وبهذِه الطريقة كنتُ أترك بصماتي بدِماء آخَر على تنورتي، قميصيَ الأزرَق، وأطراف أصابِعي.
وَضعتُ القلَم بعنايةٍ داخِل صندوقِيَ السرّي دونَ تنظيفه، ومَنظر الدماء التي تكتّلت فوقَ قِشرِه الخشبيّ يعجبني، وكأنه فلفلٌ مَطحون.
مرّرتُ بسبابتي فوقَ المَلمس الناعم وليالٍ قاتِمة تمرّ على ذهني، هذه القطعة النظيفة ما كنتُ أُجبَر على ارتدائِها هناك، في الجَنّةِ البيضاء حيثُ لا عَقل يمنعك عن ارتكابِ الخطيئة.
تنهدت بينما أؤكّد على القفل المُغلَق ثلاث مرّات والهدوء في المَكان حولي أعادَ إليّ المَشهد السابِق بنَفسِ العَدد، أنا أشعُر برَعشاتِه تتولّد فيّ، رُسغ يدي غيرُ مُتماسِك وجَسدي بأَكمله مُنهَك، دفعتُ الصندوق داخل الدرج ثم استلقيتُ على الأرضِ الباردة.
تَصاعد صدري مع كل نفس، وتنقّلَت عيناي في تفاصيلِ السقف، أريد أن أجرّب بنفسي.. أنا أحتاج لذلِك.
تكرّر نداء الهاتِف للمرة المئة لكنني تجاهلته، وبهمّةٍ قمتُ أزحف على ركبتيّ للخارِج، لم يَعُد مينا وأمي بَعد، يبدو أن حالَتها تزداد سوءًا.
اتكأتُ كالسكارى على بابِ حجرتِه فدفعتُه بثِقلي، فوضويّةٌ كشعرِه المبعثر دائمًا، ملابسه في كل مكان تتخيله أو لا تتخيله، وهناك في الجانِب يرقد مَرسمه الخاص، تلك اللوحةِ الفارِغة يرفعها الحامِل، والأُخريات تجمّعن حولها تُخفيها عَن الأعين غِطاءات مختلفة الألوان،
وتلكَ التي لم تنشَف بَعد.
أملتُ رأسيَ ألقي نظرةً على الألوان وهيَ تتمازَج لتصنَع سياطًا برّاقًا حولَ خيالٍ أسوَد، يبدو تائها، وربما عالقًا، وبطريقةٍ مَا شعرتُها تشبهني.
بديعةٌ للغايةِ في كآبتها وَمُرضِية بلمعانِها،
لم تختلف لوحاته الباقية عنها كثيرًا، فالخيال نَفسه لكن في مواضع مختلفة.
رسوماته الغريبة تُشعل رغبتي في الغَوص داخلها، احتضانها وحَبسها عنه، سرقة ألوانِه ليتوقف عَن إبهارى بما يصنعه في كل مرة.
إنّه بيكاسّو منزلنا الصغير.
لَم أجِد القدرةَ على البقاء واقفةً هكذا، فدفعتُ المقعد عن طريقي وبحركاتٍ مرتخية قمتُ برَفع اللوحةَ عَن الحامِل، أظن أن بداخلي رسّام يصرخ ليتحرر،
ألا أعطيه فُرصة؟
سحَبت علبةَ الألوان والفرش مَعي ثم جلست عند قدمِ الفراش، ومَع تنهيدةٍ عظيمة كنتُ أبتدئ أغرَب ما قد يرسمه امرئ.

.
_«اِنهضي»
غمغمةٌ مَع اصطدامِ شيء ما بكاحِلي كانَ سببًا كافيًا لاكفهرار مَلامحي، بُشارةٌ لِصباحٍ مِثالِيّ!
فرّقت بينَ أهدابي لأرمق الواقف أمامي بانزعاج حاد، وكأنّه مزّق عليّ خلوتي، فأعاد كرّته بضربِ مقدمة حذاءه بساقي متجاهِلًا عيناي، حينها نهضتُ لمنحِه لكمةً لولا أنه تراجَع قبل أن تصِل قبضتي إليه.
_«أينَ كنتِ البارحة؟»
سأل بنظراتٍ مركّزة على هيئتي المبعثرة، فعبستُ أعتدِل وقد أدركت أني غفوتُ على أرضيّة حُجرته ولطّختني ألوانِه الغالِية.
نقلتُ بصري لقميصي أتفحص البقع الرطبةَ فوقه، كنتُ لا أزال أستوعب أني يقظةٌ بالفعل.
_«أجيبي»
ارتفعت نبرته عن السابِق، مُستاءٌ مِني للغاية.. لستُ أفهم، ما الذي كانَ ينتظر أن أفعله؟ كنتُ مُنشغلة!
_«اتصلتُ عليكِ مرارًا، ذهبتُ لجامِعتك وعرفت أنكِ غادرت، عدت لهنا ولم أجِدك، وكدتُ أتجه لمغفر الشرطة اليوم، أين كنتِ؟»
_« أرتكب جريمة قتل»
تمتمتُ بينما أعيد ترتيب شعري للخلف وقد راقَ لي تعبيره، شَعر بالاستفزاز وربما تمنّى لو أمسَك بفروةِ رأسي لمسح بقية الألوان عن الأرض بوجهي، فلم أكبَح ابتسامتي اللثوية وأنا أنظر إليه.
_«كفى هُراءً، لقد سَئِمتُ جنونك»
انخفضت رأسه قليلًا يجِزّ على ضروسِه فينقبض فكّيه وقبل أن أجمَع شعري في كعكةٌ كان يجذب ذراعي بقوّةٍ لأقِف ولمَحت قزحيّتاي الخطوط الحمراء على رقبتِه.
_«والدتكِ في المَشفى يا ماتيلدا، إنها تحتضِر! وأنتِ.. أنتِ هنا ترسمين؟! هل فقدتِ عقلك؟»
صَمت يبتلع ريقَه، لسانه يلتصق بحَلقه، يسد مَجرى الهواء، وكأنه لم يَرتوِ منذ سويعات، ورغم ذلك أصر على جرح حنجرته بالصراخ وهزّي بقوة.
_«كانَ خطأً فادحًا السماح لكِ بالخروج من وكر الجنون الذي تربيتِ بداخِلِه، ذلك المكان ما يلائمكِ، لا بد أن الطبيبَ أخطأ تشخيصك، لا تزالين مريضة، لن تُشفَي أبدًا، ستبقين هكذا برأس فارغ وعقل متعفّن!»
رمشتُ أرى تفتت عُقَد الحكمة عن لسانِه، فإذ بِه يرميني بكلامٍ ظنّه سيحرّكني أو يخلّف تأنيبًا ربما، لكن.. لا،
أنا لا أشبِه الجنةَ البيضاء، أنا ألائم الجحيم الأسود أكثَر.
سكَت، يتنفّس بعُنف وقد ترَك عضدي، أرخيتُ كتفي أرى الندمَ يزحف فوقَ ظهره، ليغادِر صافِقًا البابَ خلفه.
يا رجل،
هذه حجرتك أيها الأحمَق!
تقلّبَت معدتي عِند اجتياح رائحة الدخانِ هواء الشقة، فخرجتُ خَلفه ولم أتخلّ عن برودِ ملامحي، ما الذي ينتظرونه مني؟ هو وميدونا كافيان لها، لَن تموتَ إلّم أذهَب ولن تُشفَ لو فعلت!
كانَ يقف في المَطبخ، زجاجة الماء شبه فارِغة أمامه، وأنامله تخنق إصبَع السجائر بينَها، حلّقت السحابةُ الضبابِية حولَ رأسِه، ولم يكلّف نفسه عناء فتحِ نافذةٍ حتى، يتقصّد خَنقي وَلو على حِساب إصابته بالربو.
لِذا، لم أتقدم عِندما أصابه سعالٌ حاد جَعل من جِذعه يَنحني، راقبتُه كيفَ اتكأ على الحوضِ وبيدِه الأخرى نازَع حتى تمكن من دَفعِ النافذةِ الصغيرة؛ كي يهرّب صراخه الدخّانِي، لقد كان يتقيّأ روحه.
لوّحت بيدي أمام أنفي وبؤبؤاي يميلانِ نحو البيضةِ المتروكة قربَ المِقلاة والزيت مستقرٌ داخِلها..
رَفع بصره إلي عندما توقفت معدته عن الارتعاش، لكنّه أشاحَ بهما.
علاقتي بِه غريبة، يعرِف كيفَ تدور تروس عَقلي ورغم ذَلِك يُسايرني في الكَثير من الأفعال المشكوك بأمرِها، لكنّه في الآن ذاته يستنكِر عليّ بعضَها.
ألم تكُن أنتَ مَن أحضَر إليّ سلاحًا عندما تظاهرتُ بالضعف؟
.
.
لم نخض شجارًا آخر، إذ حافظتُ على صمتي طوال طريقنا للمشفى وفَعل هو المِثل، ركنتُ لزجاجِ النافذة أتأمل الطريق وهو يركُض خلفنا، والهواء يتسلل من الفتحة الصغيرة يضرِب مقدمةَ رأسي ويدفع دخان سيجارتِه الثالثة عنّي،
حتى لاحَت لنا لافتة المَشفى في الأفق هناك، فأضطر لتركِ المقعد واتّباعِه.
لا أذكر أنني رأيتُها في حالةِ ضَعفٍ كهذه من قبل، بَهتت، لون وجهها البنّي أصبَح مصفرًا، وهالات عينيها الأرجوانية تنضخ بالبؤس أسفل جفنيها.
مررت إبهامي على صدغِها برفق ولم تَبخل قطيرات العرَق بالتلامس.
_«ما الذي قاله الطبيب؟»
_«ارتفاع حاد للسكر، قال أنها قد تستيقظ في غضون يومَين وحتى ذلك الحين ستبقى في العناية»
تراجعتُ سامحةً للهواء بالمرور بين جلدينا، ألتفت إليه بينما يلقي بكاهله فوقَ الأريكة.
.

.
قلّبتُ الوَرقة بينَ يديّ والسماعةُ مضغوطةٌ بأذني على كتفي، انتظرتُ طويلًا لكِن لا مُجيب، فأغلقتها وألقيتُ الورقة لتحلّقَ قُربَ مينا الذي لم يلبَث دقائق وتقوقَع على نفسه نائمًا حيثُ كان.
ميدونا هناك، تقرأ مِن الكتابِ المقدس جوار أمي بصوتِها الهادِئ ، ولَم يبقَ أحدٌ سِواي كي يَحمِل همّ إلغاء مَواعيد والدتي المشغولة للغاية.
مَسحت عُنقي ودِفؤه لا يُرضيني، مُضطرةٌ للذهاب إلى المأتم كي أخبرَهم بنفسي، فالهاتِف الأرضِي مُعَطّل ولسببٍ لا أدركه تَمنع أمي العاملات هناك من استخدام الهواتف النقالة.
بتراخٍ سَحبت ذراع حقيبتي ونهضت، تدحرج محجرايَ نحوهم للمرة الأخيرة قبلَ مغادرتي الصامتة.
وبينما ترسِل الشمسُ دفعات سَخطها فوقَ انحناءات رموشي بُغيةَ أن تَحرِمني الرؤية، سِرتُ وكَعب حذائي يطرُق الأرض بنغماتٍ طَمسها ضجيج السيارات في الزاوِية، وكلتا يداي تتحولقان حول عينيّ علّي أتأكد أن هذا هو المكان الصحيح.
استَقبلني البوّاب البغيض بحفاوة، فلَم أجد فرصةً أفضَل لطَلب كوب ماء بارِد أثناء توجهي لمَكتَبِ المسؤولة هنا.
_«السيّدة مِرڨت في مِشوار الآن، يمكنكِ انتظارها حتى تصِل»
كانَت تِلك المرأة مجددًا، تمرر أصابعها النحيلة بينَ شراشف وِشاحها، وعينيها البارزتان تحدقان بي، باهتمامٍ بالِغ.
_«وأينَ ذَهبت؟»
ترددت، ونظرَت خَلفي لثانية قبل أن تنحني بالقُرب وتخفض صوتها.
_«لا تحب أن نتحدث بشأن أسرتها، لكن أظن أنّ هنالك مشكلة ما»
_«هل ستتأخّر؟»
أردفتُ أخطو للخَلف خُطوة صغيرة، فنَفت تلوح بكفّها لأسفل.
_«أبدًا، لقد غادرت منذ ساعتين، وقد تستغرق نصف ساعة حتى العودة، يمكنكِ قضاء الوقت مَع الأطفال لذلك الحين، سيسعدون للغاية»
رأيت بهجةً غريبة في ارتفاع ثغرها، فطليتُ وَجهي ببسمةٍ ولا أدرِي كيفَ أومأتُ دونَ كلمة، ربما هالتها تجعلك توافق قبل أن تفكّر.
تَبِعتها في الرواق الهادئ واللوحاتُ الزيتيّة مُعَلّقةٌ على الجدران في صورةٍ هَندسيّة، أناس غُرباء لكنّ ملامحهم مَع هذه الملابس السوداء تتوهّج بالوَقار.
انعَطفَت يسارًا فالتففتُ حولَ نفسي أعود الأدراجَ التي صعدتُها، انتَفخ الفستان الكحليّ بنفحةِ ريحٍ مِن الكَون الأزرَق، لكنني استمعتُ لإيقاع كعبي المسطح على الأرض العارية بشكل جيد هذه المرة، وبدا هذا أفضَل من الخارِج.
الجدران هنا تَجعلك بارِدًا رغمَ أنفِك، حتى لو أحرَقت الشمس الخارج سيبقى ينفخ الرطوبة على الأجساد، عدا ليلةٍ واحدة كان الخارج فيها أشد برودةً من الداخل.
توقَّفت ساقاي عِند ذلك الخط الأسود في الجدار أسفل السلم، خَلّفته ألسنة غَضبٍ وكرهٍ عَن صبيين أكبرهما لم يتخط الثالثة عَشر، لولا أبي لتحوّل هذا المَكان لأسطورةٍ غناؤها العَويل.
تحدّثَت أمي عَن الحريق الذي نشَب هنا منذ أعوام.. لستُ أذكر متى لكنني كنتُ صَغيرة حينها، تسبب في موتِ جميع من في الميتم بالنيران عدا الاثنين، وحتى الآن لا أحَد يعرف عنهما أي شيء.
أخفضتُ جفوني عِندَ تردد صدى اسمي من الأعلى.
_«آنسة ماتيلدا؟»
تَباطأت في العودة، أضغط على ألواح الدرج ويدي تمسح الغبار القليل عنِ السور..
_«آتية»
.
.
_«أنا يارا، أحِب الدمى، إنها لَطيفة، ماذا عنكِ؟»
تمايلت الدمية بينَ يديها ذات السوار الذهبِيّ، فنقلت بَصري بينَ كِلتيهما ولم أتكلّف عناء الابتسام.
_« ماتيلدا، أكرَه الدمى، إنها بغيضة»
رَمشت الفتاة قليلًا وابتسمَت أكثَر، كبقية الأعيُن الفضولِية التي تحيط بنا.
_«لماذا تكرهين الدمى؟»
سأَلتني فطَرقعت بلساني أنقل بصري لأعلى، ربما لأنها مُصطَنعة للغاية، تحاول الظهور بشكلٍ بَشري، تقليدنا بالقوة، وأكره ذلك.
مررتُ مقلتاي فوقَ الدمية مجددًا، وجهٌ لطيف وجسد مثاليّ،
أشرتُ لها أستأذِن لأخذها فرفعتها إليّ، برِفق رُحت أهذّب خصال شعرها وأميل رأسي.
_«الدمى كاذِبة يا يارا، إنها تَنهض فَجرًا كي تستولي عليكِ، ترغب بحَبسِك داخل جسدها البلاستيكيّ والتحرك بحرية بدلًا عنكِ»
ارتَسم الذعر على حواف عينيها، فمِلت نحوها أكثر أتحدث بجدية بالغة.
_«إنها تحسدكِ»
انحَبست شهقتها المرتجفة في حلقها، تحدق بيني ودميتها العزيزة، لن تكونَ ليلتها هذِه كالسابقات، ستَشعر بتلوّي معدتها وَالنوم يتطاير من فوق جفونِها نَحو ركن الدمية، وقد يؤول الأمر لإلقاء لعبتها المفضلة من النافذة.
شعرتُ بقليلٍ مِن الأسف لرغبتي في الضحك، بدا تعبيرها طريفًا!
لكنّها كانَت الثانية عَشر بالفعل، إذ جاءَت تلك المرأة تردد اسمي بصوتها الرشيق كحركتها تُعلمني بوصول السيدة مِرڨت، فألقيت بسمة عابرة للرفاق قبلَ أن أجمَع فستاني وأنهض.
.
.
.
كَتمت صوتَ صدمتها بيدها، تدير وَجهها عنّي لِلَحظة.
_«أنا آسفة»
تَمتمت تُشرِع بدفني بينَ ذراعيها، وكأن تصرّفها السابِق غير لائق، ترهّل جِلدي عند مرور كفّها الدافئ فوقَ رأسي، مرّ وقتٌ منذ فَعلت أمي هذا، أسبوع أم اثنين؟
كنتُ مَن فَصل العناق كالعادة، أبتسم بخفوت وأومئ برأسي كتقديرٍ منافِق لاهتمامِها،
وهَل هِي آسفةٌ فِعلًا؟ أم أن هذا يروق لطيّاتِ نفسها الخبيثة؟ ألن تُصبِح الآمر الناهي هُنا ولو بشكلٍ مُؤقّت؟
تَنهّدَت مُجددًا، تحاوِل تَثبيت شفقتها في ذِهني، لكِن مقلتاي مالتا خَلفها، حيثُ صورة لَم يختلِط بها غير الأسوَد والأبيض الرمادِيّ، لَمحت فضولي فألقَت نظرة هِي الأخرى قبلَ أن تتراجَع خُطاها نَحو المِقعد خَلف مكتبها.
_«أتعرفين مَن هو؟»
حدّقت بوجهِه الدائري المُكتظّ بِالدهن، رقبته التحمت مَع ذقنِه وما عاد يفرِق بينهما عدا الخطّ الرأسِيّ أسفَل شفتيه بقليل.
طرقتُ برأسي وبانَ لها جَهلي، فارتفعت حدود وِجنتيها.
_« الأستاذ رأفَت، المسؤول السابق عن هذا المأتم.»
كان سكوتي دَعوةً لها لتَستكمِل وأظنّها دعوةٌ مَرغوبة، فالكلمات ارتَصّت بِحماس تحاوِل مداراته.
_«كانَ رجُلًا عَظيمًا، أنتَج أطفالًا بسلوكٍ مُهَذب للغاية، لم يُسمَع لهم صوتا، كانوا كتماثيلٍ مُهَندمة، ولم تصدر أية شَكوى طوال مدةِ وُجودِه هُنا، كانَ هذا الميتم حينها هو الأشهر والأكثَر أمنًا، الجميع يثق بأنّه سيحصل على طفلٍ صالِح من هنا، حتى تِلك الليلة المشؤومة»
سَكتت تسحَب مِنديلًا من العلبة قُربَها وتشير إليّ كي أجلس.
_«طفلان عاصيان ومصباح زَيتِيّ»
بطَرف المنديل أزالَت الشوائب عن البؤرة قرب حواف عينها وتابعَت.
_«تَخيّلي ذلك، تفَحّم الجميع بنيرانٍ كان بالإمكان أن تُخمَد سريعًا، استغلّ الصبيّان فجرَ ليلةٍ رياحها عاتِية، وفرّا بَعد أن تشبثت أذرع النيران بالستائر،
لا أدرِي حقًا أكانت تلك رحمة مِن الرب لأخذ الأطفال من هذا العالم البائس أم أنه سَخط»
سَخط أم رحمة؟
وإن كانَ سخطًا، فمِن ماذا؟
كيفَ كانت حياة أولئك الأطفال هُنا؟ ما الذي دفعهما لذلك؟ لا أظن أن بيئةً نظيفة قد تُنتِج نوعًا مُدَمّرًا بهذه الجُرأَة.
_«يبدو هذا بَشِعًا»
هسهستُ فوافَقتني ترتخي داخل كرسيّها أكثَر، لكِنّني عدت بناظراي نحو الرجل خلفها مجددًا وسؤال تبادر لذهني.
_« وأينَ الطفلان؟»
رفعت كتفيها مَع صوت خافت صَدر من حنجرتها.
_«لا يدرِي أحد عنهما أي شيء، لا ندري إن كانا لا يزالان على قيدِ الحياةِ حتى، حتى أن الشرطةَ أغلقوا ملفيهما كمفقودَين وحتى الآن لم نسمَع بشأنِهما أي خَبر»
رُغمَ جم الخسائر التي تعرّض لها أبي في الماضي إثر هذه الحادِثة، إلا أنّني مُعجَبة بما فعلاه، في بيئةٍ محافظة للغاية يُقَدّس فيها صمتُ الأطفال، أدب أم أنه قَمع وحَبس؟ لست آبه حقًا، حتى لو كانَ الرجلُ صالِحًا بالفعل، لأنّ التمرّد مُمتِع، يُشعرني وكأنني حيّة، مِثلهما تمامًا.
انتهى حديثنا هُنا، ودّعتها كما علمتني أمي ثم غادرتُ، ولمحةٌ من الإثارة تنبض داخل جَوفي، لهذا المكانِ ماضٍ.. وهو لا يزال قائمًا، حيّا يصنُع لنفسه تاريخًا جديدًا، آمل أن يمتلئ بالمَصائب.
.
.
Alogin