُل ما يخطر على عقلها.
_«حينَما يصلي القسيس.. ألا تدعون للتخلّص من الزنادِقة أو ما شابه؟»
_«فاطمة رجاء توقفي عن الهراء»
_«ليسَ هراءً، أسأل حقًا!»
كِدتُ أطلق سبّة لكنني ابتسمت، بدأت تفرك سطحَ الطاولة المعدنيّة وعينيها تجولان بينَ وجهي ويديها.
_«فلنحلل الأمر بنظرةٍ عُلويّة، قد يحمِل اللغز مغزى دينِيًّا، أو رمزِيًّا، ماذا عَن صلاةٍ مُعَيّنة للدعاء على الأشرار؟»
_« من نريد الدعاء عليه ندعو عليه مباشرةً»
قلتُ بملل أبحث في حقيبتي عَن قطعة حلوى.
_«ما الرمز الذي قد يقصده إذن؟ ربما لو طلبتِ منه تلميحًا سيسهّل عليكِ الوصول للحل»
قالَت بعبوس وهي تحك جبهتها فضيّقتُ جِفناي، لم تفكّري سوى القليل من الثوانِ!
كنتُ أعتمِد عليكِ!
رغِبتُ في الانهيار لكنّي اكتفيتُ بتنهيدة، أظنها مُحقّة ربما كُل ما أحتاج إليهِ تلميحًا، لكن كيف سأتواصلُ معَ سيد خفِيّ هذا!
مررتُ مقلتاي على وجوه الطلبة حَولنا، ترى أيّ واحِد منهم أسفَل قناعه مَن أبحث عنه..
نظرتُ لعامِلي المقهي، أقد يكون أحدهم هو مجرِمي المتموّه؟ أربعينيّ قويّ البنيان يحمِل جرنانًا كبيرًا أمام وجهه؟ أم شاب يمهَر في سكبِ القَهوة والإدلاء بالملاحظات المُعَسّلة حِيال أي أنثى تمر جواره؟
كيفَ يكون في عالَمه الآخر.. الذي لا يعرف فيه الناس سوى وجهِه الضحوك أو العَبوس؟
ما لونه المفضل؟ شرابُه؟ هل لديه أسرة؟
هل يرتدي القبعةَ نفسها دومًا؟
ما هو اسمُه؟
_

_
يُمكِنني قولُ ذلِك، يومٌ آخَر طويل ومُرهِق لا يُخَلّلّهُ سوى أملي في التمكّن مِن الوصول إليه.
كنتُ أقطَع خُطوتَين في خُطوة، ثلاثة في واحِدة.. أربعة، الشارِع فارِغ فلنركُضه، أمسكتُ السياج البارد والقذِر أتنفس، نظرَت إليّ امرأةٌ مع ابنها.. وهمَس عجوزٌ هناك بشيء ما، لكنني تابعتُ على أي حال.
أمام تقاطُع الطرق حيثُ كابينة الهاتِف الخضراء تقِف بهالةِ قصرٍ انتَشرت حياله الأساطير، فباتَ مخيفًا ومُغرِيًّا في الآن ذاته.
انتظَرتُ خروجَ من بداخِلها، ولَولا امتلاءُ جسدِه لتشبّثتُ بمعطفه ظنًّا أنّهُ هُوَ، لا أُشكك في احتمالِيّة كونِه حَولي، في مكان ما، الآن.
لو صرختُ عليهِ هل سيجيبني أم سأبدو كالمجنونة؟
أطلقت نفسًا أخرِج دفتري لأقتطع منه ورقة، تردد قلمي فيما يكتُبه فوقفت حائرة، اللغز صعب؟ قل ما تريده مباشرةً؟ اترُك إلَيّ تلميحًا.. هذِه جيّدة.
تركتُ الورقةَ بعد لصقِ علكةً بها كما فَعل، آمل أنني لم أفسِد الأمر فحَسب.
أعيدُ قراءة لغزِه مرةً بعدَ أخرى، ولا أفهم أي شيء، ماذا أفعل؟ بحاجةٍ لخيطٍ ما..
لن تصلين لأي شيء لو وقفتِ هنا وفكّرتِ، أظن أن عليّ التحرّك،
ربّما يكون حل الجزء الثاني فِي الأول، لَو ذهبتُ للبرج الآن.. قد أصِل لشيءٍ ما.
.
.
مَع آخر نفسٍ أطلقته كنت هناك، يحيطُ بي مزيجٌ من الأصواتِ، هذا يعبثُ بآلة تصويره وتلك تثرثر بلغةٍ لستُ أفهَمها مَع من يبدو كزوجها، طفلة تُتأتِئ في محاولةٍ لقَولِ قِطّة ووالديها يضحكان،
بينهم وقفتُ أنا..
أطلق زفراتي وأحاول تعديل غرتي، مرّت عيناي على صفحةِ وجوههم سريعًا، هناك مَن لا يشعرون بالبهجةِ مِثلي أيضًا.. جيد.
وعلى بعد عدة أمتار، وقبل انغلاق المِصعد بثوانٍ، وَقعتُ ببصري صوبَ رجل أمن خلال الفتحة بينَ البابين، ساكِنٌ في مكانِه يخفي يديه في جيوب سرواله البنّي ويلوك عِلكة.
لا يُمكِن.. لن يقِف أمامي مكشوفًا هكذا؟
ببرود تبحلِق خضراواه بي.. وينفخ علكته؟
تقدمتُ خطوةً لكِن الباب أُطبِق قُربَ أنفي يرغمني على التراجع، فشعرتُ بحبلٍ ساخن يلتف حولَ عنقي، أريد الخروج إليه وسماع صوته، أريد التأكد أنّني لستُ مهووسة فحَسب،
لكن المصعد تحرّك.
أيعقل أن يكون هو حقًا؟
كان قُربي، رأيتُه.. رأيت ملامحه ولم يتخفّى،
لا يمكن، يستحيل ذلك، ربّما التَبس عليّ الأمر، لن أشكك في كُل مَن يلوك عِلكة؟!
رفعت يدي أخفي وَجهي، ورأسي يعد الطوابق المتبقية، الحماس والتوتر يأكلانِ صاحبهما هذا مؤكّد، أستطيع الشعور بالبريق الأحمر يمتد عَبر جبهتي،
اهدئي.. لَيس وكأنّك جنديّ يحارِب جوار صف الأعداء! أم أفعل؟
واحد وستون، أربعة وخمسون، ثلاثون، سبعة وعشرون، تسعةَ عَشر، خمسة عشر.. سبعة، خمسة.. ثلاثة، اثنان، واحد
اخترَق صفيرُ المِصعَد جمجمتي كخطّ رفيع من البرق، ففرجتُ بينَ أهدابِي أخطو قبلَ الجميع، هاجَم نسيمُ السطحِ ملابسي، والتفّت أصابِعي حولَ ذراع الحقيبة بينَما أبحثُ بمرآي عن أي إشارةٍ بينَ خطوط السياج.
.
.
.
لا شيء،
حقًا..
يبدو أنها كانَت مزحة سخيفة بالفِعل ووقعتُ ضحِيّتها.
الشمسُ تغرُب في الأفُق، ولم أعُد قادرةً على الوقوف، ركبتايَ تتألّمان.. وذلِك الوغد اللعين جعلني كالمهرّج طوال النهار أركُض يُمنةً ويُسرَة، لم أتناوَل غدائي حتى!
غيّرتُ رأيي، لَست أحتاج لمجنونٍ يخال نَفسه الجوكَر ليلعَب بي وكأنني ماريونيت، سأعود وسأتعلّم كيفَ يتِم الأمر، ربما الإطلاع على أشهر القتَلة المتسلسلين سيُفلِح.
زفرتُ بحُرقةٍ فإذ بهاتفي يصدر رنينًا، فحشرتُ يدي داخل الحقيبةِ ألتقطه، لستُ بالمزاجِ لأسمَع سخريتَك يا مينا.
كُنت أضرب الأرض بخفّة بينما تهبّ علينا السماء بنفحةٍ بارِدة من الرياح، فشعرتُ بها تخترِق صدري، وهَبطت عيناي لأسفَل
أتأمّل، الناس من هنا يبدون كالنّمل، أقل مِنه.. لو معي عود ثِقاب ضخم للغاية، ضحِكتُ وعاوَد هاتفي الرنين، فرفعتُه نَحو أذني ورأسي تعلو تحدّق بالسحُب.
_« ماتيلدا.. والدتُكِ بالمَشفى»
هَدر بصوتٍ مُرهَق كمَن رَكض لساعات، فاتسع ثِغري أنزل جِفناي وسَقطت يدي بالهاتِف لأسفَل.
جميل، كانَ هذا مُتَوقّعًا.. كاثرين، تستحق لأنّها واهِمة،
وأنا أكرهُ الواهمين.
ارتعشتُ،
هذا الإحساس.. مألوفٌ للغاية.
أذكُره، على المَبنى الغامِض جوار قنّاص مزعِج شعرتُ بتلك الدغدغةِ، عِندما رأيتُ الرصاصة تخترِق رأسَ الغريب وانبهَرت.
كانَت ليلة رطبة كهذِه، وصَرخت أمه كثيرًا.. وعروسه
جحُظَت حدقتايَ وطقّت رقبتي إثر انخفاضِها المُفاجئ،
لقد فهِمتُه
.
-
.
يُصلي القِس لمبارَكةِ العروسَين، لكن أحدهما مَات بالطلقِ والآخَر بالقهر، كانَ يقصِد ذلِك.. أراد أن أصِل للمبنى ولَيس البرج!
كانَ وجهي مضيئًا، أُهَروِل في الطُرُقاتِ المُظلِمة وقلبي ينبض وينبض، هَل هو مَن بارَك لهما الزفاف؟
هل كان القِس؟!
وقفتُ عِندَ المبنى نفسه، يقابل القاعةَ مباشَرة والتي لا تزال مُغلَقة لأجل التحرّيات، أطلقتُ أنفاسي المبتهِجة أرفع السلسلةَ المعدنيّة وأولِج الطابِق الأرضِي،
انتظرني أيها العزيز أنا قادِمة،
لم أشعُر بشيء مثل هذا من قبلَ، منذ أن كنتُ صغيرة.. عندما تعود أمي بالحَلوى دونَ أن أطلب منها.
ركضتُ فوقَ السلالِم وألم ركبتاي تلاشى، وعِندَ السطحِ هذه المرةِ لَم أزحَف، اتكأتُ على الجدار القصير بينَ المبنى المجاور وعَيناي تجوبان الظلمةِ حولي، أبحث عنه.
_«ظننتُكِ تحتاجين للمساعدة»
رفعتُ رأسي فإذ بساقيه تتدلّيان فوق السور وخَلفه القمر، تبًّا.. لم أمنَع ضحكتي وأنا أتنفس بصوتٍ مرتفِع.
_«كنتُ كذلِك حقًا»
راقبتُه يقفِز والحقيبة السوداء كبقيّةِ ما يغطّيه ترتدّ خَلفه، ألقى إليّ بقفّازين مثيلَين للخاص بِه فالتقطّهما وتبِعتُ نزوله بينما أرتديه.
_« في المرةِ المُقبِلة، لَن تجعلني أزور مِصر بأكملها كي أصِل إليك..»
همستُ بنبرةٍ بها بحّة خفيفة بينما توقّف أمامَ بابِ إحدى الشقق، فرَفع إصبَعه نحو فمّه يشير إليّ بالصمت ويده الأخرى تلتَقط من جيبِ بنطالِه بنسَةَ شعر بدت عليها الثنياتُ المُتكرّرة،
راقبتُ كيفَ يحرّكها داخِل قفل البابِ حتى تمكّن من فتحِه، وحينها كانَت مَشاعري وَصلت لذروتِها، لَن أحرِق نملًا.. بل بشرًا.

.
.
أعتذِر لطول مدة النشرِ هذه المرة، لكِن هذا الفصل الوحيد الذي بذلتُ فيه جهدا عن البقيّة٦-٦
آمَل أنك لَم تمل من التمطيط.. ("
اترُك انطباعَك، آراؤكم تسعدني. ♡
Alogin